اخر الاخبار

لا تزال أزمة شح المياه والجفاف تهدد الأراضي الزراعية والمصادر المائية الحيوية، برغم موسم الأمطار الذي تشهده البلاد. فمع تراجع مناسيب الأنهار وتأثر الموارد المائية بالتغيرات المناخية، يظهر الاستمطار الصناعي كخيار تقني يُطرح كحل مؤقت لإعادة بعض التوازن المائي، غير أن الخبراء يؤكدون أن هذه التقنية وحدها لا تكفي لمواجهة الأزمة، وأن الاعتماد عليها بشكل منفرد قد يعطي صورة مبسطة ومضللة عن عمق المشكلة.

فالحلول الفعّالة، بحسب الخبراء، تتطلب إدارة متكاملة للموارد المائية، تحديث البنى التحتية للري، تعزيز مشاريع حصاد وتخزين المياه، وتحسين التنسيق مع دول الجوار لضمان حقوق العراق في الأنهار العابرة للحدود، وبذلك، يُنظر الى الاستمطار الصناعي كأداة مساندة ضمن منظومة حلول شاملة، وليس كبديل جذري لمعالجة ندرة المياه.

آلية العمل

ويعد الاستمطار الصناعي او تلقيح السحب، تقنية تهدف الى زيادة هطول الأمطار من السحب الموجودة في الغلاف الجوي بدلاً من خلق سحب جديدة، وتعتمد على تحفيز الغيوم لتساقط الأمطار في مناطق محددة.

وتتم العملية عادة باستخدام طائرات مجهزة أو مولدات أرضية تُطلق داخل أو حول السحب مواد محفزة مثل يوديد الفضة، الملح الصناعي، أو الثلج الجاف (ثاني أكسيد الكربون الصلب)، ما يساعد على زيادة الكثافة المائية في السحابة وتحفيز تساقط الأمطار.

التكلفة المادية لمشاريع الاستمطار الصناعي

ومع ذلك، فإن تطبيق الاستمطار الصناعي ليس سهلاً، فهو مكلف مالياً وتقنياً، إذ يتطلب طائرات مجهزة، معدات حديثة، وخبرات متخصصة لتحديد توقيت الحقن ومناطق الاستهداف، حيث تشير تجارب دول عدة بحسب تقارير إلى أن الاستمطار الصناعي ينطوي على تكاليف مالية عالية تختلف باختلاف شكل المشروع ومدى اتساع نطاقه؛ ففي دولة الامارات مثلاً، خصصت الحكومة أكثر من (22) مليون دولار أمريكي لدعم الأبحاث وتحسين تقنية تلقيح السحب، ضمن برنامج طويل الأمد لتعزيز هطول الأمطار في المناطق الصحراوية.

فيما تُقدّر تكلفة ساعة الطيران في البرنامج بحوالي (8) آلاف دولار، ويُنفَّذ نحو (1100) ساعة طيران سنوياً بتكلفة تقارب (9) ملايين دولار. 

اما في السعودية، فتتنوع السيناريوهات التخطيطية لبرنامج الاستمطار الصناعي على مدى خمس سنوات، إذ تتراوح التكلفة بين (82–102) مليون دولار تقريباً. 

وفي الهند صادق مجلس الوزراء على برنامج تجريبي يستهدف إجراء تجارب استمطار على نطاق العاصمة نيودلهي بتكلفة تقارب (385) الف دولار تقريباً وهو ميزانية مخصصة لتنفيذ خمس تجارب من عمليات تعديل الطقس بهدف توليد أمطار صناعية للحد من تلوث الهواء وتخفيف الجفاف.

بينما في الولايات المتحدة، تنفق بعض الولايات، مثل ولاية يوتا، مبالغ سنوية تزيد عن (700) الف دولار على برامج تعديل الطقس التي تشمل تقنية تلقيح السحب، وهو رقم يُظهر أن حتى المشاريع ذات النطاق الإقليمي تتطلب موازنات سنوية كبيرة. 

بشكل عام، تشمل تكاليف المشاريع ساعات طيران للطائرات المجهزة، الوقود، أجور الطاقم الفني، المواد المستخدمة في حقن الغيوم، ورصد البيانات الجوية، ما يجعل هذه التقنية أكثر تكلفة نسبياً مقارنة ببعض بدائل إدارة المياه مثل تحسين البنية التحتية أو التحلية في بعض السيناريوهات.

استعدادات للتنفيذ

من جهته، كشف وزير البيئة هه لو العسكري، عن استعداد وزارته للبدء بمشروع الاستمطار الصناعي، مشيراً إلى وضع ثلاث رؤى لتحديد نسبة الاستفادة من المشروع خلال مناقشة الملف في اللجنة العليا للمياه.

وقال العسكري، ان مشروع الاستمطار الصناعي ليس بالمستحيل، وان وزارته، قد طرحت المشروع في المجالس واللجان المتعددة منذ ثلاث سنوات، كما نوقش في اللجنة العليا للمياه برئاسة رئيس مجلس الوزراء، مؤكداً الاستعداد التام للبدء بالتنفيذ.

ونوه الى أن الوزارة بادرت وابدت استعدادها الفني من حيث الخبرة الامكانية، لكن المبادرة لم تتحقق على أرض الواقع حتى الآن. فيما عزا هذا التلكؤ في تنفيذ المشروع الى جهة اخرى لم يتطرق لذكر اسمها، مؤكداً قدرة وزارته على استكمال الملف وتقديمه الى الحكومة لتنفيذه.

مشروع مكلف جداً

في هذا الصدد، قال رئيس مرصد العراق الأخضر عمر عبد اللطيف، أن الاستمطار الصناعي يُعد خياراً مهماً يمكن أن يسهم في التخفيف من آثار الجفاف ورفع مناسيب المياه وإحياء بعض الأراضي المتضررة، لكنه شدد على أنه ليس الحل الوحيد لأزمة المياه في العراق، ولا ينبغي اختزال معالجة التحديات المائية به فقط.

وقال عبد اللطيف في حديثه مع "طريق الشعب"، إن الاستمطار الصناعي "يحمل جملة من الفوائد، منها المساهمة في رفع مناسيب المياه وتعديل بعض الظروف المناخية وإحياء أجزاء من الأراضي التي تعرضت للجفاف، فضلًا عن دعم البيئات المائية التي تضررت خلال السنوات الماضية".

وبين أن التقنية يمكن أن تُستخدم في حال وصول مناسيب المياه الى مستويات متدنية جداً أو تعرض الأراضي للجفاف الكامل.

وأوضح أن نجاح الاستمطار الصناعي "يرتبط ارتباطاً مباشراً بحسن التوقيت، إذ إن الأمطار الناتجة عنه قد لا تخدم المزارعين إذا جاءت في أوقات غير مناسبة للمواسم الزراعية، بل قد تؤدي في بعض الحالات الى أضرار بالمحاصيل، باعتبار أن تأثيرها يشبه تأثير الأمطار الطبيعية".

وأشار عبد اللطيف إلى أن "الاستمطار الصناعي يُعد مكلفاً مالياً وتقنياً، إذ يتطلب طائرات وتقنيات حديثة لحقن الغيوم وتوجيهها نحو مناطق محددة مثل الأنهار أو السدود أو الأراضي الجافة"، لافتاً إلى أن "تطبيق المشروع بحاجة الى إمكانات كبيرة واستعدادات فنية متقدمة".

وبيّن أن الوضع المائي في العراق يظل مرتبطاً بمواسم الأمطار، محذراً من أن "الصيف المقبل قد يكون صعباً في حال عدم استمرار الهطولات خلال الفترة المقبلة".

ودعا كذلك إلى الاستفادة من المياه التي هطلت عبر مشاريع حصاد المياه وخزنها وإدارتها لضمان الاستفادة منها خلال مواسم الشح.

وأضاف أن أزمة المياه في العراق "لا يمكن اختزالها بحل واحد كالاستمطار الصناعي"، مشدداً على ضرورة "تحسين إدارة الموارد المائية من قبل الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارات الموارد المائية والزراعة والجهات المعنية الأخرى، الى جانب تطوير أساليب الادارة وتعزيز كفاءة الاستخدام".

وأكد كذلك أهمية "تعزيز المسار التفاوضي مع دول الجوار، ولا سيما تركيا وايران وسوريا، من خلال وفد تفاوضي متخصص ومستقر يمتلك رؤية طويلة الأمد تمتد لسنوات عدة، بهدف ضمان حقوق العراق المائية والحفاظ على مناسيب الأنهار".

وختم عبد اللطيف تصريحه بالتأكيد على أن "الاستمطار الصناعي يمكن أن يكون أحد الخيارات المساندة ضمن مجموعة حلول أوسع تشمل مشاريع حصاد المياه وتحسين الإدارة والتخطيط المائي"، لكنه اشار الى أنه "ينبغي التعامل معه كخيار مكمل واخير  ضمن منظومة الحلول الشاملة للحفاظ على الموارد المائية في العراق".

جزء من حزمة حلول

من جهته، قال الباحث في الشأن البيئي علي هاشم إن "الحديث عن الاستمطار الصناعي بوصفه حلًا لأزمة الجفاف في العراق يُعد طرحاً قاصراً ومبالغاً في تقدير نتائجه"، مؤكداً أن هذه التقنية "قد تكون أداة مساندة محدودة لكنها ليست حلاً جذرياً لمشكلة شح المياه أو لتداعيات التغير المناخي المتفاقمة في البلاد".

واكد في سياق حديثه مع "طريق الشعب"، أن "أزمة المياه في العراق مركّبة ومعقّدة، وترتبط بعوامل إقليمية وسياسات مائية عابرة للحدود، إلى جانب سوء الإدارة الداخلية، وتراجع البنى التحتية، وارتفاع نسب الهدر والتلوث".

واشار هاشم إلى أن "التركيز على مشاريع الاستمطار بوصفها حلاً للازمة، قد يخلق انطباعاً مضللًا لدى الرأي العام بإمكانية تحقيق نتائج سريعة".

وأوضح أن التغير المناخي في العراق "يتطلب استراتيجيات وطنية شاملة تشمل إدارة متكاملة للموارد المائية، وتحديث أنظمة الري، وإصلاح السياسات الزراعية، والتوسع في مشاريع التحلية ومعالجة المياه، فضلًا عن تعزيز الدبلوماسية المائية مع دول الجوار"، مبيناً أن “المشكلة أكبر من مجرد حلول تقنية جزئية”.

وختم هاشم بالقول إن أي مشروع تقني، بما فيه الاستمطار الصناعي، ينبغي أن "يكون جزءاً من حزمة حلول متكاملة تستند الى دراسات علمية دقيقة، وتقييم واقعي للكلفة والجدوى، بدل التعويل عليه كخيار منفرد لمواجهة أزمة الجفاف المتصاعدة".