اخر الاخبار

لم يعد الضجيج في شوارع وأحياء بغداد مجرّد إزعاج يومي عابر، بل تحول إلى تهديد صحي ونفسي متصاعد يطال ملايين السكان، في ظل ارتفاع مستويات الضوضاء داخل المناطق السكنية، وتداخل الأنشطة التجارية والمرورية مع الحياة اليومية للأهالي، وغياب سياسات فاعلة للحد من التلوث السمعي. وبينما تحذّر التقارير الدولية من أن الضوضاء تُعد ثاني أخطر عامل بيئي مؤثر في الصحة بعد تلوث الهواء، يؤكد مختصون أن مدن العراق، ولا سيما العاصمة، باتت تعيش في بيئة صوتية غير آمنة، تنعكس آثارها على السمع والجهاز العصبي والصحة النفسية وجودة النوم، وتكشف عن خلل عميق في التخطيط الحضري وضعف تطبيق القوانين البيئية والمرورية.

وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن الحد الأعلى الآمن للتعرض اليومي للضوضاء يبلغ (85) ديسيبل لمدة لا تزيد على ثماني ساعات، وأن تجاوز هذا المستوى، سواء بشكل مفاجئ أو مزمن، يؤدي إلى أضرار تراكمية تطال السمع والجهاز العصبي، فضلًا عن القلب والأوعية الدموية.

وعلى المستوى العالمي، تصنّف منظمة الصحة العالمية والوكالة الأوروبية للبيئة التلوث الضوضائي بوصفه ثاني أخطر عامل بيئي مؤثر في الصحة بعد تلوث الهواء.

وتشير تقديرات عامي 2024–2025 إلى أن مئات الملايين من الأشخاص حول العالم يتعرضون يوميًا لمستويات ضجيج تتجاوز المعايير الصحية، ولا سيما في المدن الكبرى، مع تسجيل نسب تتراوح بين (20–30) في المائة من سكان المدن الأوروبية الذين يعيشون في بيئات صوتية ضارة، وفقًا للتقارير الدولية. 

قانون الضوضاء غير مفعّل

وذكر رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان، فاضل الغراوي، أن التلوث الضوضائي في العراق بات يُعد من أخطر التهديدات البيئية والصحية التي تواجه المجتمع، ولا يقل خطورة عن تلوث الهواء والمياه، في ظل الارتفاع المستمر بمستويات الضجيج داخل المدن العراقية، ولا سيما في العاصمة بغداد.

وبين الغراوي لـ"طريق الشعب" أن أجهزة قياس الضوضاء سجلت في بغداد خلال الأعوام الأخيرة مستويات تراوحت بين (37.5 – 76) ديسيبل، وهي نسب تتجاوز في كثير من المناطق الحدود التي تعتمدها منظمة الصحة العالمية للمناطق السكنية، والمحددة بـ(45) ديسيبل ليلًا و(55) ديسيبل نهارًا، ما يعني أن شريحة واسعة من سكان العاصمة تعيش في بيئة صوتية غير آمنة صحيًا.

وأكد أن هذه المؤشرات واصلت الارتفاع خلال عامي 2024 و2025 نتيجة عوامل عدة، في مقدمتها الزيادة السكانية الحضرية السريعة، وما يرافقها من ضغط على البنى التحتية، إلى جانب التوسع غير المنظم في الأنشطة التجارية والمرورية داخل الأحياء السكنية.

وحذّر الغراوي من أن التعرض اليومي المزمن لمستويات تفوق (80) ديسيبل، كما هو حاصل في العديد من الشوارع والأحياء في بغداد ومدن أخرى، لا يؤدي فقط إلى فقدان السمع وطنين الأذن وفرط الحساسية للصوت، بل يرتبط علميًا بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وداء السكري من النوع الثاني، إضافة إلى اضطرابات النوم المزمنة والإجهاد العصبي والاكتئاب واضطرابات الصحة النفسية، فضلًا عن ضعف الذاكرة ونقص التركيز وتأخر التعلم لدى الأطفال نتيجة التداخل بين الضوضاء والقدرة على الإدراك.

ونوّه إلى أن مقارنة هذه المعايير بالواقع العراقي تُظهر أن مستويات الضوضاء في بغداد ومدن رئيسية أخرى تضع البلاد ضمن نطاق الخطر البيئي الصحي، في ظل غياب سياسات وطنية واضحة لإدارة الضجيج الحضري، وعدم تفعيل القوانين البيئية الخاصة بالضوضاء بشكل فعلي.

غياب الرؤية التخطيطية طويلة الأمد

بدوره، قال مهندس التخطيط الحضري، مرتضى ناصر إن مستويات الضوضاء في بغداد ترتفع بشكل لافت في المناطق القديمة والمكتظة بالسكان، بسبب طبيعة النسيج العمراني الضيق وتداخل الاستعمالات السكنية مع التجارية والخدمية، ما يجعل الأصوات الصادرة من حركة المركبات وورش "التكاتك" والباعة الجوالين جزءًا دائمًا من المشهد اليومي داخل الأحياء.

وقال ناصر لـ"طريق الشعب"، أن كثيرا من الأزقة والشوارع في هذه المناطق لم تُصمم أصلًا لاستيعاب هذا الحجم من الحركة المرورية، لكن مع التوسع غير المنظم، تحولت إلى ممرات رئيسية للمركبات، الأمر الذي يضاعف الضجيج ويزيد من الاختناقات، لافتا إلى أن غياب العوازل الصوتية، وسوء نوعية التبليط، ورداءة صيانة الطرق، كلها عوامل تسهم في تضخيم الأصوات داخل الأحياء السكنية.

وأضاف أن من أبرز الإشكاليات التخطيطية في بغداد هو السماح بانتشار الورش والمخازن والأنشطة التجارية داخل المناطق السكنية القديمة دون ضوابط واضحة، فضلًا عن ضعف تنظيم مسارات “التكاتك” والمركبات الصغيرة، التي غالباً ما تستخدم طرقا داخلية ضيقة بدل الشوارع الرئيسة، ما يرفع مستويات الضوضاء طوال اليوم، وليس في ساعات الذروة فقط.

وأشار إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالسلوك الفردي، بل ترتبط بغياب رؤية تخطيطية طويلة الأمد لإعادة تنظيم المدينة، وتحديث شبكات الطرق، وتخصيص مسارات واضحة للنقل الخفيف، إضافة إلى عدم تطبيق اشتراطات العزل الصوتي في الأبنية الجديدة، مؤكداً أن معالجة التلوث الضوضائي في بغداد تتطلب حلولًا تخطيطية وهيكلية، لا تقتصر على الحملات المؤقتة أو الإجراءات الجزئية.

التلوث الضوضائي

فيما تجد ايناس هادي، مختصة في الصحة النفسية، إن التعرض اليومي والمزمن لمستويات مرتفعة من الضوضاء يُعد من العوامل الضاغطة المستمرة على الجهاز العصبي، ويرتبط بظهور واضطرابات عدة، في مقدمتها القلق العام، ونوبات التوتر، واضطرابات المزاج، إضافة إلى ارتفاع معدلات الاكتئاب لدى بعض الفئات، لاسيما في البيئات الحضرية المكتظة. وأوضحت أن الضجيج لا يُعد مجرد إزعاج مؤقت، بل يُحفز الجسم على إفراز هرمونات التوتر بشكل متكرر، ما يؤدي إلى إنهاك الجهاز العصبي على المدى المتوسط والطويل.

وأضافت لـ"طريق الشعب"، أن التلوث الضوضائي يؤثر بشكل مباشر في جودة النوم، إذ يؤدي إلى صعوبة الدخول في النوم، وتكرار الاستيقاظ الليلي، واضطراب مراحل النوم العميق، وهو ما ينعكس سلبًا على الاستقرار النفسي والقدرة على التركيز وضبط الانفعالات.

وبيّنت أن الأطفال يتأثرون اكثر من غيرهم، إذ قد تظهر عليهم مشكلات في الانتباه وفرط الحركة وتراجع الأداء الدراسي، في حين يواجه كبار السن تدهورًا في المزاج وازديادًا في الشعور بالإرهاق والتهيج العصبي.

وأشارت إلى أن الضوضاء تعد عامل ضغط نفسي مزمنا يمكن أن يفاقم اضطرابات نفسية موجودة أصلا لدى الانسان، مثل نوبات الهلع، واضطرابات القلق، واضطراب ما بعد الصدمة، خصوصا لدى الأشخاص الذين يعيشون في بيئات غير مستقرة أو سبق أن تعرضوا لصدمات نفسية.

وأكدت أن استمرار التعرض لمصادر الضجيج دون فترات هدوء كافية يقلل من قدرة الفرد على التعافي النفسي اليومي، ويجعل الجسم في حالة استنفار دائم، ما يزيد من هشاشة الصحة النفسية على المدى الطويل.

واقترحت المختصة نقل المناطق الصناعية والورش إلى خارج الأحياء السكنية، وإلزام أصحاب المولدات بتركيب كواتم صوت نظامية، وفرض غرامات رادعة على المخالفين، إلى جانب تشديد الرقابة المرورية على المركبات التي تستخدم المنبهات العالية أو أجهزة التضخيم أو العوادم المعدلة.

وأشارت إلى أنها اضطرت في وقت سابق إلى رفع دعوى قضائية ضد أحد المنازل المقابلة لسكنها بسبب وضع مولدة كهرباء كبيرة في منتصف الشارع، ما تسبب بإزعاج مستمر وعدم القدرة على النوم، في ظل غياب تدخل فعلي من الجهات المعنية.