ضيّف مجلس النواب، اخيراً، وزير الموارد المائية ووكيل وزارة الخارجية والكادر المتقدم فيها، لمناقشة بنود الاتفاقية الاطارية المبرمة بين العراق وتركيا المتعلقة بالمياه وازمة المياه والجفاف.
وفي احاطته التي قدمها لمجلس النواب عن الواقع المائي، قال وزير الموارد المائية أن العراق يمر بظروف صعبة وتعد هي الأسوأ في هذا العام، نتيجة التغيرات المناخية واستثمار تركيا للموارد المائية داخل أراضيها.
وفي رده على سؤال طرحه رئيس المجلس عن رؤية وزارة الموارد المائية حول الاتفاقية الاطارية المبرمة كونها الجهة المعنية بملف المياه، رد الوزير بأن الاتفاقية الاطارية لا ترتقي الى مستوى اتفاقية وانه ابلغ بها بشكل متأخر.
تجدر الاشارة الى ان العراق وقع اتفاقية اطارية مع تركيا عام 2024 شملت عدة ملفات منها، مكافحة الارهاب وأزمة المناخ والمياه العابرة بين الحدود والزراعة، وتهدف الى إيجاد حصة منصفة وعادلة للمياه العابرة للحدود واستخدامها بطريقة كفوءة ومستدامة وفعالة.
واكد ان العراق لا يمتلك أي اتفاقية ملزمة مع تركيا تخص تقاسم المياه بحصص محددة، مشيراً الى ان الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمياه تنص على مطالبة دول المنبع بعدم الاضرار بمصلحة دول المصب.
واقع خطير وشبح الجفاف يقترب
في هذا الصدد، قال رئيس مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف أن ما أُبرم بين العراق وتركيا بشأن ملف المياه يُعد اتفاقاً ملزماً، تحقق أنقرة منه استفادة كبيرة، مستندةً الى موقعها كدولة منبع وعامل ضغط يدفع العراق الى تقديم تنازلات في هذا الملف الحساس.
وأوضح في حديثه مع "طريق الشعب"، أن تركيا تتجه الى استلام وإدارة ملف الموارد المائية العراقية بشكل شبه كامل، انطلاقاً من ادعائها بأن العراق من أكثر الدول هدراً للمياه، سواء على مستوى الاستهلاك الفردي أو الأنشطة الزراعية.
وبيّن أن متوسط استهلاك المواطن العراقي يتراوح بين (300 و400) لتر يومياً، وهو معدل مرتفع يُستخدم كذريعة لتبرير تشديد التحكم بالمياه.
وحمّل عبد اللطيف مؤسسات الدولة جزءاً من مسؤولية الهدر، لافتاً إلى أن بعض الجهات، ومنها أمانة بغداد، تؤكد على تقليل الاستهلاك في الوقت الذي تُسهم فيه آلياتها بسقي المزروعات في الجزرات الوسطية بهدر كبير للمياه، في بغداد والمحافظات.
وبيّن أن هذه التفاصيل تُستَخدم من الجانب التركي لتكريس نفوذه وتشديد سياسته الخانقة"، مؤكداً أن الاتفاقية المزمع توقيعها قريباً —بعد التوقيع بالأحرف الأولى الذي يشير الى وجود اتفاق مبدئي— ستمنح تركيا دوراً واسعاً في إدارة الموارد المائية العراقية خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل التحكم بالاستهلاك الشخصي للمواطنين، وطرق الري الزراعي، والالتزام بحصص مائية محددة قد تُسهم في تجنيب العراق شبح العطش والجفاف.
وحذّر عبد اللطيف من أن عدم التوصل الى اتفاق في هذه المرحلة قد يضع العراق أمام مخاطر جسيمة، تتمثل بأزمة مياه قد تمتد إلى مياه الشرب، وتطال المحافظات الوسطى، في ظل معاناة قائمة أصلًا في المحافظات الجنوبية والشمالية.
وشدّد على ضرورة أن "يعتمد العراق خطة زراعية واقعية، مبنية على حجم الموارد المائية المتاحة، لضمان استدامتها في المرحلة المقبلة".
كما أكد أن تركيا "لم تطرح يوماً مبدأ التقاسم العادل أو تقاسم الضرر، باعتبارها دولة منبع، وترى أن نهري دجلة والفرات ليسا نهرين دوليين خاضعين للتقاسم مع العراق وسوريا، بل موارد تخضع لسيطرتها".
وبيّن أن العراق "يمتلك نظرياً حق تقديم شكوى دولية ويمكنه ان يكسبها، إلا أن اللجوء إلى هذا الخيار يبدو مستبعداً، خشية استفزاز تركيا ودفعها إلى قطع الإطلاقات المائية بشكل كامل".
وأضاف أن "فاعلية أي شكوى تبقى محل شك، لا سيما في ظل وجود قوى سياسية تدين بالولاء للخارج، ما يعرقل استخدام العراق لأوراق الضغط، سواء القانونية أو حتى الاقتصادية التي لم ينجح باستغلالها".
وختم بالتحذير من أن "تركيا قد تتشدد في موقفها حتى في حال تقديم شكوى دولية، ومن المرجح ايضاً انها كذلك لن تلتزم قرارات، ما يهدد بحرمان العراق من حصته المائية بشكل شبه كام".
لا توجد اتفاقية ملزمة
من جانبه، يرى المتخصص في الشأن البيئي مرتضى الجنوبي أن العراق لا يمتلك أي اتفاقية مائية ملزمة مع دول الجوار، منذ تأسيس الدولة العراقية وحتى اليوم.
وبين في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن "الاتفاقيات المائية المعتمدة عالمياً، تخضع لأطر قانونية واضحة، وتشارك فيها أطراف دولية ثالثة، وغالباً ما تكون برعاية الأمم المتحدة، كما هو الحال في العديد من أحواض الأنهار المشتركة حول العالم".
وأشار إلى أن "الاتفاق الأخير مع الجانب التركي، والذي جاء عقب زيارة الرئيس التركي الى العراق عام 2024، وتبلور خلال عام 2025 بحضور رئيس الوزراء ووزارتي الخارجية العراقية والتركية، لا يُعد اتفاقاً مائياً بالمعنى القانوني"، لافتاً إلى أن "وزارة الموارد المائية العراقية لم تكن طرفاً معنياً أو حاضراً حتى في هذا الاتفاق".
وبيّن أن "الاتفاق يقتصر على مشاريع فنية مثل حصاد المياه، واستخدام الأنابيب المغلقة، وتنفيذ مشاريع تتولاها شركات تركية، وتموَّل من عائدات النفط العراقي، دون أن يتضمن أي حصص مائية واضحة أو التزامات معلنة"، مؤكداً أن الخاسر الوحيد من هذا الترتيب هو العراق".
وفيما يتعلق بتبريرات وزارة الخارجية، أشار الجنوبي إلى "أنها لم تكن الجهة الفنية المعنية بالملف المائية"، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن "وزارة الموارد المائية تتحمل جزءاً من المسؤولية، كونها جزءاً من الحكومة العراقية، وما رافق ذلك من إهمال واستنزاف حاد للموارد المائية خلال السنوات الماضية".
وكشف أن الوضع المائي في العراق وصل إلى "مرحلة حرجة جداً، إذ لا يتجاوز الخزين المائي في السدود العراقية نحو (5) مليارات متر مكعب، فيما تعاني غالبية المناطق الجنوبية من الجفاف منذ نيسان 2025 وحتى اليوم، مع جفاف معظم فروع نهر دجلة".
وأضاف أن الأهوار العراقية "تشهد تدهوراً خطيراً، حيث جفّت أهوار محافظة ميسان بنسبة 100 في المائة، بينما تحولت الأهوار في محافظة ذي قار الى مجرد مجاري أنهار، في مؤشر خطير على عمق الأزمة".
وختم الجنوبي بالقول إن "عدم وجود اتفاقيات مائية ملزمة مع دول الجوار يعني عدم وجود أي التزام قانوني بتأمين حصة عادلة للعراق"، موضحاً أن ما يصل حالياً من الإطلاقات المائية من الجانب التركي "لا يتجاوز 150 متراً مكعباً في الثانية، وهي كميات محدودة تُمنح بصفة الفضل لا الالتزام، في ظل غياب أي إطار قانوني ناظم".