اخر الاخبار

تواجه السياسة الضريبية في العراق تحديات كبيرة نتيجة انتشار النشاطات الاقتصادية خارج المنظومة الرسمية، ما يحرم الدولة من موارد مالية مهمة.

ويشير عدد من الخبراء إلى أن الحل لا يكمن في رفع نسب الضرائب على الفئات الملتزمة فقط، بل في توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين آليات الاستحصال، وبناء الثقة بين الدولة والمكلفين لضمان إيرادات مستقرة، دون الإضرار بالنمو الاقتصادي.

٦٠ في المائة من المكلفين يتهربون ضريبيا

يقول المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، إن قطاع المهن الخاضع للضريبة لا يشكل سوى نحو 40 في المائة من إجمالي الفضاء المهني في البلاد، في حين يقع ما يقرب من 60 في المائة من هذا الفضاء خارج الوعاء الضريبي، ضمن ما يُعرف بالأوعية الهاربة التي تنشط في إطار السوق الرمادية، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسة الضريبية في العراق.

ويؤكد صالح في حديث خصّ به "طريق الشعب"، أنّ التوجه السياساتي الأمثل لتعظيم الإيرادات الضريبية، لا يكمن في زيادة الضغط على الشرائح الملتزمة أصلاً بدفع الضرائب، وإنما في توسيع الوعاء الضريبي أفقيا، بوصفه المسار الأكثر كفاءة واستدامة.

ويشير إلى أن هذا النهج يسهم في تعزيز العدالة الضريبية، والحد من تشوهات السوق، وتخفيف العبء عن المكلّفين النظاميين، على خلاف ما يسميه بالقمع الضريبي العمودي الذي يستهدف قاعدة ضريبية ضيقة ومحدودة.

ويلفت إلى أن التوسع الأفقي يتطلب في المقابل جهودا إدارية ورقابية عالية الكفاءة، قادرة على رصد النشاطات غير المسجلة، ودمجها تدريجيا في المنظومة الرسمية، عبر أدوات التتبع والحوكمة الضريبية، إلى جانب سياسات تشجع الامتثال الطوعي، وتبني الثقة بين الدولة والمكلّفين.

وفي المقابل، يوضح صالح أن أي تغيير عمودي في معدلات الضرائب لا يمكن أن يتم إلا من خلال تعديل القوانين والتشريعات الضريبية النافذة، انسجامًا مع القاعدة الدستورية التي تنص على أن فرض الضرائب أو تعديلها لا يكون إلا بقانون، وبما يضمن اليقين القانوني والاستقرار المالي.

ويخلص إلى أن تعظيم الإيرادات لا يتحقق عبر تشديد الضغط على قاعدة ضريبية ضيقة، بل من خلال توسيعها وتحويل الاقتصاد الرمادي إلى اقتصاد منظور، ضمن مقاربة شاملة تجمع بين العدالة والكفاءة وحكم القانون.

رفع نسب الضرائب تفرز نتائج عكسية

فيما يقول المراقب للشأن الاقتصادي علاء الفهد أن التحديات المالية التي تواجهها الدولة في ظل تراجع أسعار النفط باتت واضحة، غير أن معالجة العجز المالي، بحسب رأيه، لا يمكن أن تتم عبر إجراءات سريعة أو قرارات آنية قد تُلحق أضراراً مباشرة بالنشاط الاقتصادي والقطاع الخاص، ولا سيما في مرحلة يتسم فيها الاقتصاد بضعف النمو وارتفاع معدلات البطالة.

ويحذر الفهد خلال حديثه لـ"طريق الشعب"، من أن الاتجاه نحو رفع نسب الضرائب والرسوم لا يعني بالضرورة تحقيق زيادة فعلية في الإيرادات العامة، بل قد يقود عملياً إلى نتائج عكسية، من بينها تراجع الاستثمار والنشاط الإنتاجي، وتوسع حالات التهرب الضريبي والاقتصاد غير المنظم، إضافة إلى خروج عدد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة من السوق، وهو ما ينعكس سلباً على فرص العمل وعلى الحصيلة النهائية للإيرادات.

ويشير إلى أن التجارب الاقتصادية المقارنة تظهر بوضوح أن المشكلة الأساسية لا تكمن في انخفاض نسب الضرائب بحد ذاتها، وإنما في ضيق القاعدة الضريبية وضعف كفاءة الاستحصال. وبناءً على ذلك، يؤكد أن الأولوية يجب أن تُمنح لتحسين أداء الإدارة الضريبية، وتوسيع قاعدة المكلفين من خلال دمج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة ضمن الإطار الرسمي، إلى جانب مكافحة التهرب الضريبي الكبير وتحديث الأنظمة والبيانات المالية، بما يعزز الشفافية والكفاءة.

ويشدد الفهد على أن أي إصلاح مالي مستدام ينبغي أن يقوم على تحقيق توازن دقيق بين تعظيم الإيرادات وحماية النمو الاقتصادي، وألا يقتصر العبء الضريبي على الفئات الملتزمة وحدها، في وقت تبقى فيه قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي خارج المظلة الرسمية.

ويبين أن الإصلاح الضريبي الحقيقي لا يبدأ برفع نسب الضرائب، بل ببناء الثقة بين الدولة والمكلفين، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتحسين آليات الاستحصال، بما يضمن تحقيق إيرادات مستقرة دون الإضرار بالاقتصاد الوطني أو فرص العمل.

بناء الثقة بين الدولة والمكلفين

وذكر الباحث الاقتصادي اسعد الربيعي أن رفع نسب الضرائب أو الرسوم بشكل مباشر لا يضمن زيادة الإيرادات، وقد يثقل كاهل القطاع الخاص ويؤثر سلباً على فرص العمل.

وأكد أن الحل الأكثر استدامة يكمن في توسيع القاعدة الضريبية بشكل أفقي، عبر دمج الأنشطة الاقتصادية غير المنظمة وتحسين بيئة الاستثمار، بالإضافة إلى تطوير إدارة التحصيل وبناء الثقة بين الدولة والمكلفين.

وأضاف لـ"طريق الشعب"، أن أي زيادة ضريبية يجب أن تُبنى على دراسات دقيقة لقياس أثرها على النمو الاقتصادي والتوظيف والأسعار، مشيراً إلى أن التركيز على نمو الناتج المحلي الحقيقي يضمن إيرادات مستقرة دون الإضرار بالاقتصاد الوطني.

لا يحقق نتائج مالية فعلية

فيما، حذّر رئيس مؤسسة عراق المستقبل، منار العبيدي، من الاعتماد على زيادة الضرائب والرسوم كخيار سريع لتعزيز الإيرادات غير النفطية، مؤكدًا أن هذا النهج قد لا يحقق نتائج مالية فعلية، بل قد ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي والقطاع الخاص.

وقال العبيدي إن التجارب الاقتصادية الناجحة تُظهر أن الحكومات الرشيدة تركّز على توسيع الوعاء الضريبي والكمركي وزيادة عدد المشاريع العاملة، بدلًا من رفع نسب الضرائب، مشددًا على أن أي زيادة يجب أن تستند إلى دراسات دقيقة تراعي آثارها على النمو الاقتصادي، والتضخم، وفرص العمل.

وأوضح أن الحكومة اتجهت خلال الفترة الماضية إلى ما وصفه بـ”التوسّع العمودي” في الضرائب والرسوم، في ظل ضغوط النفقات العامة وتراجع أسعار النفط، من دون استكمال تقييم الأثر الاقتصادي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع نشاط المشاريع وانخفاض قدرتها على الاستمرار، وبالتالي تقليص الإيرادات بدل زيادتها.

وأشار العبيدي إلى أن رسوم الاتصالات تمثل نموذجًا واضحًا لهذه الإشكالية، إذ إن تحميل الشركات أعباء إضافية ينعكس على كلفة الخدمة للمواطن، ويؤثر في ربحية الشركات، ما قد يدفعها إلى تقليص النفقات وتسريح العاملين، وبالتالي ارتفاع معدلات البطالة.

ودعا العبيدي الحكومة إلى إعادة النظر في الزيادات الضريبية الأخيرة، والتركيز بدلًا من ذلك على تحسين بيئة الاستثمار، وتبسيط إجراءات الأعمال، وتطوير آليات الاستحصال الضريبي، وضم الفئات غير الملتزمة إلى المنظومة الرسمية، مؤكدًا أن زيادة الناتج المحلي الحقيقي تمثل الطريق الأكثر أمانًا واستدامة لتعزيز الإيرادات العامة.