اخر الاخبار

في مشهد يعكس أزمة متراكمة في ملف السكن الجامعي، تتصاعد شكاوى طلبة الأقسام الداخلية في الجامعة التكنولوجية ببغداد من تردي الخدمات وغياب أبسط مقومات السلامة، وسط تحذيرات من مخاطر حقيقية تهدد حياة الطلبة. فبين انقطاعات الكهرباء والماء، ومنع وسائل التدفئة، وتهالك الأبنية، يجد الطلبة أنفسهم أمام واقع سكني لا ينسجم مع متطلبات البيئة التعليمية، ولا مع الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

واشتكى طلبة الأقسام الداخلية في الجامعة التكنولوجية ببغداد من تردي الخدمات الأساسية، مطالبين وزارة التعليم بالتدخل العاجل لتحسين ظروف السكن.

وفي نص مناشدتهم، قال الطلاب إنهم يعانون من انعدام أبسط مقومات السكن اللائق، بما في ذلك انقطاع الكهرباء لساعات طويلة، وعدم توفر الماء بشكل منتظم، إضافة إلى منع إدخال أجهزة التدفئة خلال فصل الشتاء، ما يعرضهم للبرد القارس ويؤثر سلباً على صحتهم الجسدية والنفسية.

وأكدوا أن الوضع يزداد سوءاً خلال فترة الامتحانات النهائية، حيث تنقطع الكهرباء في أوقات المذاكرة الليلية، ولا تتوفر الإضاءة أو التدفئة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تركيزهم ومستواهم العلمي، ويضعهم في وضع غير متكافئ مقارنة ببقية الطلبة.

وناشد الطلاب مسؤولي الوزارة توفير الكهرباء بشكل منتظم خاصة خلال فترات الامتحانات وضمان توفر الماء بشكل دائم والسماح بإدخال أجهزة التدفئة خلال فصل الشتاء أو توفير بدائل آمنة من قبل إدارة الأقسام الداخلية ومتابعة أوضاع الأقسام الداخلية ميدانيًا والوقوف على معاناة الطلبة عن قرب.

وأشار الطلاب إلى أنهم تركوا أهلهم قادمين من محافظات بعيدة طلباً للعلم وسعيا لخدمة الوطن، إلا أن الظروف الحالية داخل الأقسام الداخلية تجعل الاستمرار صعباً للغاية، ولا تتناسب مع مكانة الطالب الجامعي أو سمعة المؤسسات التعليمية.

وأكدوا أن الاستجابة السريعة لمناشدتهم تعكس دعم الوزارة وإنصافها للطلبة، وتسهم في تعزيز المسيرة التعليمية في العراق.

أبنية آيلة للسقوط والجامعة ترمم الخراب!

وكشفت طالبة تقيم في الأقسام الداخلية، رفضت الكشف عن اسمها، عن سلسلة معاناة تعيشها الطالبات منذ أشهر، بسبب سوء التخطيط وغياب البدائل الآمنة أثناء أعمال الترميم، إضافة إلى تردي الخدمات الأساسية وعدم ملاءمة الأقسام للسكن الإنساني، خصوصاً للطالبات القادمات من محافظات بعيدة.

وقالت الطالبة التي طلبت حجب هويتها، إن إدارة الأقسام الداخلية باشرت، في نهاية شهر تموز الماضي، أعمال ترميم في قسمي (1) و(6)، رغم أن البنايات قديمة جداً وتعاني من تشققات خطرة، مؤكدة أن حالتها الإنشائية لا تتحمل الترميم الجزئي، بل تحتاج إلى إعادة بناء كاملة. ومع بداية شهر أيلول، طُلب من الطالبات الانتقال إلى الدور الثاني دون توفير مكان سكن بديل مناسب، على الرغم من أن السكن الجامعي يمثل ضرورة أساسية لهن.

وتضيف: "بقينا بلا حل حقيقي إلا بعد مراسلات وضغط متواصل من الطالبات، ليتم نقلنا لاحقاً إلى قسم (2) الواقع خارج الحرم الجامعي، الأمر الذي صار يضطرنا يوميا لعبور شارع رئيسي، ما شكل خطراً كبيراً على سلامتنا".

وبحسب الطالبة، فإن قسم (2) مخصص أساساً للطلبة العرب أو المغتربين، إلا أن واقعه "غير إنساني إطلاقاً"، إذ تعاني الحمامات والمطابخ من أوضاع سيئة جداً، وغير نظيفة أو صالحة للاستخدام. كما تنتشر روائح خانقة داخل البناية بسبب وضع مخلفات أو نفايات داخل المبنى، إضافة إلى عدم توفر غسالات ملابس نهائياً.

ومع بدء الدوام الرسمي، استمرت الطالبات في الإقامة بهذا القسم رغم عدم مباشرة دوام الدراسات بعد، وسط نقص حاد في الأسرّة، الثلاجات، اللوكرات، وأدوات الطبخ. وتقول الطالبة، إن مراجعاتهن المتكررة للإدارة كانت تُقابل بوعود مؤجلة من قبيل: “اصبروا يومين” أو “الأسبوع المقبل ننقلكم”، إلا أن الوضع استمر لأكثر من شهر دون حلول فعلية.

وبعد نقل الطالبات مجدداً، تبين أن الأقسام الجديدة غير مهيأة للسكن، حيث اقتصر العمل على ترميم جزئي للحمامات فقط. ففي قسم (6)، تشير الطالبة إلى أن سقوف الطابق الثالث متضررة وايلة للسقوط، فيما تفتقر الحمامات إلى مفرغات مناسبة. أما في قسم (1)، فغالبا ما تشهد انقطاعات متكررة للمياه.

النت ضعيف وأبواب الطوارئ مغلقة!

ولا تقل مشكلة الإنترنت سوءاً، إذ لا يتوفر سوى راوتر واحد، فيما تعتمد بقية الطوابق على مقويات ضعيفة، ما يضطر الطالبات للوقوف في الممرات للحصول على إشارة.

وتتابع الطالبة قائلة إن الأقسام تخلو من أبسط مقومات السكن، فلا توجد وسائل تدفئة، ولا مفروشات، ولا حدائق، كما أن أبواب الطوارئ مغلقة، وهو ما يشكل خطراً حقيقياً في حالات الحريق. وتشير أيضاً إلى أن القسم لا يحتوي على حمامات، ما يضطر الطالبات لاستخدام حمامات قسم (1).

تجاهل توصيات الرقابة المالية

وكان ديوان الرقابة المالية قد كشف خلال العام الماضي أن الأقسام الداخلية في الجامعة التكنولوجية تعمل في بيئة تفتقر إلى أبسط مقومات السلامة، حيث الأبنية التي تؤوي آلاف الطلبة تخالف معايير الدفاع المدني، فهي من دون منظومات إطفاء كافية، ومن دون مخارج طوارئ مؤهلة، ومع تأسيسات كهربائية قد تشعل حريقاً في أي لحظة.

واكد التقرير أن الجامعة، رغم مرور أكثر من خمسين سنة على تأسيسها، لم تُكمل تجهيز عدد من الأبنية لتكون صالحة كأقسام داخلية: بعض الأبنية تُستخدم فعلياً رغم أنها غير مهيأة، ولا تستوفي الشروط الأساسية التي تُلزِم بها تعليمات الدفاع المدني الخاصة بمساكن الطلبة.

شروط السلامة غائبة تماما

ويُظهر التقرير أن أبنية رئيسية في الأقسام الداخلية – مثل (1، 2، 4، 6) – لا تمتلك منظومات إطفاء، بينما أبنية أخرى تفتقر إلى مضخات الديزل أو خزانات الماء الخاصة بالإطفاء. هذا يعني أن السيطرة على أي حريق ستكون شبه مستحيلة.  وهناك أبنية داخلية عدة، من بينها (2، 3، 4)، لا تحتوي على منظومة إنذار مبكر. كما يغيب الإنذار في مبانٍ تضم مئات الطلبة يعني أن الحريق قد يندلع ويتمدّد قبل أن ينتبه أحد، ما يجعل الاستجابة متأخرة وخطرة.

خمسة أبنية داخلية – (1، 2، 3، 5، 6) – لا تمتلك باب طوارئ أرضياً، وهذا الخلل وحده كافٍ لاعتبار المبنى غير صالح للسكن. الأسوأ أن أحد مخارج الطوارئ موجود داخل غرفة سكن، ما يجعله عديم الفائدة إذا كانت الغرفة مغلقة أو مزدحمة.

ممرات لا تقود إلى النجاة

من جهته، حذر المختص في السلامة المهنية، حيدر نوري من المخاطر الكبيرة التي تحيط بالأقسام الداخلية، مؤكداً أن الواقع الحالي يكشف عن عشوائية واضحة وغياب شبه تام لإدارة السلامة، ما يجعل هذه البنايات عرضة لكوارث محتملة في أي لحظة.

وقال نوري لـ"طريق الشعب"، انه استناداً إلى خبرته وتدريبه داخل الأقسام الداخلية، فإن "العشوائية هي السمة الغالبة، ولا توجد أي إدارة سلامة حقيقية"، مشيراً إلى أن طفايات الحريق في أغلب الأقسام لا تخضع لأي تدقيق فني، سواء كانت "إكسباير" أم غير ذلك، وكأن الأمر "عادي ولا يشكل خطراً"، على حد تعبيره.

وأوضح أن معظم بنايات الأقسام الداخلية قديمة، وخضعت لتحويرات داخلية غير مدروسة، ما انعكس بشكل مباشر على البنية الكهربائية، التي وصفها بغير النظامية.

وأضاف أن الأسلاك تعاني من حمل زائد دائم، نتيجة استخدام الساكنين للسخانات الكهربائية والهيترات، وهي أجهزة غالباً ما تُمنع رسمياً، لكن الطلاب يضطرون لاستخدامها لغياب البدائل.

وأشار نوري إلى أن مخارج الطوارئ في أغلب الأقسام إما مغلقة أو غير معروفة للساكنين، وإن وُجدت فهي مهملة أو تُستخدم كمخازن للخردة والنفايات، ما يفقدها وظيفتها الأساسية في حالات الطوارئ. وأضاف بلهجة تحذيرية: "ماكو أي خطة طوارئ، ولا توعية، ولا تدريبات".

وبين نوري أن الأقسام الداخلية، بحكم طبيعتها، يفترض أن تكون أكثر الأماكن التزاماً بإجراءات السلامة، من خلال توفير أرقام الإسعاف الأولي، وتدريب الساكنين على كيفية التصرف في حال وقوع حريق أو أي كارثة، فضلاً عن إجراء مناورات دورية. لكنه أكد أن هذا كله “غير موجود”، محذراً من أن “هذه الأقسام قنبلة موقوتة، وفي أي لحظة ممكن يصير حادث خطر".

وفي سياق حديثه، استذكر نوري عدداً من الحوادث التي وقعت في السنوات الماضية، مشيراً إلى أن بعضها كان قريباً جداً من التحول إلى كوارث كبيرة.

وقال ان حريقا اندلع خلال السنة الماضية في التقنية الوسطى، وكان يمكن ان يحدث كارثة حقيقية، وأضاف أن هناك حوادث أخرى مسجلة في بغداد ومحافظات أخرى، بعضها أسفر عن إصابات وأضرار كبيرة، مؤكداً أن أغلب هذه الحوادث وقعت في أقسام داخلية تعاني من تهالك وعدم نظامية.

وختم نوري حديثه بالتأكيد على أن إصلاح هذا الواقع يبدأ بوضع السلامة كأولوية، من خلال تدقيق طفايات الحريق، وفتح وتأهيل مخارج الطوارئ، وتدريب الطلبة على استخدامها، وتعليمهم كيفية التصرف في حالات الحريق أو الإسعاف الأولي، مشدداً على أن "الإهمال الحالي خطير، والاستمرار به يعني انتظار الكارثة لا أكثر".