تعكس أزمة المصارف في العراق هشاشة النظام المالي، إذ تبقى البنوك الأهلية محصورة في أنشطة قصيرة الأجل لتفادي المخاطر، بينما تغيب الحوكمة والرقابة الفاعلة، وبالتالي فإن الاعتماد الكبير على النقد وضعف الشمول المالي يزيدان من صعوبة توسع الإقراض، ما يحوّل المصارف من أدوات تنموية إلى مجرد وسيلة لتحقيق أرباح سريعة، في ظل حاجة ملحة لإصلاح شامل للنظام المصرفي والمالي.
ويعمل في العراق 83 مصرفاً بواقع 8 مصارف حكومية و24 مصرفاً تجارياً و31 مصرفاً إسلامياً، إضافة إلى 17 فرعاً لمصارف أجنبية تجارية وإسلامية عاملة وثلاثة مكاتب تمثيلية لمصارف أجنبية.
ثلاثة مسارات للعمل
يقول نائب محافظ البنك المركزي عمار العيثاوي أن "هناك هيكلة للمصارف الخاصة العاملة في العراق شملت 3 مسارات: البقاء في السوق عبر الالتزام بالمعايير، أو الاندماج، أو الخروج من السوق".
وأوضح العيثاوي في حديث صحفي أن "معظم البنوك الخاصة في العراق التزمت بالمسارين الأول والثاني، سواء الاستمرار وحدها مع الالتزام بهذه المعايير، أو الاندماج، إلا أن عدداً قليلاً منها اختار المغادرة تلقائياً، وهي قلة قليلة لا تتعدى 5 مصارف".
واقر العيثاوي بأن "الشمول المالي منخفض نسبياً في العراق مقارنة بالدول المجاورة، وعملية استخدام الكاش لا تزال كبيرة".
اختلالات هيكلية في الاقتصاد العراقي
فيما يقول الباحث الاقتصادي حسنين تحسين، إن ضعف مساهمة المصارف الأهلية في النشاط الائتماني، رغم توسعها العددي وزيادة رؤوس أموالها، يعود إلى اختلالات هيكلية في الاقتصاد العراقي، أبرزها ضعف البيئة الاستثمارية وارتفاع المخاطر، ما دفع هذه المصارف إلى التركيز على أنشطة سريعة العائد ومنخفضة المخاطر بدل تمويل المشاريع الإنتاجية.
ويشير تحسين في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن سيطرة المصارف الحكومية على أغلب الودائع تمثل عائقا أمام تطور المصارف الأهلية، لكنها في الوقت ذاته تعد نتيجة طبيعية لضعف الثقة بالقطاع المصرفي الخاص، في ظل اعتماد معظم الدخول على الدولة وغياب دور تنموي واضح للمصارف الأهلية.
ويحمل الخبير الاقتصادي الأجهزة النقدية والرقابية جزءا من المسؤولية، لافتا إلى أن غياب الحوافز الائتمانية وضعف الأطر القانونية لإدارة المخاطر أسهما في توجه المصارف نحو أنشطة محدودة التأثير الاقتصادي، فيما تبقى خطط البنك المركزي لإصلاح المصارف الخاصة خطوة مهمة لكنها غير كافية دون إصلاح اقتصادي أشمل يعالج طبيعة الاقتصاد الريعي.
ويضيف أن ضعف الشمول المالي والاعتماد الواسع على النقد يحدان من قدرة المصارف الأهلية على توسيع الإقراض، كما أن نافذة بيع العملة أسهمت في تشويه وظيفة عدد من المصارف الخاصة وإضعاف ثقة الجمهور بها.
ويؤكد تحسين أن ضعف الحوكمة والبيئة القانونية يقيد التوسع في الإقراض طويل الأجل، فيما يمكن أن يشكل الاندماج حلا جزئيا لرفع الكفاءة إذا ما تم ضمن إطار رقابي يضمن المنافسة والاستقرار.
لا دور لها في النشاط الائتماني
وضمن السياق، اكد صالح المصرفي، مراقب للشأن الاقتصادي، أن المصارف الأهلية في العراق لم تؤدِ دورها الحقيقي في دعم النشاط الائتماني، رغم توسعها وزيادة رؤوس أموالها، مبيناً أن نشأة هذه المصارف كمؤسسات عائلية، إلى جانب توجهها للاستثمار في نافذة بيع العملة، أسهم في ابتعادها عن دورها الأساسي في تمويل الاقتصاد.
وأوضح المصرفي لـ"طريق الشعب"، أن الاعتماد على شراء الدولار من نافذة العملة وفر للمصارف أرباحاً سريعة ومخاطر أقل مقارنة بالإقراض، إلا أن توقف النافذة كشف هشاشة أدائها، وأدى إلى تراجع ثقة المواطنين بها، خاصة بعد تعثر بعض المصارف في تسديد التزاماتها تجاه زبائنها، ما انعكس سلباً على مجمل النشاط المصرفي.
وفيما يخص المصارف الحكومية، أشار إلى أنها تسيطر على أكثر من 90 في المائة من الودائع، لكنها غير مستثمرة، الأمر الذي شكل عائقا أمام تشغيل الأموال، لافتاً إلى أن ضعف الثقة بالقطاع المصرفي وتخلف المصارف الحكومية تكنولوجياً، إضافة إلى الأوضاع السياسية غير المستقرة، أسهمت في عزوف المواطنين عن الإيداع.
وحمل المصرفي السياسة النقدية واجهزتها الرقابية جزءاً من المسؤولية، بسبب ضعف الرقابة على المصارف الأهلية، ما دفعها إلى الابتعاد عن تمويل الأنشطة الإنتاجية والتوجه نحو المتاجرة بالعملة الأجنبية، وهو ما تسبب بتذبذب أسعار الصرف وخلق فجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي.
كما بيّن المصرفي أن ضعف الشمول المالي واستمرار الاعتماد على النقد يعكس تخلف الوعي المصرفي، فضلاً عن محدودية وصول الخدمات المصرفية إلى المناطق النائية، وغياب سياسة ائتمانية واضحة تشجع المواطنين على التعامل مع المصارف.
وختم المصرفي حديثه بالتأكيد على أن نافذة العملة والمضاربات المالية أسهمتا في تشويه وظيفة المصارف الأهلية وإبعادها عن دورها التنموي، مشدداً على ضرورة إجراء إصلاح شامل للنظام المصرفي والمالي، يترافق مع إصلاحات ضريبية وجمركية، لدعم التنمية الاقتصادية في العراق.
انتقال تدريجي الى نظام مصرفي متطور
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي عبد السلام حسن حسين، أن أزمة المصارف في العراق لم تعد مسألة إجرائية أو تقنية، بل تحولت إلى أزمة ثقة حقيقية، ولا سيما تجاه المصارف الحكومية، مبينا أن فقدان هذه الثقة انعكس بشكل مباشر على حركة الاقتصاد والاستثمار وتعطيل مصالح المواطنين.
وأضاف حسين في تعليق لـ"طريق الشعب"، مستندا إلى تجربته الشخصية في مجال العقارات، إن أغلب تعاملاته المالية تمر عبر الهيئة العامة للضرائب التابعة لوزارة المالية، ويتم التسديد من خلال بطاقات الماستر والمصارف، إلا أن المشكلة تبدأ عند إيداع الأموال في المصارف الحكومية.
ويستذكر حسين حادثة إيداع مبلغ 300 مليون دينار في أحد فروع مصرف الرافدين في البصرة، ليُفاجأ لاحقًا برفض إدارة المصرف تسليمه المبلغ دفعة واحدة، والاكتفاء بصرف مبالغ بسيطة وعلى شكل دفعات.
وتابع أن هذا الإجراء تسبب بتعطيل صفقة عقارية كاملة، إذ اشترط صاحب العقار استلام كامل المبلغ نقدا، ما أدى إلى تأخير البيع لأكثر من شهر، ولم يحصل في البداية سوى على عشرة ملايين دينار فقط.
وعدّ حسين، أن مثل هذه الحالات تمثل نموذجًا حيّا لانعدام الثقة بالمصارف الحكومية، وتأثير ذلك المباشر على دوران رأس المال وتوقف عجلة العمل.
وأشار إلى أن السياسات المالية الحالية، ولا سيما ما يُطرح تحت مسمى الذكاء الاقتصادي، تُطبق دون مراعاة لواقع السوق العراقي، مؤكدا أن التطور الاقتصادي لا يُفرض بشكل فوري، بل يحتاج إلى مراحل وتدرج. فالدول التي سبقت العراق في هذا المجال احتاجت إلى سنوات طويلة لتأهيل أنظمتها المصرفية، في حين يُراد اليوم من المواطن العراقي أن يتكيف بسرعة مع أنظمة إلكترونية غير مهيأة بالكامل.
وزاد حسين أن اعتماد الدفع الإلكتروني بشكل مفاجئ، حتى في المبالغ الصغيرة، تسبب بأزمات ومعاناة يومية للمواطنين، ما يعني أن العملية لم تنجح بالشكل المطلوب.
وبحسب حسين فإن الحل يكمن في الإبقاء على التعامل النقدي في المبالغ الصغيرة، مع الانتقال التدريجي نحو النظام المصرفي الحديث.
وفي مقارنة بين المصارف الحكومية والأهلية، يوضح حسين أن الأخيرة، ورغم ملاحظاته عليها، تُعد أكثر مرونة في التعامل من نظيرتها الحكومية، إلا أن المشكلة تكمن في غياب الصلاحيات الكاملة والرقابة العادلة، ما يفتح الباب أمام الاستغلال والعلاقات الشخصية في منح القروض وتحديد الأرباح.
ويختم حديثه بالتأكيد على أن ما يجري اليوم يمثل تدميرا اقتصاديًا ممنهجا، مشيرا إلى أن الدولة تخسر مليارات الدنانير شهريا بسبب سوء إدارة الملف المصرفي.