لم تعد أزمة المشاريع الاستراتيجية ترتبط بندرة الخطط أو غياب الإعلان عنها بقدر ما ترتبط بتعثر تنفيذها بشكل مزمن.
فالمشاريع الكبرى، وعلى رأسها مثلاً مشروع طريق التنمية تكشف عن نمط متكرر يتمثل في طول المدة بين طرح الفكرة وبدء التنفيذ الفعلي والتكلفة المرتفعة قياساً بمشاريع مشابهة في دول المنطقة، رغم توفر الدراسات الأولية وتكرار التأكيد على أهميتها الاقتصادية.
هذا التباين بحسب قراءات اقتصادية متعددة، يعكس خللاً في هيكل إدارة المشاريع العامة، حيث تتداخل الصلاحيات بين أكثر من جهة، وتضعف آليات الحسم التنفيذي، ما يؤدي الى بقاء المشاريع في دائرة الإجراءات التمهيدية دون سقف زمني واضح للإنجاز.
وفي ظل هذا الواقع، تتراجع قدرة العراق على تحويل موقعه الجغرافي إلى رافعة اقتصادية حقيقية، بينما تتآكل فرصه في الاندماج الفعّال ضمن شبكات التجارة الإقليمية المتسارعة
هل تضيع الفرصة؟
في هذا الشأن، قال الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسين: إن ملف طريق التنمية في العراق يكشف عن إشكالية أعمق من مجرد تأخر مشروع بنية تحتية، تتمثل في خلل منهجي في إدارة المشاريع الاستراتيجية داخل الدولة، مشيراً إلى أن المقارنة مع المشاريع في المنطقة تُظهر فجوة متسعة في سرعة القرار وكفاءة التنفيذ.
وأضاف حسين في حديثه مع "طريق الشعب"، أن السعودية نجحت خلال فترة وجيزة في تحويل فكرة مشروع سككي استراتيجي الى مسار تنفيذي عبر تكليف شركة سينر بإعداد التصاميم في وقت قياسي، وهو ما يعكس قدرة مؤسساتها على حسم القرار الاستثماري والتعامل مع المشاريع الكبرى كأولوية سيادية لا تحتمل التأجيل.
وأشار حسين إلى أن العراق ما يزال منذ 2023 في مراحل أولية من التخطيط والدراسات الفنية، رغم مرور سنوات على الإعلان عن المشروع، ما يثير تساؤلات حول طبيعة التعطيل داخل منظومة القرار الاقتصادي.
وبيّن أن هذا التباين ينعكس مباشرة على موقع العراق في الاقتصاد الاقليمي، إذ إن تأخره في تطوير شبكة النقل السككي يقلل من فرصه في أن يتحول الى ممر تجاري بين آسيا وأوروبا، في وقت تتسابق فيه دول المنطقة على ترسيخ مواقعها ضمن خرائط التجارة العالمية الجديدة.
وفي ما يتعلق بالفروقات في الكلف، اعتبر أن تضاعف تكلفة المشروع العراقي مقارنة بمشروع مشابه في الحجم والطول يفتح الباب أمام إشكاليات تتعلق بكفاءة إعداد الدراسات، وشفافية التقديرات، وآليات الإحالة والتعاقد، وليس فقط بعوامل فنية هندسية كما يُطرح رسمياً.
وأضاف أن جوهر المشكلة لا يمكن حصره في الجانب التقني، ويرتبط ببنية اتخاذ القرار داخل الدولة، وتعدد مراكز التأثير، وضعف الحسم في المشاريع الاستراتيجية، ما يؤدي إلى إطالة مراحل ما قبل التنفيذ بشكل غير طبيعي.
وأكد أن استمرار هذا النهج يعني عملياً بقاء العراق خارج سباق الربط الاقليمي المتسارع، وتحوله من لاعب محتمل في التجارة العابرة إلى متفرج على تحولات جغرافية اقتصادية تُحسم في محيطه.
وخلص الى ان أي مشروع استراتيجي بهذا الحجم يُقاس بقدرته على التحول من خطة على الورق إلى إنجاز فعلي، محذرًا من أن استمرار التعثر الحالي قد يُفرغ مشروع طريق التنمية من مضمونه الاقتصادي قبل أن يبدأ فعلياً.
العراق ما يزال متأخراً
الى ذلك، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي إن مضي السعودية بخطوات متسارعة لإنشاء شبكة نقل سككي استراتيجية تربط موانئ البحر الأحمر بالمدن الخليجية، في وقت لا يزال فيه العراق متعثراً في تنفيذ مشروعه الحيوي - طريق التنمية منذ عام 2023 ما يضع العراق امام سؤال كبير بخصوص موقعه في خارطة المنطقة، كممر قصير الى اوروبا بحاجة الى اجابة.
وأضاف الهاشمي في حديث مع "طريق الشعب"، أن الرياض، وبعد اندلاع التوترات في الخليج، بادرت سريعاً الى تكليف شركة سينر الاسبانية بإعداد تصاميم مشروع الجسر البري، الذي يمتد لأكثر من 1500 كيلومتر وبكلفة تُقدّر بنحو 7 مليارات دولار، في تحرك يعكس سرعة اتخاذ القرار الاقتصادي وعدم انتظار انتهاء الأزمات.
وأضاف أن المشروع السعودي سيوفر مسارات نقل بديلة وسريعة للبضائع بين الخليج وأوروبا، بما يقلل زمن الشحن، ويحد من المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية والتوترات الإقليمية، ما يمنح المملكة أفضلية تنافسية في قطاع النقل والتجارة.
في المقابل، أشار الهاشمي الى أن العراق ما يزال يدور في حلقة الإجراءات الأولية، إذ لم يتجاوز مشروع “طريق التنمية” مراحل فحص التربة ورسم المسارات، وسط غياب واضح لتأمين التمويل اللازم، وهو ما يعكس بطئاً في الأداء الحكومي وعدم القدرة على تحويل المشاريع الاستراتيجية الى واقع تنفيذي.
وبيّن أن الفجوة تتضح أيضاً في كلف المشاريع، حيث لا تتجاوز كلفة المشروع السعودي 7 مليارات دولار لمسافة تزيد على 1500 كيلومتر، في حين تصل كلفة المشروع العراقي الى نحو 17 مليار دولار لمسافة 1200 كيلومتر فقط، ما يثير تساؤلات حول كفاءة الإنفاق واحتمالات تضخم الكلف نتيجة الفساد والعمولات.
واتم حديثه قائلاً إن دول المنطقة، بما فيها السعودية والامارات والأردن وحتى سوريا رغم التحديات التي تواجهها، تسير باتجاه استثمار موقعها الجغرافي وتعزيز الربط الاقتصادي، بينما لا يزال العراق متأخراً عن هذا المسار، في ظل غياب رؤية واضحة وفاعلية حقيقية في التنفيذ.
أين الخلل؟
الى ذلك، اكد الخبير الاقتصادي صالح الهماشي أن قطاع النقل والبنى التحتية في العراق يعاني من اختلالات بنيوية عميقة تمنع تحويل المشاريع الاستراتيجية إلى إنجازات فعلية، رغم تكرار الإعلان عنها وتوفر المبررات الاقتصادية لتنفيذها.
وقال الهماشي لـ"طريق الشعب"، أن طريق التنمية في العراق، هو اوضح دليل على وجود فجوة واضحة بين القرار السياسي والقدرة المؤسسية على الإنجاز، مشيراً الى أن استمرار هذا النمط يجعل المشاريع الاستراتيجية عرضة للتأجيل غير المحدد زمنياً.
وبيّن أن أحد أبرز الإشكالات يتمثل في ضعف منظومة الحوكمة الاقتصادية، وتعدد مراكز القرار، وغياب جهة تنفيذية موحدة تمتلك صلاحيات حقيقية لإدارة المشاريع الكبرى.
وأضاف أن التقديرات المالية للمشاريع الكبرى في العراق كثيراً ما تفتقر الى الانضباط الفني والاقتصادي، نتيجة ضعف الدراسات الأولية أو تداخل الاعتبارات غير الفنية، وهو ما ينعكس في تضخم الكلف مقارنة بحجم وطبيعة المشاريع المطروحة.
وأشار إلى أن هذا الخلل لا يقتصر على قطاع النقل، ومن الخاطئ تلخيصه بهذا القطاع يمتد الى معظم المشاريع الاستراتيجية، ما أدى إلى تراجع كفاءة الاستثمار العام، وضعف القدرة على استقطاب الشراكات الدولية الفاعلة، بسبب غياب الاستقرار في بيئة القرار التنفيذي.
وأكد أن استمرار العمل بالآليات الحالية سيؤدي الى فقدان العراق لفرصه التنموية في قطاع البنية التحتية، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة بالمنطقة في مسارات التجارة والنقل، حيث أصبحت السرعة في اتخاذ القرار والتنفيذ عاملًا حاسمًا في تحديد موقع الدول ضمن الاقتصاد الإقليمي.
وخلص الى القول أن المشكلة في العراق لم تعد تقنية أو مالية فقط، وهي في جوهرها مشكلة نظام إدارة وتنفيذ، تتطلب إعادة هيكلة شاملة لآليات صنع القرار الاقتصادي، وربط التخطيط بالتنفيذ ضمن إطار مؤسسي واضح وملزم، لضمان تحويل المشاريع من ملفات ورقية الى واقع إنتاجي فعلي.