العراق.. ديناميات وتحديات ما بعد الانتخابات
نشر موقع المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية دراسة مستفيضة عن الوضع السياسي في العراق غداة الانتخابات التشريعية الأخيرة، وآفاق العلاقة بين بغداد وأربيل، أعدّها الباحثان إيزابيل فيرنفيلز وحميد رضا عزيزي، وأشارا فيها إلى أن نسبة المشاركة المعلَن عنها في الانتخابات كانت مرتفعة، وعكست – إلى حدٍّ ما – التقدم الذي تحقق خلال السنوات الأربع الماضية، ولا سيما في مجالات الأمن والبنية التحتية والاستقرار السياسي النسبي.
تحديات بلا حدود
واستدرك الكاتبان بالقول إنه، ورغم ذلك، كشفت نتائج الانتخابات وآليات تشكيل التحالفات اللاحقة عن مجموعة من الاتجاهات والتحديات التي ستؤثر في سياسات العراق الداخلية والخارجية خلال المرحلة المقبلة. ووجدا في مقدمة التحديات الخارجية، موازنة العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل مطالب أميركية بنزع سلاح الجماعات المسلحة، واحتمالات عدم الاستقرار داخل إيران، وخطر انجرار العراق إلى مواجهة جديدة بين إيران من جهة، والكيان الإسرائيلي أو الولايات المتحدة من جهة أخرى.
وذكرت الدراسة بأن توتر العلاقة بين بغداد وأربيل، واحتمال تجدّد تهميش سكان المحافظات الغربية، ومستقبل قوات الحشد الشعبي، والهشاشة المالية، وتأثيرات التغير المناخي، تُعد من أبرز التحديات الداخلية التي تواجه البلاد.
انتخابات المحاصصة
وأكدت الدراسة على أن الانتخابات لم تُفرز فائزاً واضحاً، لكنها أعادت ترتيب موازين القوى داخل النخبة السياسية، وبقيت موضع جدل شعبي وسياسي. ففيما أعلن المسؤولون أن نسبة التصويت بلغت 56 في المائة، وُجّهت انتقادات قوية إلى طريقة احتساب النسبة، وآليات التسجيل، وحدوث عمليات واسعة لشراء الأصوات، فيما زادت الشكوك حين جاءت النتائج في صالح أربع قوى سياسية رئيسية تمثل الجزء الأكبر من البنية الطائفية–الإثنية المهيمنة.
خطاب ذو شعبية
ورأى الباحثان بأن نتائج الانتخابات، التي جرت في ظل نظام المحاصصة، ربما مثلت دعماً لخطاب “العراق أولاً” الذي تبناه رئيس الحكومة الحالية، مما عكس ميلاً شعبياً لتفضيل الاستقرار على مشاريع الإصلاح الجذرية، ولا سيما في ظل التوترات الإقليمية. ولهذا شكّلت نتائج الاقتراع انتكاسة كبيرة للقوى المستقلة والمدنية المعارضة، بعد أن تمكنت النخبة السياسية من توظيف هذا الخطاب في التغطية على إخفاقات الحوكمة واستمرار الفساد. كما أثبتت النتائج وما أعقب إعلانها من تحركات، مجدداً أن تشكيل الحكومات في العراق تحسمه التفاهمات بين النخب أكثر مما تحسمه نتائج صناديق الاقتراع.
تحديات داخلية مستمرة
وجاء في الدراسة أن العلاقة بين بغداد وأربيل تظل أحد أبرز التحديات الهيكلية، ولا سيما في ما يتعلق بتقاسم العائدات النفطية، والميزانية، وصلاحيات تصدير النفط. فالاتفاقات الحالية مؤقتة وهشة، خاصة في ظل غياب قانون شامل للنفط والغاز، واستمرار تسييس القضاء، بحسب رأي الباحثين.
كما لا تزال آثار سياسات اجتثاث البعث، وضعف إعادة الإعمار، والتعامل الأمني مع المحافظات الغربية، إلى جانب تداعيات تجربة تنظيم “داعش” والنزوح المستمر، وتنشيط القراءات الطائفية بعد سقوط نظام الأسد، من أبرز التحديات المزمنة. وتشمل هذه التحديات أيضاً مسألة حصر السلاح والقرار الأمني بيد جهات منتخبة تقود الدولة، ولا سيما مع التداخل المتنامي بين السلاح المنفلت وتوسّع النشاطين السياسي والاقتصادي.
وتطرقت الدراسة إلى ما يعانيه العراق من هشاشة مالية شديدة، نتيجة اعتماده شبه الكامل على النفط، وتضخم الإنفاق العام، وفساد شبكات المحسوبية، إضافة الى أزمات المياه، والتلوث، وارتفاع درجات الحرارة، والنزوح، والبطالة، ولا سيما بين فئة الشباب.
العلاقات الخارجية
ورأى الباحثان أن الحكومة العراقية نجحت نسبياً في موازنة النفوذ الأميركي والإيراني، في وقت تصاعد فيه خطاب السيادة والاستقلالية. ويشمل ذلك أيضاً إدارة العلاقة مع تركيا، التي تلعب دوراً مؤثراً في الشمال عبر حضور عسكري واقتصادي واسع. وفيما تحاول بغداد تعزيز علاقاتها مع دول الخليج من دون القطيعة مع إيران، يبدو أن مساعيها لتوسيع التعاون مع أوروبا لم تحقق نتائج ملموسة، بسبب الدور السياسي المحدود الذي يلعبه الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أهميته في مجالات الاستقرار، والمناخ، والحوكمة، ودعم المجتمع المدني.
وخلصت الدراسة إلى أن العراق يمر بلحظة مفصلية يسعى فيها لتعزيز سيادته، غير أن نجاحه يبقى مرهوناً بقدرته على معالجة أزماته الداخلية، وضبط الفاعلين المسلحين، وتنويع اقتصاده، وتجنّب التحول مجدداً إلى ساحة صراع إقليمي.