في ظل النقاش المتزايد حول تطوير قطاع النقل البحري للنفط العراقي، يرى خبراء في الشأن الاقتصادي أن مسألة إنشاء أسطول وطني لم تعد خياراً سهلاً كما كانت في الماضي. فالتغييرات في سوق النقل البحري العالمي، وارتفاع تكلفة تشغيل السفن، جعلا هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر، وتتطلب إدارة متقدمة وخبرة دولية كبيرة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول اهمية وجود ناقلات وطنية متقدمة وجدوى استثمار العراق في هذا المجال حالياً.
تحديات استراتيجية ومالية كبيرة
في هذا السياق، اعتبر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، أن سوق نقل الطاقة قد تغيّر كثيراً عن السابق، حيث كانت الدول المصدرة للنفط تحرص على امتلاك أساطيلها لضمان وصول نفطها إلى الوجهات النهائية. أما اليوم، فإن إنشاء أسطول يتطلب رؤوس أموال ضخمة وإدارة متطورة وعلاقات قوية بالأسواق، وهي عوامل يفتقدها العراق حالياً.
وقال الهاشمي في حديث لـ"طريق الشعب"، إن السوق العالمية اليوم مشبعة بالعديد من الشركات المسيطرة على عمليات النقل، ما يجعل دخول أسطول جديد للعراق وحصوله على حصة سوقية أمراً صعباً للغاية. وأضاف أن العراق يبيع نفطه حالياً بنظام “FOB” الذي يضع مسؤولية النقل على المشتري، ما يقلل من الجدوى الاقتصادية لإنشاء أسطول جديد.
وتابع أن كلفة تشغيل السفن وصيانتها ووقودها مرتفعة جداً، وأن نجاح أي أسطول جديد يتطلب مستويات عالية من الإدارة والتسويق، لضمان شحن ناقلات ممتلئة باستمرار وتحقيق عوائد تغطي النفقات التشغيلية.
وأكد الخبير أن الدول تتجه حالياً للاستثمار في مفاصل أكثر ربحية من سلسلة الطاقة، مثل المشاريع البترولية - الكيمياوية ومحطات التكرير وبيع المشتقات النفطية للمستخدم النهائي، حيث تتسم هذه القطاعات بمنافسة أقل وفرص ربحية أكبر، مقارنة بتحديات إنشاء الأساطيل.
واختتم الهاشمي بالقول ان دخول العراق المتأخر في سوق الأساطيل البحرية يحمل مخاطرة عالية، خاصة في ظل ضعف الإدارة والفساد المستشري في دوائر الدولة، مشيراً الى أن التركيز على مجالات أكثر جدوى اقتصادية يمثل الخيار الأفضل حالياً لتحقيق عوائد مستدامة وتحسين القدرة التنافسية.
ثغرة استراتيجية تستنزف الإيرادات
من جهته، يرى أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن ما يحدث في ملف شركة ناقلات النفط العراقية لا يمكن اختزاله بتقصير إداري أو تقني، بل يعكس خللاً عميقاً في فهم إدارة الثروة النفطية، مشيراً إلى أن امتلاك شركة ناقلات “بالاسم فقط” مقابل الاعتماد الفعلي على أساطيل أجنبية يكشف عن غياب التعامل مع هذا القطاع كجزء من السيادة الاقتصادية.
استنزاف الإيرادات وتعاظم الهشاشة الاقتصادية
ويقول السعدي في حديث مع "طريق الشعب"، أن المشكلة لم تكن في نقص الموارد المالية، إذ شهد العراق خلال فترات سابقة وفرة مالية كان بالإمكان استثمارها لبناء أسطول وطني متكامل خلال سنوات قليلة، إلا أن غياب الرؤية الاستراتيجية طويلة الأمد، وخضوع النفقات الاستثمارية لأولويات متغيرة، فضلاً عن تأثيرات محتملة للفساد، أسهمت في تهميش هذا القطاع الحيوي.
ويضيف أن انعكاسات هذا الإهمال باتت واضحة اليوم، إذ لا يقتصر الأمر على خسارة جزء من الإيرادات التي تذهب كأجور نقل، بل يمتد إلى فقدان المرونة والسيطرة، خصوصاً في أوقات الأزمات، حيث تصبح عملية تأمين نقل النفط مرهونة بشروط وأسعار يفرضها الآخرون، ما يشكل كلفة غير مباشرة لكنها مرتفعة.
وبشأن حجم الخسائر، يوضح السعدي أن كلفة نقل البرميل عبر ناقلات أجنبية تتراوح بين دولار وثلاثة دولارات، ما يعني أن العراق يدفع سنوياً مليارات الدولارات كان بالإمكان الاحتفاظ بجزء كبير منها داخل الاقتصاد الوطني، فضلاً عن ضياع فرصة بناء قطاع لوجستي متكامل يخلق وظائف ويعزز القيمة المضافة.
وعند المقارنة مع دول المنطقة، يشير إلى أن دولاً مثل السعودية والإمارات نجحت في تعزيز حضورها في مجال النقل البحري، ما منحها قدرة أكبر على التحكم بسلاسل الإمداد وشروط السوق، في حين بقي العراق في موقع “المُصدّر الخام” المعتمد على الآخرين في إيصال نفطه إلى الأسواق، وهو ما يمثل فجوة استراتيجية واضحة.
ويحذر السعدي من أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى مزيد من استنزاف الإيرادات وتعاظم الهشاشة الاقتصادية، مؤكداً أن بناء أسطول وطني لا يمثل مجرد مشروع خدمي، بل خطوة أساسية لاستعادة جزء من السيادة الاقتصادية وتعزيز الاستقرار المالي على المدى الطويل.