اخر الاخبار

على الرغم ممّا يمر به العراق من تعقيدات سياسية وضغوط اقتصادية وتحديات اجتماعية متراكمة، يستقبل أبناؤه هذا العام أعياد الميلاد ورأس السنة بأجواء تحمل قدراً من التجدد، يمتزج فيها الحنين مع الصبر والأمل. وبينما تشكّل هذه الأعياد مناسبة دينية للطائفة المسيحية، إلا أنها تبدو في العراق حدثاً اجتماعياً واسعاً موروثا، تتقاطع فيه مشاعر الفرح مع رغبة جماعية في الاستقرار والسلام في بلد اعتاد الاحتفال رغم المشاكل والمعضلات.

وفي ظل أزمات متعددة تشهدها البلاد، من اضطرابات سياسية وأوضاع أمنية هشة وأزمات اقتصادية خانقة ومشكلات خدمية وبيئية تؤثر على حياة المواطنين اليومية، يتحول هذا الاحتفال إلى مناسبة أكثر عمقاً، تحمل أبعاداً رمزية واجتماعية. ووفقا لمتابعين للشأن الاجتماعي، فإن الأمنيات الفردية لم تعد مقتصرة على النجاح أو الصحة، بل تتوسع لتصبح أمنيات جماعية بالاستقرار، وبالقدرة على العيش في بيئة آمنة ونظيفة ومتكاملة الخدمات، لافتين إلى أنه على الرغم من الضغوط الكثيرة، يظل الاحتفال موروثاً ثقافياً واجتماعياً، يعكس الترابط بين الأجيال، ويوفر متنفساً للفرح والبهجة وسط الواقع الصعب، في مواجهة بعض الأصوات التي تحاول تقليل قيمته أو تحويله إلى طقس طائفي ضيق.

استعادة أجواء العيد

المجتمع المسيحي في البلاد، رغم تقلص أعداده نتيجة الهجرة والتهجير، لا يزال ينظر إلى العيد بوصفه رمزاً للوجود والتمسك بالجذور التاريخية. لذلك عاد بعض المهاجرين المسيحيين إلى بغداد والموصل لمشاركة أقربائهم فرحة عيد الميلاد. ومن هؤلاء صباح فريد (57 سنة)، الذي يقيم في الولايات المتحدة.

إذ يقول في حديث صحفي انه رغب في العودة إلى العاصمة رفقة زوجته وأبنائه، لاستعادة أجواء العيد التي طالما طبعت طفولته وشبابه، مضيفا القول أنه لا يجد الراحة في مثل هذه الأيام سوى في "كنيسة الكرادة" القديمة التي كان يصحبه والده إليها في ستينيات القرن الماضي.

ويشير إلى أن وجوده في بغداد يعبّر عن تمسكه بالجذور، وعن كون الأوطان لا تُستبدل مهما ابتعد أبناؤها عنها.

رسالة بقاء

أما غسان حنا، الموظف الحكومي في بغديدا (قراقوش) بمحافظة نينوى، فيقول أن "عيد الميلاد ليس مجرد طقس ديني، بل هو رسالة تفيد بأننا باقون في هذا الوطن مهما تغيرت الظروف وتعقدت"، مبيّناً في حديث صحفي أنه "قد نغيّر شكل الاحتفال، لكن لا يمكن أن نتخلى عن معناه في نفوسنا وأثره في حياتنا".

ويؤكد أن "الاحتفال اليوم أبسط ممّا كان عليه سابقاً، لكننا نحرص على تزيين المنازل، وإدخال الفرحة إلى قلوب الأطفال. فالعيد في المنزل صار أكثر دفئاً". 

غياب بعض تقاليد الاحتفال

من أبرز العادات التي حافظ عليها المسيحيون في العراق، إقامة قداس منتصف الليل في الكنائس، وتزيين شجرة الميلاد داخل المنازل، وتحضير مأكولات تقليدية خاصة بالمناسبة، فضلاً عن تبادل الزيارات العائلية. ورغم أن الاحتفالات العامة باتت أكثر تحفّظاً في بعض المناطق، بسبب الظروف التي تمر بها البلاد، إلا أن البيوت ما زالت تمثل المساحة الأهم للاحتفال ولمّ الشمل.

في المقابل، غابت تقاليد كانت حاضرة بقوة قبل سنوات، مثل الاحتفالات الكبيرة في الساحات العامة والحفلات المفتوحة، والسفر بين المحافظات، وذلك نتيجة المخاوف الأمنية والأوضاع الاقتصادية، وغياب كثير من الأقارب الذين اختاروا الهجرة أو ممّن أُجبروا عليها.

ويُلاحظ هذا العام الانتشار الواسع لزينة الميلاد وأشجار العيد في عموم البلاد، وليس فقط في الأحياء ذات الغالبية المسيحية. ففي بغداد، كركوك، أربيل، الموصل، وحتى في بعض مدن الوسط والجنوب، ظهرت الأشجار المضيئة والدمى والرموز المرتبطة بالعيد في الأسواق والمراكز التجارية. ويؤكد بعض أصحاب المحال التجارية أن الإقبال على شراء الحلويات والألعاب ولوازم الزينة شهد ارتفاعاً ملحوظاً، ليس من المسيحيين فقط، بل من المسلمين كذلك، باعتبار أن العيد مناسبة للفرح وتبادل الهدايا.

يقول علي هاشم، وهو صاحب متجر في بغداد ان "الحركة جيدة هذا العام مقارنة بالسنوات السابقة"، مبينا في حديث صحفي أن "الكثيرين من الزبائن غير المسيحيين يشترون أشجار الميلاد والهدايا لأطفالهم، ما يعكس روح التعايش في مجتمع اعتاد مشاركة الاحتفالات".

تعاون بين الطوائف

أنارت كنائس الموصل مصابيحها، مثل الراهبات ومار توما والطاهرة، استعداداً لاستقبال الأهالي المسيحيين بعد سنوات الحرب والخراب التي شهدتها المدينة. ويبرز مشهد التعاون والتفاعل بين مختلف الطوائف والأديان. إذ تشارك عائلات مسلمة جيرانها المسيحيين أجواء العيد، سواء عبر الهاتف أو تبادل الزيارات أو المشاركة في تزيين المحال والأسواق.

تقول زهراء عبد الله، وهي طالبة جامعية من محافظة النجف: "أعشق أجواء الميلاد لما تحمله من سلام وفرح، ونحن نحرص على تهنئة أصدقائنا المسيحيين، فهذا جزء من ثقافتنا العراقية".

ويؤكد الأب بطرس متى، وهو من بغداد، أن عيد الميلاد هذا العام "يحمل رسالة روحية وإنسانية في آن واحد".

ويقول: "نحتفل بالميلاد في ظروف صعبة، لكن رسالة العيد واحدة، وهي السلام والمحبة والرجاء. نصلّي كي يعمّ الأمن والاستقرار، وكي يشعر العراقيون أن هذا الوطن يتّسع للجميع".

ويشير إلى أن الكنائس حرصت هذا العام على إقامة الصلوات والقداديس وسط إجراءات تنظيمية، مع التركيز على مشاركة العائلات والأطفال، لما لذلك من أثر نفسي واجتماعي مهم.

 

قلق وحزن خفي

على الرغم من الأجواء الإيجابية، لا يغيب القلق عن حديث المسيحيين الذين لا زالوا يواجهون تحديات تتعلق بالأمن، وفرص العمل، والهجرة المستمرة.

ويشير كثيرون الى أن العيد يمر أحياناً ناقصاً، بسبب غياب الأقارب والأصدقاء المغتربين.

وتقول المعلّمة من محافظة كركوك رنا داود: "نفرح بالعيد، لكن هناك دائماً حزناً خفيّاً. نجد الكثير من المنازل فارغة من سكانها، وكل تمنياتنا أن يعود جميع المهاجرين، ونحتفل معاً". وفي مقابل ذلك، تحافظ العائلات المسيحية على روابطها مع أقاربها في الخارج، إذ صارت اتصالات الفيديو وتبادل الصور جزءاً من طقوس العيد الحديثة.

وتؤكد داود في حديث صحفي أن هذه الوسائل "تخفف من وطأة الغياب، لكنها في الوقت نفسه تعمّق الإحساس بالحنين".

وتضيف قولها: "نحتفل مع أقاربنا عبر الهاتف، نضحك ونتبادل التهاني، لكن يبقى الأمل بأن نلتقي يوماً في العراق".

 

الحياة تستمر

إلى ذلك، يقول الشاب علي طلعت، من بغداد: "نحتفل بالعيد لنسترجع جزءاً من حياتنا الطبيعية، ونتشارك الفرح مع الجميع، مسيحيين ومسلمين، رغم التحديات الاقتصادية، ونقص الخدمات، والمخاوف الأمنية. العيد بالنسبة لنا تذكير بأن الحياة مستمرة، وأننا بحاجة للفرح والطمأنينة أكثر من أي وقت مضى".

ويستدرك: "لكن في الوقت ذاته، هناك قلق كبير من المستقبل، وسط استمرار المحاصصة والفساد والترهل السياسي، ما يجعل المواطن يتساءل عن قدرته على مواجهة أزمات أكبر قد تأتي في الأعوام المقبلة".

ويتميّز عيد الميلاد في العراق هذا العام ببساطته وهدوئه، مقابل عمقه الإنساني وبُعده الوطني الذي يتجاوز الانتماء الديني. فانتشار الزينة وزيادة الإقبال على الأسواق، وتفاعل المجتمع بمختلف مكوّناته، كلها مؤشرات تعكس رغبة جماعية في الحياة والاحتفال، على الرغم من الواقع الصعب ومن حدة الانقسام السياسي. وبين شجرة تُضاء في بيت متواضع، وتهنئة بين الجيران على اختلاف أطيافهم، يتجاوز العيد طقوسه وعاداته، ليجدّد إصرار المجتمع على البقاء، ويغذي الحلم بقيام وطن يسوده الأمن والسلام.