بعد أسبوعين من تصاعد التهديدات تجاه أوروبا، تزحزح الرئيس دونالد ترامب عن موقفه، متراجعاً عن حافة حرب محتملة لا يمكن تصورها ضد حليف في حلف الناتو، وذلك خلال خطاب ألقاه في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الأربعاء الماضي.
فقد أدى تعهد ترامب بعدم استخدام القوة لضم غرينلاند وذلك بعد لقائه بزعيم الناتو الى تهدئة المخاوف الاوربية وحفز انتعاشا في وول ستريت. وتراجع أيضا عن تهديده بفرض رسوم جمركية بعد تأمين "إطار " اتفاق بشأن غرينلاند ليكمل بذلك التراجع عن واحدة من أكثر مغامراته جرأة في رئاسته لحد الآن.
لكن استمراره في انتقاد الحلفاء ووصفهم بأنهم "ناكرون للجميل" لعدم منحهم الولايات المتحدة "ملكية وحق" ما قال إنه مجرد "قطعة من الجليد" لم يفعل الكثير لعكس الشعور المتزايد بين قادة الناتو وغيرهم من الحلفاء القدامى بأنهم لم يعودوا قادرين على اعتبار الولايات المتحدة - التي كانت على مدى 80 عامًا حجر الزاويـــة في التحالف عبر الأطلـسي -حليفًا موثوقًا-
قال مسؤول أوروبي حضر خطاب ترامب، طالبا عدم الكشف عن هويته للتحدث بصراحة: "الدرس المستفاد لأوروبا هو أن التصدي له قد يُجدي نفعًا. هناك ارتياح، بالطبع، لتخليه عن استخدام القوة العسكرية، ولكن هناك أيضًا إدراكا لإمكانية تراجعه عن موقفه. إن وعود ترامب وتصريحاته غير موثوقة، لكن ازدراءه لأوروبا ثابت. علينا أن نواصل إظهار العزيمة والمزيد من الاستقلالية، لأننا لم نعد نستطيع التمسك بهذا الوهم بأن أمريكا لا تزال كما كنا نظنها"
جاء تراجع ترامب المفاجئ عن موقفه بعد أسابيع من رفضه استبعاد التدخل العسكري، وذلك بعد يوم واحد من انهيار الأسواق العالمية جراء موجات الصدمة التي أحدثتها أحداث غرينلاند، والتي أدت إلى خسارة أكثر من 1.2 تريليون دولار من قيمة مؤشر ستاندرد آند بورز 500 وحدة. ويعكس هذا التحول في سياسة الرئيس موقفا مماثلا في أبريل / نيسان الماضي ، عندما تراجع سريعاً عن فرض تعريفات جمركية واسعة النطاق بعد تراجع السوق المرتبط بسياساته.
إذا استمر رفض ترامب استخدام الجيش لتهديد غرينلاند وحلفاء الولايات المتحدة في الناتو، فسيمثل ذلك انتصاراً لمسؤولي الإدارة مثل وزير الخزانة سكوت بيسنت، الذي نصح المشاركين في دافوس بعدم المبالغة في رد الفعل أو التصعيد مؤكدا للأوربيين القلقين بأن الأمور ستسير على ما يرام قريبا.
ما عدا نائب رئيس الأركان، ستيفن ميلير، الذي يدعم علانيا التهديد باستخدام القوة والذي يصر على أن " العالم الحقيقي "هو عالم" تحكمه القوة والسلطة "ترى الأكثرية أن تهديد ترامب باستخدام القوة ما هو إلا وسيلة لخلق موقف قوي تمهيدا لمفاوضات لاحقة. وقال مصدرٌ مقرّبٌ من الإدارة، طلب عدم الكشف عن هويته لوصف تفاصيل الوضع، إنه لو لجأ ترامب إلى استخدام القوة العسكرية، لكان من الممكن أن يواجه معارضةً من أقرب حلفائه، مثل وزير الخارجية ماركو روبيو ونائب الرئيس جيه دي فانس. ويقول نفس المصدر إن بعض كبار المسؤولين في الإدارة يتحدثون سرا مع أقرب أصدقائهم عن استغرابهم لسياسة التهديد هذه .
وظل الغرب متوترًا بعد أن أعلن الرئيس في نهاية الأسبوع الماضي نيته زيادة الرسوم الجمركية على عدة دول أوروبية أرسلت قوات إلى غرينلاند لإجراء مناورات عسكرية.
وبينما كانوا يفكرون في حقيقة أن رئيسًا أمريكيًا يهدد السيادة الإقليمية لأحد حلفائه ويلجأ إلى أساليب الإكراه الاقتصادي ضد آخرين، وضع القادة الأوروبيون إستراتيجيات علنية للرد بالمثل.
وقد مثّل هذا الموقف تحولاً كبيراً عن السنة الأولى لعودة ترامب إلى منصبه، عندما قاوم القادة الأوروبيون لكنهم في النهاية قبلوا شروطه إلى حد كبير - حيث وافق حلف الناتو على مضض على إنفاق المزيد على الدفاع، وتحمل العبء المالي الكامل للمساعدات المقدمة لأوكرانيا ، وقبل الاتحاد الأوروبي بفرض تعريفة جمركية بنسبة 15في المئة على جميع صادراته إلى الولايات المتحدة - وذلك لمنع الرئيس من الانفصال عن الحلف والتخلي عن أوكرانيا .
لكن تحدي الرئيس السافر بمطالبته الدنمارك، الحليف الثابت في الناتو، بالسماح له بشراء غرينلاند والتلويح، بإمكانية استخدام القوة العسكرية للاستيلاء عليها، هدد بتجاوز خط أحمر بالنسبة لأوروبا وتقويض ثمانين عامًا من التعاون، وقلب هيكل التحالف الذي بنته أمريكا إلى حد كبير لتجنب ذلك النوع من الغزو الإمبريالي الذي يبدو أن ترامب مهووسٌ به فجأة .
أثارت منشورات ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي في نهاية الأسبوع الماضي والتي أعلن فيها عن نيته زيادة الرسوم الجمركية على الدول الاوربية التي أرسلت قوات إلى جرينلاند لإجراء تدريبات عسكرية، ردود فعل عامة قاسية من رؤساء الدول في جميع أنحاء أوروبا، وأدت إلى سيل من المكالمات الهاتفية الخاصة وحتى الرسائل النصية التي شارك الرئيس بعضها على وسائل التواصل الاجتماعي تحثه على العمل معهم بشكل أكثر بناءً لمعالجة الأمن في القطب الشمالي.
لم يمنع ذلك ترامب يوم الأربعاء من مواصلة التأكيد على نيته الاستحواذ على غرينلاند من خلال المفاوضات، على الرغم من معارضة الغالبية العظمى من سكان غرينلاند .
قال مسؤول أوروبي آخر في دافوس: "دعونا لا نبالغ في التفاؤل بشأن استبعاده للعنف، فهذا. وروايته بشأن غرينلاند أمرٌ شائنٌ في المقام الأول ومحض هراء، ويجب فضحها "
وأشار ترامب، الذي التقى قادة أوروبيين لمناقشة قضية غرينلاند بعد ظهر الأربعاء، في تصريحاته إلى أن استحواذ الولايات المتحدة على هذه الجزيرة يصب في مصلحة أوروبا وأمريكا على حد سواء.
وتابع قائلاً "بإمكانكم أن تقولوا نعم، وسنكون ممتنين للغاية، أو بإمكانكم أن تقولوا لا، وسنتذكر ذلك"
لم تبدُ تلك الكلمات كافية لتهدئة المخاوف المتزايدة لدى القادة الديمقراطيين من أن العالم ينحرف في اتجاه جديد ومخيف، بعيداً عن عقود من السلام والاستقرار النسبيين، وعائداً إلى حقبة ما قبل الحرب من الغزو العالمي .
فقد كتب أندرس فوغ راسموسن، رئيس الوزراء الدنماركي والأمين العام السابق لحلف الناتو، هذا الأسبوع أن الوقت قد حان لكي تغير أوروبا موقفها تجاه الولايات المتحدة من موقف الحلفاء المقربين إلى موقف أكثر حماية للذات يتسم بقوة عسكرية أكبر وفرض تعريفات جمركية متبادلة.
و أكد رئيس الوزراء الكندي ، مارك كارني، في كلمته أمام منتدى دافوس يوم الثلاثاء قبيل وصول ترامب قائلا : " لنتذكر كل يوم أننا نعيش في عصر التنافس بين القوى العظمى و أن النظام القائم على القواعد يتلاشى بدون رجعة الى الوراء و أن الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله " ودعا كارني الدول الديمقراطية إلى اتخاذ خطوات لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة وضعفها أمام ضغوط البيت الأبيض، وحثّ القادة الآخرين على تقبّل واقع جديد مفاده أن النظام العالمي الذي ساد بعد الحرب قد انتهى بالفعل.
وقال: "دعوني أكون صريحاً: نحن في خضمّ قطيعة، لا مرحلة انتقالية".
أوضح ترامب يوم الأربعاء أنه اطلع على تصريحات كارني، مشيرًا إلى اعتماد كندا على الولايات المتحدة، بل وذهب إلى حدّ التلميح إلى أن أمنها لا يزال يعتمد على التكنولوجيا الدفاعية الأمريكية. وقال: "ينبغي أن يكونوا ممتنين لنا. كندا قائمة بفضل الولايات المتحدة. تذكر هذا يا مارك في المرة القادمة التي تدلي فيها بتصريحاتك".
ولعلّ هذا التهديد الضمني قد أكّد، بطريقة ما، وجهة نظر الزعيم الكندي.