يتصاعد الحراك الشعبي في بعض المحافظات لكسر قيود المحاصصة وتغليب معايير الكفاءة والنزاهة، في اختيار المسؤولين للمناصب الإدارية العليا، التي تحكمها التوازنات الان داخل مجالس المحافظات، وتتدافع عليها القوى المتنفذة للظفر بها. لكن الضغط المجتمعي المتنامي يصر هذه المرة على إعادة رسم الخارطة الإدارية من خلال المطالبة باختيار محافظين جدد يلبون طموحات المواطنين.
فبينما تبرز في بابل ملامح رغبة شعبية قوية تدفع باتجاه وجوه برلمانية سابقة عُرفت بمواقفها الرقابية مثل النائب السابق أمير المعموري، تشهد الديوانية ضغوطاً متزايدة لإقالة الإدارة الحالية على خلفية ملفات فساد وأزمات خدمية خانقة.
منذ إعادة تفعيلها بعد انتخابات 2023، لم تؤد مجالس المحافظات دورا رقابيا وتشريعيا يسهم في إحداث فارق في حياة المواطنين.
ويُناط بهذه المجالس إقرار الخطط التنموية للمحافظات، ومتابعة تنفيذ المشاريع الخدمية، ومساءلة المحافظين والإدارات التنفيذية، بما يضمن تحسين مستوى الخدمات وتلبية احتياجات المواطنين. غير أن أداءها خلال العامين الماضيين أثار جدلا واسعا، في ظل شكاوى متزايدة من ضعف الدور الرقابي، وتباطؤ تنفيذ المشاريع، وتلكؤ العديد من الخطط الخدمية، خصوصا في قطاعات حيوية كالبنى التحتية، والماء، والكهرباء، والصحة، والتعليم.
فعلى الرغم من إقرار موازنات كبيرة ضمن خطط تنمية الأقاليم، ما تزال عشرات المشاريع متوقفة أو متعثرة بسبب الخلافات السياسية، وتداخل الصلاحيات، وتغيير الإدارات المحلية، فضلًا عن شبهات فساد رافقت بعض الإحالات والعقود.
الشارع البابلي يريد محافظا كفوءا ونزيها
وقال الناشط المدني ضرغام ماجد، إن “بعض الجهات التي تمتلك المال والسلاح غير القانوني حاولت الالتفاف على القانون عبر عقد جلسات ليلية مغلقة خارج مركز المحافظة، إلا أن التحرك الشعبي أفشل تلك المحاولات”.
وأوضح أن “مطالب الشارع تتركز على اختيار محافظ كفوء ونزيه، قادر على إنقاذ المحافظة من التدهور الخدمي والمالي، وعدم تكرار تجارب سابقة أثقلت كاهل بابل وأهدرت مليارات الدنانير على حساب المشاريع والخدمات الأساسية”.
وبحسب مصادر مطلعة يتنافس ائتلاف دولة القانون مع عصائب أهل الحق على منصب رئيس الحكومة المحلية بعد فوز المحافظ عدنان الفيحان، بمنصب النائب الأول لرئيس مجلس النواب العراقي.
غرف مغلقة تتحكم بمصائر الناس
من جهته، يقول المحلل السياسي محمد زنكنة، أن "مجالس المحافظات، ووفق الدستور العراقي، يفترض أن تمثل الحجر الأساس في تطبيق اللامركزية والنظام الاتحادي، وأن تختصر الكثير من أعباء الحكومة المركزية عبر نقل الصلاحيات إلى الإدارات المحلية". غير أن الواقع، بحسب زنكنة، يكشف عن صورة مغايرة تمامًا لهذه الأهداف الدستورية.
ويؤكد زنكنة لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة لم تعد تقتصر على المحاصصة أو الخلافات المتعلقة بتوزيع الثروات بين الأطراف المتنفذة، بل تطورت إلى ما هو أخطر من ذلك، في وقت يشهد فيه الواقع الحالي تدخلات خارجية واضحة ومباشرة في إدارة شؤون المحافظات وتسيير ملفاتها الإدارية.
ويشير زنكنة إلى وجود صفقات مريبة تجمع بعض أعضاء مجالس المحافظات بقوى نافذة تمتلك السلاح، حيث تُشترى المناصب بمليارات الدنانير، وتُهدر ملايين الدولارات على مشاريع وهمية، وسط تواطؤ واضح من قبل رؤساء وأعضاء بعض المجالس المحلية، من دون أي محاسبة حقيقية، بحسب قوله.
ويتساءل زنكنة: ماذا جنت المحافظات خلال عامين من عمل هذه المجالس؟ وأي تقييم منصف يمكن أن يُقدم لأدائها في ظل المحاصصة والفساد المالي والإداري؟
ويخلص زنكنة إلى أن مجالس المحافظات لم تؤد واجباتها، ولم تكن في يوم من الأيام أداة لخدمة المواطنين أو لتلبية متطلبات اللامركزية وتوزيع السلطات. بل تحولت، وفق وصفه، إلى مجرد لعبة سياسية تُدار بتدخلات خارجية، فيما يقف المواطن العراقي موقف المتفرج، والعاجز".
الديوانية غارقة بالمشاريع المتلكئة
ويقول زهير الوائلي، ناشط محلي في الديوانية، ان "الجانب الخدمي في المحافظة سيئ جدا، لأن هناك عشرات المشاريع المتلكئة، التي تتملص الحكومة المحلية والوزارات المعنية من مسؤوليتها تجاهها، كما
ان الشوارع مليئة بالنفايات والحيوانات السائبة، وليس هناك معالجة ولا حلول".
وأضاف ان الديوانية بحاجة الى إدارة كفوءة ونزيهة تنتشل اهلها من هذا الخراب والتلكؤ في المشاريع، التي حمّلت لجنة الخدمات في مجلس الديوانية الحكومات السابقة المسؤولية عن فشلها، وأكدت ان هناك لجانا لمتابعة وتشخيص مكامن الخلل، مشيرة الى أن اغلب تلك المشاريع المتلكئة هي وزارية، وفي مقدمتها مشروع مجاري الديوانية، الذي اثر بشكل كبير على المدينة.
صراعات تعطل المشاريع الخدمية
فيما يؤكد ستار محمد، ناشط حقوقي من محافظة ذي قار، ان جزءا غير قليل من المشاريع لم يتجاوز مرحلة الإعلان أو الإحالة، فيما تعثر تنفيذ مشاريع أخرى بسبب ضعف المتابعة من قبل المجالس المحلية، أو بسبب صراعات داخلية، انعكست على عمل اللجان المختصة، الأمر الذي انعكس مباشرة على واقع الخدمات، وزاد من فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المحلية.
ويقول في تعليق لـ"طريق الشعب"، ان الكثير من المشاريع توقفت بعد صرف دفعات أولية، مشيرا إلى أن غياب الرؤية الواضحة في عمل مجالس المحافظات، وتحولها في كثير من الأحيان إلى ساحة صراع سياسي وانتخابي مبكر، أسهما في إضعاف دورها التنموي، وحولاها من أداة لمعالجة المشكلات المحلية إلى جزء من الأزمة الإدارية ذاتها، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى استمرارها بصيغتها الحالية، وقدرتها الفعلية على تحقيق أهداف اللامركزية التي أُنشئت من أجلها.
ويواصل الناشط حديثه، أن مجالس المحافظات، اذا ما تمكنت من أداء واجبها وفق ما حدده الدستور والقانون، فإنها يمكن أن تشكل ركيزة أساسية في تحسين مستوى الخدمات، من خلال تشخيص أولويات كل محافظة، ومراقبة أداء الحكومات المحلية، وضمان توجيه التخصيصات المالية نحو مشاريع حقيقية تلبي الاحتياجات.
ويشير إلى أن تفعيل دورها الرقابي، وإبعادها عن الصراعات السياسية، كفيل بتحويلها من عبء إداري إلى أداة فاعلة لتعزيز اللامركزية وتقليص الفجوة بين الدولة والمجتمع المحلي.
إهمال المتابعة والرقابة
ومن محافظة ميسان، تحدث الناشط المدني عدنان حيدر عن وجود جدل واسع حول عدد من المشاريع الخدمية، أبرزها مشروع مجاري العمارة الكبير الذي تعرض لتأخير طويل وتوقفات متكررة، ومشاريع تبليط وتأهيل الطرق الداخلية التي نُفذت بمواصفات متدنية وتضررت بعد فترة قصيرة.
وبين حيدر لـ "طريق الشعب"، ان "الانتقادات شملت مشروع كورنيش العمارة بسبب تغيير التصاميم وتضارب نسب الإنجاز، إلى جانب مشاريع الأبنية المدرسية التي لم تُنجز ضمن جداولها الزمنية، ومشاريع الماء التي لم تنعكس فعليا على تحسين التجهيز".
وعزا الأسباب إلى ضعف المتابعة والرقابة، وتكرار إدراج المشاريع في أكثر من خطة سنوية دون نتائج ملموسة.
الصراعات.. أبرز إنجازات مجالس المحافظات
من جانبه، قال رئيس مركز الرفد للإعلام والدراسات الاستراتيجية د.عباس الجبوري ان مجالس المحافظات ومنذ اعادة تفعيل عملها قبل اكثر من سنتين، لم يُسجل لها أي إنجاز، عدا تصاعد الصراعات على المناصب والامتيازات.
وأضاف في تعليق لـ"طريق الشعب" إن ما يجري داخل هذه المجالس لا يتعدى كونه تنافسا وصراعات ومشاحنات، بينما تغرق غالبية المحافظات بالمشاريع المتلكئة ونقص الخدمات والفساد المالي والإداري.