اخر الاخبار

تقف قلعة باشطابيا شامخة على أعلى نقطة في المدينة القديمة، شاهدة على تاريخ الموصل العسكري والعمراني، لكنها اليوم تواجه تهديداً حقيقياً بالانهيار بعد عقود من الإهمال وغياب الصيانة الدورية. هذا المعلم التاريخي، الذي يمثل رمزاً من رموز المدينة ويطل على نهر دجلة، لم يعد مجرد أثر، بل أصبح جزءاً من ذاكرة الموصل الجمعية، تتشابك فيه قصص الحضارات القديمة مع الواقع الراهن للمسؤوليات المتأخرة تجاه الحفاظ على التراث.

مع بدء أولى التدخلات المؤقتة لتثبيت الجدران المهددة بالسقوط، تتصاعد الدعوات إلى إطلاق مشروع صيانة شامل يوازن بين الأصالة التاريخية والدقة الهندسية، قبل أن تفقد المدينة أحد أبرز رموزها العمرانية.

ذاكرة المدينة

يقول الباحث في الشأن التاريخي والتراثي محمد وطبان، إنّ المدن العربية عرفت تاريخياً ببناء القلاع والتحصينات الدفاعية لحماية سكانها، وكانت الموصل واحدة من تلك المدن التي أولت أهمية خاصة لهذا الجانب، نظراً لموقعها الاستراتيجي وأهميتها التجارية والعسكرية.

ويضيف وطبان في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن اسم "باشطابيا" ذو أصل تركي، ويعني "البرج الكبير"، موضحاً أن تصميم القلعة يعكس هذا المعنى بوضوح، إذ يتكون البرج من قاعدة سفلية دائرية الشكل، تعلوها بنية أكثر اتساعاً، صُممت خصيصاً لإتاحة المجال لوضع المدفعية واستخدامها في الدفاع عن المدينة.

ويبين أن الجزء السفلي من البرج يعود إلى العصر الأموي، بينما أضيفت الأجزاء العلوية خلال العهد العثماني، ما يجعل القلعة نموذجاً معمارياً يجسد تراكماً تاريخياً امتد لقرون. كما أن موقعها المرتفع في الموصل القديمة منحها أهمية دفاعية كبيرة، وأسهم في تسميتها وارتباطها بالهوية المكانية للمدينة.

ويؤكد وطبان أن القلعة لا تمثل مجرد بناء أثري، بل تعد رمزاً من رموز الموصل التي يعتز بها أهلها، قائلاً إن "باشطابيا اليوم جزء من ذاكرة المدينة الجمعية، نتباهى بها كمعلم يعكس عمقنا الحضاري وتاريخنا العريق".

ومع ذلك، يلفت إلى أن القلعة بدأت تعاني من مظاهر تآكل وتدهور واضحة، محذراً من أن إهمالها قد يؤدي إلى خسارة كبيرة لا تقتصر على الجانب العمراني فحسب، بل تمتد إلى خسارة جزء من هوية الموصل وتراثها.

ويدعو المختص في التاريخ الجهات المعنية إلى التحرك الجاد للحفاظ على هذا المعلم، أسوة بما جرى من جهود لإعادة تأهيل مواقع أثرية أخرى في المدينة، مؤكداً أن صيانة باشطابيا تمثل مسؤولية تاريخية وثقافية تتطلب اهتماماً عاجلاً قبل فوات الأوان.

إجراءات إسعافية غير مجدية

من جهته، يقول د. علي أسعد دباغ، باحث في الآثار، إنّ القلعة تمثل أبرز الشواخص التاريخية المطلة على نهر دجلة، لكنها اليوم تواجه تهديداً حقيقياً بالانهيار، نتيجة تقادم بنيتها وغياب أعمال الصيانة الدورية لعقود طويلة.

ويصف دباغ في حديث لـ"طريق الشعب"، الإجراءات التي نفذتها مفتشية آثار نينوى مؤخراً بانها "إسعافية ومؤقتة"، مضيفا انها "تمثلت بتدعيم الجدار العلوي المهدد بالسقوط عبر أعمدة خشبية ساندة وأحزمة ربط مؤقتة، نظراً لارتفاعه الذي يصل إلى نحو 36 متراً فوق ضفاف دجلة، ما جعل عملية التدخل معقدة من الناحية الفنية".

ويعتقد أن هذه الإجراءات لا تمثل حلاً نهائياً، بل تهدف فقط إلى منع الانهيار الفوري بانتظار توفير التخصيصات المالية اللازمة لإطلاق مشروع صيانة شامل.

ويقول إن آخر توثيق للموقع عام 1919 أشار إلى وجود انجراف في برج القلعة، والذي بلغ حاليا نحو 15 متراً باتجاه النهر، نتيجة طبيعة التربة الكلسية القابلة للتآكل وقرب الموقع من المياه، إضافة إلى تأثيرات الرياح والأمطار المتراكمة عبر السنين. وعلى أثر ذلك، أجريت ـ بحسب دباغ ـ عملية توثيق ثلاثي الأبعاد لكامل أجزاء القلعة، بالتنسيق مع المكتب الاستشاري الهندسي في جامعة الموصل، لتحديد أسباب الانجراف ووضع المعالجات المناسبة، مبيناً أن أي تدعيم غير مدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية بسبب وجود تشققات غير ظاهرة أسفل الأساسات، تتطلب أجهزة ومعدات متخصصة للكشف عنها.

وينوه بأن التعهدات السابقة التي أُعلنت خلال فعالية رسمية حضرها وزير الثقافة ومحافظ نينوى، لإعادة صيانة القلعة ودراسة الأضرار، لم تُترجم حتى الآن إلى خطوات تنفيذية ملموسة، رغم مرور عام على الإعلان عنها.

وخلص دباغ الى أن قلعة باشطابيا ليست مجرد معلم أثري، بل تمثل جزءاً من الذاكرة التاريخية للموصل، وأن إنقاذها يتطلب تحركاً عاجلاً يوازن بين المعالجة الهندسية الدقيقة والحفاظ على أصالة الموقع، قبل أن تخسر المدينة أحد أبرز رموزها العمرانية المطلة على دجلة. 

دراسة لمعالجة الأضرار

من جهته، أفاد مفتش آثار نينوى رويد موفق، بأن هناك دراسة تعد حالياً من قبل المكتب الاستشاري في جامعة الموصل بالتنسيق مع الجهات المختصة في إعمار نينوى، بهدف وضع تصور تنفيذي يحافظ على القيمة التاريخية للموقع ويعالج الأضرار البنيوية التي لحقت به.

وقال موفق في تعليق لـ"طريق الشعب"، ان هناك تحضيرات مستمرة لإطلاق مشروع بارك باشطابيا بدعم من اليونسكو، ليكون متنفساً ثقافياً وسياحياً يعزز حضور القلعة ومحيطها ضمن المشهد الحضري للمدينة.