اخر الاخبار

لم يعد المستشفى الحكومي في العراق بالنسبة لكثير من المواطنين ملاذاً آمناً للعلاج، بقدر ما أصبح محطة ناقصة تُستكمل فيها رحلة الألم خارج أسواره. فبين بنايات إسمنتية تفتقر إلى الأدوية والمستلزمات، وأجهزة معطلة، وخدمات مجتزأة، تتكشف أزمة صحية عميقة تعكس فشلاً في الإدارة والتخطيط، وتحوّلاً خطيراً في فلسفة الرعاية الصحية العامة. مختصون وأطباء يحذّرون، عبر “طريق الشعب”، من أن استمرار هذا الواقع لا يعني فقط تراجع مستوى الخدمات، بل يكرّس نظاماً يدفع المرضى، ولا سيما الفقراء، قسراً نحو القطاع الخاص، في انتهاك صريح لحق دستوري يفترض أن تكفله الدولة، ويضع صحة المجتمع برمّته على حافة خطر متصاعد.

فساد وسوء ادارة

يقول المتخصص في الشأن الطبي د. فاضل المندلاوي: أن التراجع الحاد في الخدمات الصحية لا يمكن فصله عن تراجع أداء الدولة العراقية ككل، مشيرًا إلى أن القصور لا يقتصر على قطاع بعينه، ويشمل مجمل مفاصل الدولة، غير أن خطورته تتضاعف حين يتعلق بالقطاع الصحي المرتبط مباشرة بحياة المواطنين.

ويضيف المندلاوي في حديث مع "طريق الشعب"، أن "جوهر الأزمة لا يكمن فقط في شحّ الموارد المالية، ويتمد لسوء الإدارة وسوء استخدام الموارد المتاحة وغياب النزاهة داخل المؤسسات الصحية، فضلًا عن تفشي الفساد الاداري والمالي، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى الخدمات المقدَّمة للمرضى".

ويشير الى أن "أغلب المستشفيات العراقية تعاني من شح في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية"، لافتاً إلى أن "المرضى باتوا يواجهون نقصاً حتى في أبسط المتطلبات، مثل أجهزة إعطاء السوائل، مستلزمات الطوارئ، والضمادات، في مشهد غير مسبوق".

ويلفت المندلاوي الى: "نشهد اليوم اجراء عمليات جراحية داخل المستشفيات الحكومية، فيما يُجبر ذوو المرضى على شراء الضمادات والمستلزمات الجراحية من الصيدليات الخارجية، وهو واقع لم تعهده المنظومة الصحية سابقاً، حيث كانت الدولة تتحمّل مسؤولية توفير مستلزمات العلاج والعمليات الجراحية بالكامل".

وينبه إلى أن تجارب سابقة أثبتت إمكانية تحسين الواقع الصحي رغم محدودية الموارد، مستشهداً  بمرحلة تولي د. علاء الدين علوان مسؤولية الوزارة، حيث تمكّن من توفير أكثر من (50) في المائة من الأدوية الأساسية، ما يدل على أن الإدارة الرشيدة قادرة على معالجة المشاكل.

ويؤكد أن "فقدان الأدوية الأساسية يعود الى تداخل عاملين خطيرين: محدودية التمويل من جهة، والفساد وسوء توجيه الإنفاق من جهة أخرى، ما يؤدي الى هدر ما تبقى من الموارد القليلة أصلاً".

ويشدد المندلاوي على أن العراق "يُعد الأقل إنفاقاً على الصحة بين دول الجوار، إذ تخصص دول مثل الأردن – رغم فقرها النسبي – ما بين (6 - 10) في المائة من موازناتها للقطاع الصحي، في حين يواصل العراق التقليل من أهمية هذا القطاع الحيوي".

وينوه بالقول إن "المرحلة المقبلة، ولا سيما مع التوجه لتشكيل حكومة جديدة، تتطلب وقفة جادة وحاسمة من وزارة الصحة، تقوم على وضع توفير الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية كأولوية مطلقة في الموازنة، وفق اللوائح المعتمدة داخل الوزارة، لضمان أن يجد المواطن عند مراجعته المستشفى خدمة حقيقية ومواد علاجية متوفرة داخل المؤسسة الصحية، لا خارجها".

من سيئ الى أسوأ

وعلى صعيد متصل، قال د.زهير العبادي إن المقارنة بين واقع المستشفيات العراقية ونظيراتها في دول المنطقة، وحتى مع دول أقل موارد من العراق، تكشف حجم الانحدار الخطير الذي وصل له القطاع الصحي، مؤكداً أن المشكلة لم تعد تتعلق بإمكانات أو ظروف استثنائية، وانما بفشل بنيوي في إدارة النظام الصحي.

واضاف العبادي في حديث مع "طريق الشعب"، ان "المستشفيات في دول الجوار تُدار وفق مفهوم “سلسلة الرعاية الصحية”، حيث يدخل المريض الى المستشفى الحكومي فيحصل على الفحص، والتحليل، والتشخيص، والعلاج داخل المؤسسة نفسها، بينما في العراق تحوّلت المستشفيات الى محطات عبور ناقصة، يُجبر فيها المريض على إكمال رحلته العلاجية خارج أسوارها".

وتابع القول: "في كثير من الدول، حتى الفقيرة منها، تُعد المختبرات جزءاً أساسياً من المستشفى، وتخضع أجهزتها للصيانة الدورية والمعايرة المستمرة، أما في مستشفياتنا فالأجهزة إما معطلة، أو غير دقيقة، أو غير متوفرة أصلًا، ما يضطر المرضى للعلاج او اجراء التحليل مثلاً التحاليل في مختبرات او مستشفيات أهلية وبأسعار مرتفعة، وكأن الأمر طبيعي أو مقبول".

مستشفيات خارجة عن الخدمة

وأشار إلى أن أخطر ما في المشهد الصحي الحالي هو "تحويل الخدمات المجانية الى خدمات مدفوعة بشكل مقنّع، حيث أصبحت التحاليل التي يفترض أن تُجرى مجاناً داخل المستشفيات الحكومية تُحمَّل كلفتها للمريض، ما يُعد خروجاً صريحاً عن فلسفة الرعاية الصحية العامة، ويضعف ثقة المواطن بالمؤسسة الطبية المتزعزعة اساساً".

وبيّن العبادي أن المستشفيات العراقية باتت في كثير من الحالات، شبه خارجة عن الخدمة من حيث الكفاءة، رغم استمرار استقبال المرضى، موضحاً أن وجود بناية وكادر لا يعني وجود خدمة حقيقية، ما لم تتوفر أدوات التشخيص الدقيقة والادوات والاجهزة والخدمة اللائقة، وسلسلة علاج متكاملة داخل المستشفى.

ولفت الى ان "الدول التي تحترم صحة مواطنيها، يُعدّ فشل المختبر أو تعطل جهاز تشخيصي فيها مسألة طارئة تُعالج فوراً، بينما في العراق أصبح التعطّل هو القاعدة، وأصبحت إحالة المرضى الى القطاع الخاص جزءاً من الروتين اليومي".

وأكد أن هذا الواقع هو بطبيعة الحال "نتاج مباشر لسوء الادارة والتخطيط الصحي وغياب الرؤية الاستراتيجية، إذ لا توجد قراءة حقيقية لاحتياجات المستشفيات، ولا توزيع عقلاني للأجهزة، ولا متابعة لأدائها، ما يؤدي الى هدر المال العام دون انعكاس فعلي على صحة المواطنين".

واقع مأزوم وخطير

الى ذلك، قال الطبيب محمد الربيعي إن المواطن لم يعد يحصل على الحد الأدنى من الرعاية الصحية المجانية التي يفترض أن توفرها الدولة، كما نصّ عليها الدستور، حيث بات الواقع الصحي يواجه تآكلاً منهجياً أصاب جوهر الخدمة الطبية، وجعل المستشفى الحكومي عاجزاً عن أداء دوره الطبيعي كخط الدفاع الأول عن صحة المجتمع.

وأوضح الربيعي في حديث مع "طريق الشعب"، أن المواطن "يدخل اليوم الى المستشفى وهو يعلم مسبقاً أن العلاج لن يكتمل داخله"، مشيراً الى أن "الفحوصات والتشخيصات الأساسية باتت مجزأة ومبعثرة بين أقسام غير مؤهلة ومختبرات خارجية، ما يفقد العملية الطبية تماسكها العلمي ويحمّل المريض أعباءً مالية ونفسية لا مبرر لها".

وأضاف أن تراجع كفاءة الأجهزة الطبية وعدم تحديثها أو صيانتها حوّل العديد من المستشفيات الى هياكل اسمنتية بلا أدوات فعالة، حيث يُطلب من المريض استكمال تحاليله أو صوره الشعاعية وغيرها من متطلبات خارج المؤسسة الصحية، في ممارسة وصفها بأنها تفريغ متعمد لوظيفة المستشفى العامة.

وأشار الربيعي الى أن "المحزن والخطير في الواقع الحالي هو التطبيع مع الفشل، إذ اصبح هذا الواقع السيئ جزءاً من السياق اليومي، في غياب أي مساءلة حقيقية أو مؤشرات قياس للأداء داخل المؤسسات الصحية".

وأكد أن "النتيجة النهائية لهذا المسار هي إضعاف الثقة بين المواطن والنظام الصحي، ودفع المرضى قسراً نحو القطاع الخاص، وهنا تتحول الحاجة الطبية الى عبء اقتصادي، بدل أن تكون حقًا كفلته الدولة اساساً في دستورها ومواثيقها".

وختم بالقول إن أي "حديث عن إصلاح صحي لن يكون ذا معنى ما لم يبدأ بإعادة تعريف دور المستشفى الحكومي، بوصفه مؤسسة علاج متكاملة، وليس نقطة تسجيل أو إحالة"، محذراً من أن "استمرار الواقع الحالي سيجعل الأزمات الصحية أكثر كلفة وخطورة على المجتمع ككل".

وشدد على أن استمرار هذا النهج يحوّل القطاع الصحي إلى واجهة فارغة، حيث توجد بنايات ومستشفيات بالاسم فقط، بينما تُسحب الخدمات تدريجيًا من الداخل وتُدفع باتجاه القطاع الخاص، في ظل غياب الرقابة والمساءلة.