اخر الاخبار

تعكس سلوكيات بعض أعضاء مجلس النواب في الآونة الأخيرة مؤشرات خطيرة ومقلقة بشأن طبيعة الأداء المرتقب للدورة النيابية السادسة، في ظل تصاعد ممارسات توصف بأنها سلبية ومثيرة للانقسام.

فقد أقدم بعض النواب على تبني خطاب يتسم بالتشفي إزاء مأساة تعرّض لها مكوّن عراقي أصيل (الابادة الايزيدية) على يد تنظيم تنظيم داعش الارهابي، فيما يلجأ آخرون الى تأجيج الخطاب الطائفي والتحريض بين المكونات، في توقيت بالغ الحساسية يمر به العراق، ويتطلب أعلى درجات التماسك والوحدة الوطنية.

وفي موازاة ذلك، تتزايد المؤشرات على توظيف الأدوات القانونية لملاحقة أصحاب الرأي، حيث تغص المحاكم بالدعاوى القضائية المرتبطة بحرية التعبير، فيما يقف وراء عدد منها نواب في البرلمان، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الحريات العامة وحدود العمل النيابي، في وقت يفترض أن يكون فيه مجلس النواب مساحة لتعزيز التوافق وحماية الحقوق، لا تعميق الانقسامات.

سلوكيات ومظاهر سلبية

في هذا الصدد، قال عضو مجلس النواب السابق وائل عبد اللطيف أن السلطة التشريعية تُعد من أعلى السلطات في الدولة، مشيراً إلى أن السلطة القضائية تستند في عملها الى القوانين التي يشرّعها مجلس النواب، ما يعكس أهمية الدور التشريعي والرقابي الذي يفترض أن يضطلع به البرلمان، إلى جانب الدور المرتقب لمجلس الاتحاد المعطل منذ سنوات.

وبين عبد اللطيف في حديثه مع "طريق الشعب"، أن هناك "أكثر من 139 مشروع قانون لا تزال متراكمة على رفوف المجلس، ما يتطلب جهداً استثنائياً لإنجازها، بدل انشغال اعضاء البرلمان بالصراعات والملاحقات".

وانتقد عبد اللطيف ما وصفه بتراجع الأداء داخل البرلمان، مشيراً إلى بروز سلوكيات “غير مقبولة” من بعض النواب، منها توظيف القانون في ملاحقة الخصوم أو ملاحقة أصحاب الرأي، فضلاً عن إثارة النزعات الطائفية، وهو ما يتعارض مع نصوص الدستور، لا سيما المادة 14 من الدستور العراقي التي تكفل المساواة بين العراقيين دون تمييز.

وبيّن أن هذه الممارسات "تعكس ضعفاً في مستوى بعض أعضاء المجلس"، معتبراً أن العمل التشريعي "يتطلب الحكمة والخبرة، وليس الوصول إلى البرلمان عبر المال أو النفوذ، لأن المشروعية الحقيقية تُستمد من أصوات الناخبين لا من شراء الولاءات".

وأشار إلى أن الدورات البرلمانية السابقة، رغم صعوبة الظروف التي رافقتها، لم تشهد مثل هذه المظاهر السلبية، سواء خلال مرحلة مجلس الحكم أو الجمعية الوطنية أو الحكومات الأولى بعد عام 2003، معتبراً أن الأداء العام يشهد تراجعاً من دورة الى أخرى، وهو ما يلمسه الشارع العراقي بشكل واضح.

وخلص الى التأكيد على ضرورة "تجاوز الخطاب الطائفي في ظل التحديات الراهنة التي يمر بها العراق والمنطقة"، داعياً إلى ترسيخ مفهوم المواطنة والعمل المشترك للدفاع عن البلاد، بعيداً عن الانقسامات والنزاعات التي تهدد الاستقرار.

جريمة ضد الانسانية

من جهته، أكد الباحث في الشأن السياسي، جعفر حسن الكعبي، أن المادة السابعة من الدستور العراقي نصّت بشكل صريح على حظر كل نهج يتبنى العنصرية أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يروج أو يبرر له، مشيراً إلى أن المنظومة القانونية في العراق تتضمن نصوصاً واضحة تجرّم خطابات الكراهية والتحريض على الفتنة.

وقال الكعبي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، جرّم التحريض على الكراهية والفتنة، إذ نصت المادة (200) على فرض عقوبة السجن لمدة لا تزيد على سبع سنوات بحق كل من يروج أو يثير النعرات المذهبية أو الطائفية، أو يحرض على النزاع بين الطوائف والأجناس، أو يثير مشاعر الكراهية والبغضاء بين مكونات المجتمع العراقي.

كما أشار إلى أن "قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 عدّ التحريض على الفتنة بين أبناء الشعب من الجرائم الارهابي". وأضاف أن "التحريض على الكراهية يُعدّ أيضاً جريمة ضد الانسانية وفق عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ما يستوجب تطبيق القوانين النافذة، بشكل صارم للحد من التصريحات المسيئة التي تستهدف المكونات الدينية والقومية في العراق، ولا سيما في ظل التصريحات الأخيرة التي طالت المكون الايزيدي". وبيّن الكعبي أن "عدم تطبيق القانون رغم وضوحه وردعيته شجّع بعض الاشخاص على إطلاق تصريحات تستخف بآلام الضحايا، خصوصاً ما يتعلق بالإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون"، مؤكداً أن "مثل هذه التصريحات لا تمس مشاعر الضحايا وذويهم فحسب، بل تمثل تهديداً مباشراً للسلم المجتمعي وأسس التعايش في البلاد".

وأشار إلى ان "ما صدر عن أحد النواب من تعليق عبر موقع فيسبوك استحضر فيه جرائم تنظيم داعش بحق النساء الايزيديات عام 2014، و استدعاء هذه المآسي في سياق سجالات أو ردود فردية يعمّق الجراح بدلاً من معالجتها".

وفي سياق متصل، لفت الكعبي إلى أن "تشريع قانون الناجيات الإيزيديات يمثل مؤشراً مهماً على التزام الدولة العراقية بإنصاف الضحايا من الإيزيديين، فضلاً عن المكونات الأخرى كتركمان والشبك والمسيحيين"، مؤكداً أن ذلك "يعكس توجهاً رسمياً نحو جبر الضرر وتقديم الدعم النفسي والمعنوي والمادي".

واختتم الكعبي تصريحه بالتأكيد على أن "بعض الأصوات التي تظهر بين الحين والآخر وتسعى إلى إثارة الفتن لا تزال تشكل تحدياً، في وقت يواصل فيه أبناء المكونات العراقية المطالبة بتحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم، مشدداً على أنه لا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية دون إنصاف ومساءلة قانونية عادلة.