اخر الاخبار

لم تعدْ المساحات الخضراء التي كانت تميز المدن العراقية جزءاً ثابتاً من مشهدها اليومي، فمع توسع المدن وتزايد الكثافة السكانية، تراجعت البساتين واختفت الأشجار من كثير من الأحياء السكنية، لتحل محلها كتل إسمنتية ومشاريع عمرانية لا تراعي في كثير من الأحيان التوازن البيئي. هذا التحول لم يقتصر على العاصمة بغداد، بل امتد إلى محافظات أخرى مثل ميسان والبصرة، حيث يترافق تراجع الغطاء النباتي مع تحديات بيئية متزايدة، من بينها التلوث والتصحر وارتفاع درجات الحرارة.

وفي ظل هذه المتغيرات، تتصاعد تحذيرات الباحثين والناشطين البيئيين من استمرار تقلص الرقعة الخضراء، مؤكدين أن فقدان الأشجار والمساحات الزراعية لا يهدد البيئة فحسب، بل ينعكس أيضاً على صحة السكان ونوعية الحياة في المدن.

خطوة مهمة

يقول علي سلام، باحث بيئي، إن ملامح المدن العراقية، ولا سيما بغداد، شهدت تغييرا واضحا خلال العقود الأخيرة، إذ بدأت المساحات الزراعية المحيطة بالمدن تتقلص تدريجياً لصالح التوسع العمراني، ما أدى إلى اختفاء الكثير من البساتين والمناطق الخضراء التي كانت تشكل جزءاً أساسياً من البيئة الحضرية.

ويضيف أن البيوت البغدادية في السابق كانت تبنى على مساحات أوسع تسمح بوجود حدائق داخلية وأشجار متنوعة، الأمر الذي وفر غطاء أخضر داخل الأحياء السكنية وأسهم في تلطيف المناخ وتحسين جودة الهواء. وبين ان شوارع قليلة في بغداد حافظت على غطائها الأخضر.

ويشير سلام في تعليق لـ"طريق الشعب"، الى أن هذا المشهد تغير بشكل ملحوظ مع ازدياد الكثافة السكانية والتوسع العمراني غير المنظم، إذ أصبحت معظم المنازل تبنى على مساحات صغيرة، وغالباً من دون أي مساحة مخصصة للزراعة أو الحدائق، ما أدى إلى اختفاء الأشجار من الكثير من الأحياء السكنية. كما ساهمت حملات الإعمار والتوسعة في قطع عدد كبير من الأشجار المعمرة، خصوصاً تلك الواقعة على جوانب الطرق أو داخل المناطق التي خضعت لمشاريع تطوير البنية التحتية، في حين لم تُرافق هذه المشاريع خطط واضحة لتعويض الأشجار المزالة أو الحفاظ على ما تبقى منها.

وفي تعليقه على المبادرات الحكومية الخاصة بالتشجير، يجد سلام أن إعلان إطلاق حملات لزيادة المساحات الخضراء في المدن يمثل خطوة مهمة من حيث المبدأ، خصوصاً في ظل ما تعانيه المدن العراقية من تراجع واضح في الغطاء النباتي وارتفاع مستويات التلوث.

ويعتقد أن هذه المبادرات تعكس إدراكاً لدى المؤسسات الحكومية لأهمية إدخال المساحات الخضراء ضمن التخطيط الحضري ومواجهة آثار التغير المناخي والتصحر، إلا أنه يرى أن معظم هذه المبادرات ما تزال محدودة التأثير إذا لم تقترن بخطط طويلة الأمد وبرامج صيانة مستمرة للأشجار المزروعة.

ويوضح أن حملات التشجير غالباً ما تركز على الزراعة في مراحلها الأولى، لكنها لا تتبع ببرامج رعاية كافية مثل الري المنتظم والصيانة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تلف عدد كبير من الأشجار بعد فترة قصيرة من زراعتها.

ويشير أيضاً إلى أن بعض المشاريع اعتمدت أنواعاً من الأشجار لا تتلاءم مع طبيعة المناخ العراقي القاسي، خصوصاً في المدن الجنوبية، ما يقلل من فرص بقائها على المدى الطويل. ويرى أن نجاح أي حملة تشجير يتطلب الاعتماد على أنواع محلية تتحمل الحرارة وشح المياه، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني في متابعة هذه المبادرات.

ويؤكد أن تعزيز الغطاء الأخضر في المدن لا ينبغي أن يقتصر على حملات موسمية، بل يحتاج إلى سياسة بيئية واضحة تفرض الحفاظ على الأشجار القائمة، وتمنع قطعها من دون تعويض حقيقي، مع إدراج المساحات الخضراء كجزء أساسي من مشاريع الإعمار والتوسع العمراني، لما لها من دور مباشر في تحسين البيئة الحضرية والحد من التلوث.

حملات شعبية للتشجير!

في محافظة ميسان، لا يقتصر التدهور البيئي على تلوث الهواء فحسب، بل يمتد ليكشف عن تراجع واضح في المساحات الخضراء وغياب الزراعة التي كانت في وقت سابق جزءاً من ملامح المحافظة.

الناشط البيئي مصطفى هاشم يقول إن ميسان تعاني اليوم من شبه انعدام للمناطق الخضراء نتيجة موجات الجفاف المتكررة وتراجع الموارد المائية، ما أدى إلى تقلص الغطاء النباتي داخل المدن وفي أطرافها.

ويضيف هاشم لـ"طريق الشعب"، أن مبادرات محلية انطلقت قبل اسبوع حاولت مواجهة هذا الواقع عبر زراعة أشجار تتحمل شح المياه في عدد من المناطق الجافة، في محاولة لتخفيف آثار التصحر وتحسين البيئة الحضرية.

تراجع الزراعة والمساحات الخضراء في ميسان انعكس بشكل مباشر على جودة الهواء، إذ تشير تقارير ودراسات بيئية إلى أن المحافظة تشهد مستويات متزايدة من التلوث، يعود جزء كبير منها إلى الانبعاثات الصناعية وحرق الغاز المصاحب في الحقول النفطية القريبة. هذه الانبعاثات تطلق ملوثات خطرة مثل الجسيمات العالقة الدقيقة (PM10 وPM2.5) والهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وهي مواد ترتبط بآثار صحية خطيرة على الجهاز التنفسي والقلب.

ولا تقف مصادر التلوث عند هذا الحد فمعامل الطابوق المنتشرة في المحافظة تعد من أبرز الملوثات أيضاً، إذ تعتمد على أساليب إنتاج تقليدية تؤدي إلى إطلاق كميات كبيرة من الدخان والملوثات في الهواء، ما دفع مواطنيين إلى المطالبة بإغلاقها تدريجياً واستبدالها بمعامل تعمل بالطاقة الكهربائية وتراعي المعايير البيئية.

ويضيف هاشم ان "المشكلة تتفاقم كذلك في المشاريع العمرانية غير المكتملة، إذ تتحول مواقع العمل المتوقفة إلى مصادر مستمرة للغبار والأتربة التي تنتشر في الأجواء، خصوصاً مع ضعف الغطاء النباتي الذي كان يمكن أن يحد من تأثير العواصف الترابية".

ويرى أن غياب التخطيط البيئي في المشاريع التنموية ساهم في تعميق الأزمة، إذ غالباً ما يتم إهمال إدراج المساحات الخضراء ضمن التصاميم العمرانية، على الرغم من دورها المهم في امتصاص الملوثات وتحسين جودة الهواء وتخفيف درجات الحرارة.

تجريف البساتين!

أما في محافظة البصرة، فيقول عضو المكتب الاستشاري لنقابة المهندسين الزراعيين في المقر العام، د. جاسم المالكي، إن محافظة البصرة تعاني من نقص حاد في الغطاء الخضري وتراجع كبير في المساحات المزروعة، نتيجة تراكم عوامل بيئية وسياسية واقتصادية امتدت لسنوات طويلة.

ويشير إلى أن البصرة كانت تُعرف في السابق بكونها واحدة من أكبر مناطق النخيل في العالم، إذ كانت تضم أكثر من 13 مليون نخلة خلال سبعينيات القرن الماضي، منتشرة على ضفاف الأنهار المتفرعة من شط العرب ونهري دجلة والفرات، غير أن هذا العدد تراجع اليوم إلى نحو مليونين ونصف المليون نخلة فقط.

ويعزو المالكي في حديث لـ"طريق الشعب"، هذا الانخفاض الحاد إلى جملة من الأسباب، في مقدمتها الحروب التي شهدها العراق وما خلفته من دمار واسع طال مختلف القطاعات، بما فيها الزراعة. كما أسهم التوسع الكبير للشركات النفطية في استحواذ مساحات واسعة من أراضي المحافظة، الأمر الذي قلص المساحات الزراعية والبساتين.

ويضيف أن تجفيف الأهوار كان له أيضاً تأثير مباشر في التوازن البيئي للجنوب، ما انعكس سلباً على البيئة الطبيعية في البصرة والمناطق المحيطة بها، مضيفا أن التوسع السكاني المتسارع لعب دوراً إضافياً في تراجع الغطاء النباتي، إذ جرى تجريف العديد من البساتين وتحويلها إلى مناطق سكنية، فضلاً عن مشكلة شح المياه وتردي نوعيتها، ما أدى إلى تدهور الأراضي الزراعية واتساع رقعة التصحر في المحافظة.

ويؤكد أن هذه العوامل مجتمعة أحدثت تغيراً جذرياً في البيئة المحلية، وأسهمت في ارتفاع مستويات التلوث التي باتت تشكل تهديداً مباشراً لصحة السكان والتنوع الحيوي.

وبشأن وضع الأشجار في المحافظة، يوضح المالكي أنه رغم تزايد الدعوات الشعبية والمؤسسية لتعزيز التشجير بهدف تحسين البيئة، فإن الجهود الحالية لا تزال دون مستوى الحاجة الفعلية، إذ تقتصر في الغالب على مبادرات محدودة لا تتناسب مع حجم التحديات البيئية التي تواجهها البصرة.

ويشير إلى أن من أبرز الأشجار التي تنجح في مناخ البصرة وكانت منتشرة سابقاً النخيل، والسدر، واليوكالبتوز، والأثل، والصفصاف، ولسان العصفور، وكف مريم، والجلفلورا، إضافة إلى أنواع أخرى. كما أُدخلت خلال حملات التشجير الحديثة أشجار مثل الأكاسيا والبونسيانا والجكراندا وورد الساحل وفرشة البطل واللوز الهندي، إلى جانب أنواع متعددة أخرى ملائمة لبيئة المحافظة.

ويلفت المالكي إلى أن محافظة البصرة أصدرت دليلاً خاصاً يضم أهم الأشجار التي يمكن زراعتها في أجوائها المناخية، غير أن كثيراً من هذه الأشجار يواجه تحديات كبيرة خلال أشهر الصيف شديدة الحرارة، إذ تتعرض أوراقها للاحتراق وقد يموت عدد منها، ما يتطلب استمرار عمليات التعويض وإعادة الزراعة، مع توفير خدمات الرعاية اللازمة، خاصة الري المنتظم خلال فصل الصيف.

ويؤكد أن هناك مبادرات يقودها ناشطون مدنيون لإعادة زراعة بعض الأشجار التراثية التي كادت تختفي من البيئة المحلية، واصفاً هذه الجهود بأنها خطوة مهمة للحفاظ على الإرث الزراعي للمدينة. ويختتم بالقول إن البصرة بحاجة ماسة إلى توسيع رقعتها الخضراء بشكل جدي وملزم، خصوصاً في ظل ارتفاع مستويات التلوث الناتجة عن النشاط النفطي الواسع في المحافظة، مؤكداً أن زراعة الأشجار تمثل إحدى الوسائل العملية والفعالة للحد من التلوث وتحسين البيئة وصحة السكان.