اخر الاخبار

لم يعد القلق من المستقبل المهني هاجسا فرديا لدى طلبة الصيدلة في العراق، بل تحول إلى ظاهرة عامة تعكس فجوة بين مخرجات التعليم وواقع سوق العمل. فمع الارتفاع المتسارع في أعداد الكليات والقبولات الدراسية، يجد آلاف الخريجين أنفسهم أمام خيارات محدودة، في ظل تشبع واضح في القطاعين العام والخاص، وتراجع القدرة الاستيعابية للصيدليات والمؤسسات الصحية.

أعداد تفوق الحاجة

يقول حمزة ليث، طالب صيدلة في إحدى الجامعات الأهلية: إن واقع سوق العمل بات يشكل هاجسا حقيقيا لطلبة القسم، في ظل إعلان نقابة الصيادلة عن وصول أعداد الصيادلة إلى حد يفوق الحاجة الفعلية، الأمر الذي قلّص فرص التعيين بشكل واضح.

ويضيف حمزة لـ"طريق الشعب"، أن غالبية الطلبة باتوا يرسمون مسارات بديلة لمستقبلهم المهني، إذ يتجه كثيرون إلى العمل كمندوبين في المجال الطبي، أو التفكير بمشاريع تجارية مرتبطة بتجارة الأدوية. في المقابل، اختار عدد آخر العمل ضمن المنظمات أو الشركات الخاصة خارج الإطار التقليدي للمهنة، بينما يبقى الاهتمام بالدراسات العليا، مثل الماجستير والدكتوراه، محصور بشريحة أقل من الطلبة.

أما على الصعيد الأكاديمي، فيقيم حمزة مستوى التدريس بأنه "جيد ، بنسبة درجة تقييم 7 من 10"، مشيرا إلى أن أغلب التدريسيين يمتلكون خبرة علمية ويعتمدون على البيانات الحديثة ويستخدمون الوسائل التعليمية كـ"السمارت بورد". غير أن هذا الجانب الإيجابي، بحسب قوله، يقابله نقص واضح في مستلزمات الجانب العملي، حيث تفتقر المختبرات إلى المعدات الضرورية للتطبيق.

وفي ما يخص الامتحانات، يوضح حمزة أن الأسئلة غالبا ما تكون سهلة، وأن حالات الرسوب نادرة، ولا تشمل عادة إلا الطلبة الذين لا يلتزمون بالدوام إطلاقا، ما يثير تساؤلات حول مستوى التقييم الحقيقي لمخرجات التعليم.

وبين تشبع سوق العمل وتفاوت جودة التطبيق العملي، يقف طلبة الصيدلة اليوم أمام تحديات مركبة، تدفعهم إلى إعادة التفكير بمستقبلهم المهني، والبحث عن بدائل تتجاوز المسار التقليدي للمهنة، في انتظار حلول توازن بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق.

النقابة تصرخ من سنوات: كفى

من جانبه، يؤكد الدكتور الصيدلاني أسامة هادي حميد، المتحدث الرسمي باسم نقابة صيادلة العراق، أن النقابة حذرت منذ مدة ليست بالقصيرة من أزمة حقيقية تهدد مهنة الصيدلة، والمتمثلة بالتزايد الكبير في أعداد كليات وأقسام الصيدلة، وما يقابله من ارتفاع مستمر في أعداد المقبولين والخريجين، دون وجود فرص عمل كافية في القطاعين العام والخاص.

ويشير حميد لـ"طريق الشعب"، إلى أن هذه المشكلة طرحت مرارا على لسان نقيب الصيادلة الدكتور الصيدلاني حيدر فؤاد الصائغ في أكثر من مناسبة، موضحا أن عدد كليات الصيدلة في العراق كان يعد سابقا على أصابع اليد الواحدة، بينما يقارب اليوم سبعين كلية وقسما، ما يعني آلاف الخريجين سنويا يجد كثير منهم أنفسهم بلا تعيين حكومي وبلا فرص حقيقية في سوق العمل الخاص.

كل ٢٠٠٠ شخص بحاجة لصيدلي

ووفقا لبيانات النقابة، فإن عدد الصيادلة المسجلين حاليا يقترب من 57 ألف صيدلي، وهو رقم يفوق الحاجة الفعلية للمؤسسات الصحية العامة والخاصة. ويستند حميد في ذلك إلى دراسة صادرة عن منظمة الصحة العالمية، والتي تشير إلى أن كل 2000 شخص يحتاجون إلى صيدلي واحد فقط، ما يعني أن العراق يمتلك ضعف العدد المطلوب فعليا.

ولمواجهة هذه الأزمة، دعا حميد إلى تشكيل لجنة عليا تضم وزارات الصحة، والتعليم العالي، والتخطيط، والمالية، إلى جانب النقابة، لوضع خطة عاجلة واستراتيجية شاملة تهدف إلى تنظيم أعداد كليات وأقسام الصيدلة، وتحديد المقاعد الدراسية بما يتناسب مع احتياجات سوق العمل في القطاعين العام والخاص.

كما شدد حميد على ضرورة دعم القطاع الخاص، من خلال تشجيع افتتاح المستشفيات، ومعامل الأدوية، والمراكز البحثية، والمختبرات، وغيرها من المؤسسات الصحية والصناعية التي يمكن أن تستوعب الطاقات الكبيرة من الصيادلة العاطلين عن العمل، وتسهم في تقليل الزخم الحاصل في أعداد الباحثين عن فرص وظيفية.

وفي ختام حديثه، أعرب عن أمله في أن تتم الاستفادة من طاقات الصيادلة العراقيين بالشكل الأمثل، بما يخدم البلد ويسهم في تطوير القطاع الصحي ودعم مسيرة الازدهار والتنمية.

حالة من التشبع

تقول مروة حسين، صاحبة صيدلية في احدى مناطق الكرخ، إن سوق الصيدلة في العراق يشهد حالة واضحة من التشبع، نتيجة الزيادة الكبيرة في أعداد خريجي كليات الصيدلة خلال السنوات الأخيرة، مقابل محدودية فرص العمل المتاحة، سواء في الصيدليات الأهلية أو المؤسسات الصحية الأخرى.

وتوضح حسين لـ"طريق الشعب"، أن الصيدليات تشهد بشكل شبه يومي مراجعة صيادلة حديثي تخرج بحث عن فرصة عمل، إلا أن الواقع الاقتصادي للصيدليات لا يسمح في الغالب بتشغيل أكثر من صيدلي واحد، بسبب ارتفاع الإيجارات، وتكاليف التشغيل، وتراجع هامش الربح.

وتشير إلى أن الرواتب المعروضة حاليا لا ترضي أغلب الخريجين، لكنها في الوقت نفسه تعكس الوضع المالي الصعب الذي تمر به الصيدليات، مؤكدة أن المشكلة لا تتعلق بعدم الرغبة بالتوظيف، بل بعدم القدرة على الاستمرار بتكاليف إضافية.

وفيما يخص تفضيل أصحاب الصيدليات، تبين حسين أنها تميل إلى تشغيل الصيدلي الذي يمتلك خبرة عملية ومهارات تواصل مع الزبائن، لافتة إلى أن العديد من الخريجين الجدد يفتقرون إلى الخبرة التطبيقية، وهو ما تعزوه إلى ضعف الجانب العملي أثناء الدراسة.

وترى أن التوسع الكبير في افتتاح كليات وأقسام الصيدلة أثر سلبا على سوق العمل، وأدى إلى تخريج أعداد تفوق حاجة السوق، داعية الجهات المعنية إلى تنظيم القبولات الدراسية وربطها بالاحتياج الفعلي.

وعن الحلول، تؤكد صاحبة الصيدلية أن دعم القطاع الخاص، وتشجيع إنشاء معامل أدوية ومراكز بحثية، يمكن أن يسهم في استيعاب أعداد من الصيادلة العاطلين عن العمل، محذرة من أن استمرار الوضع الحالي دون معالجات جذرية سيجعل مستقبل مهنة الصيدلة أكثر صعوبة خلال السنوات المقبلة.

وتختم حديثها بالقول: "مهنة الصيدلة مهنة إنسانية ومهمة، لكنها اليوم تحتاج إلى قرارات حقيقية تحمي الخريجين وتوازن بين التعليم وسوق العمل".