اخر الاخبار

تنطلق الدورة البرلمانية السادسة للبرلمان، وسط مشهد سياسي مرتبك ومثقل بالتحديات ومحكوم بسجل حافل من الإخفاقات للدورات السابقة.

ومع أن التغييرات الشكلية طالت بعض الوجوه، إلا أن الموقف العام للخبراء والمراقبين السياسيين يميل إلى التشاؤم، حيث يسود اعتقاد راسخ بأن هذه الدورة لن تكون مساحة حقيقية للإصلاح المنشود، بل ستكون مجرد "إعادة إنتاج للإخفاقات القديمة".

وتتغذى هذه المخاوف على استمرار هيمنة نفس القيادات السياسية والقوى النافذة، والسياسات التي تحكم المشهد السياسي منذ عقود، وتغليب منطق المحاصصة والتوافقات الحزبية الضيقة على حساب المصلحة الوطنية العليا.

ويرى المنتقدون أن الديمقراطية العراقية، في شكلها الحالي، تحولت إلى مجرد آلية لتدوير المناصب والحفاظ على مصالح النخبة الحاكمة، بعيداً كل البعد عن تطلعات وتأثير صوت المواطن.

دورة برلمانية في دائرة الفشل

في هذا الصدد، قال الباحث في الشأن السياسي، داود سليمان، إن الدورة البرلمانية الحالية “تأتي في ظل استمرار أزمة إدارة الدولة، حيث لا تبدو هناك مؤشرات حقيقية لتغيير النهج السائد أو معالجة الأزمات المتراكمة".

وأضاف سليمان في حديث مع "طريق الشعب"، أن "المشهد السياسي اليوم يعكس استمرار نفس الوجوه والسياسات القديمة، ونفس الزعامات التي تتحكم بالقرار السياسي منذ عقود، ما يجعل أي توقع بإصلاحات جوهرية أمراً بعيد المنال".

وأشار سليمان إلى أن “الديمقراطية في العراق مشوهة، اذ تحولت الى مجرد آلية للتدوير ولتبادل المناصب والحفاظ على مصالح الزعامات، بينما المواطن العادي لا يجد أي تأثير حقيقي لصوته أو لمشاركته او مقاطعته للعملية السياسية”.

وتابع قائلاً انه "لا فرق بين هذه الدورة والدورات السابقة، فالآليات نفسها، واللوبيات نفسها، والنهج الذي يقود البلاد نحو الفشل مستمر، وهذا يعني أن الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لن تجد حلاً جذرياً، بل ستتفاقم مع مرور الوقت".

وزاد سليمان بالقول ان"البرلمان الجديد، بدلاً من أن يكون مساحة للتغيير كما يُفترض ان يكون، نرى انه مجرد نسخة مكررة من سابقاته، تحكمه حسابات الزعامات السياسية ومصالح الأحزاب، بعيداً عن مصلحة المواطن أو رؤية واضحة للاصلاح الحقيقي”.

وشدد في ختام حديثه على أن "الخطورة تكمن في استمرار هذا النمط السياسي، لأن أي محاولة لتقديم حلول حقيقية ستصطدم بالزعامات نفسها وبنظام المحاصصة الذي يغلق الباب أمام الاصلاح، ويجعل الديمقراطية العراقية مجرد واجهة شكلية لا أكثر”.

جُملة من التحديات

من جهته، قال الباحث والأكاديمي د. مجاشع التميمي انه لا يرى وجود مؤشرات جدية على تغيير نوعي في الأداء التشريعي أو آليات اتخاذ القرار في الدورة النيابية السادسة.

وأضاف التميمي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "ما نشهده هو استمرار لمنطق التوافق والمحاصصة، لا منطق الأغلبية البرلمانية والبرامج"، معللا فشل الدورات البرلمانية المتعاقبة بـ "عدم استقلال مجلس النواب كسلطة تشريعية فعلياً، اذا يتم التعامل معه على انه امتداد لتوازنات القوى المتنفذة. النائب يمثل كتلته ومصالحها، لا ناخبيه. هذا خلل بنيوي، لا أخلاقي فقط".

واكمل التميمي قائلاً ان "البرلمان الحالي، بصيغته الحالية وتركيبته، هو أقرب إلى إعادة إنتاج الفشل منه إلى مساحة تغيير حقيقي، لأن قواعد اللعبة نفسها لم تُمس: نفس قانون الأحزاب، نفس التمويل السياسي، نفس الضغوط الخارجية والداخلية".

وحدد التميمي جملة من التحديات التي تواجه هذه الدورة، تشمل "ضعف الرقابة، تسييس التشريع، فقدان الثقة الشعبية، وتغول السلطة التنفيذية".

وخلص الى القول ان "التعامل الواقعي يبدأ بإصلاح النظام الداخلي، تفعيل الاستجواب الحقيقي، تشريع قوانين الشفافية والتمويل السياسي، وربط النائب بدائرته انتخابياً لا حزبياً. دون ذلك، سنكرر الفشل نفسه".

إعادة إنتاج للإخفاق

أما الناشط السياسي زين العابدين علي فقال إن انطلاق الدورة البرلمانية السادسة يأتي في وقت حساس، حيث يترقب العراقيون الكثير من هذا البرلمان، لكن الواقع السياسي يعكس صورة مألوفة.

وبين علي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن "التطلعات الى تغيير ملموس في الأداء التشريعي أو الممارسة البرلمانية تواجه تحديات كبيرة، لأن المنظومة نفسها لم تتغير والزعامات المسيطرة على المشهد السياسي هي نفسها تتحكم بصناعة القرار السياسي".

وأشار إلى أن الخلل "ليس فقط في الأسماء أو في النواب الجدد، وانما في النهج وطريقة التفكير التي تحكم العملية السياسية منذ عقود، والتي كرّست سياسات الفشل والإقصاء والمحسوبية".

واكد انه "لا يمكن توقع إنجازات حقيقية طالما آليات الحكم المتجذرة هي التي تحدد أولويات البرلمان وتوجه سياساته".

وتابع بالقول ان "البرلمان الجديد لن يكون استثناء عن الدورات السابقة، خصوصاً وان المعطيات والواقع ذاتها ولم تتغير، والقوى السياسية الحاكمة تحكم قبضتها اكثر على الدولة، وهذا بحد ذاته يشي بأن أي عملية اصلاح حقيقية مستحيلة، ما لم يحدث تغيير جذري في طريقة التفكير وفي إدارة الدولة".

وخلص الى القول انه "من دون كسر هذه المعادلة، فإن البرلمان سيكون مجرد صورة قديمة تتكرر، وإعادة إنتاج للإخفاقات القديمة بلا أي قدرة على مواجهة التحديات الكبيرة التي تمر بها البلاد".