في ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يقف العراق أمام مرحلة مفصلية تتداخل فيها التحديات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والهواجس الأمنية، في وقت تتعاظم فيه الحاجة إلى بناء رؤية وطنية قادرة على حماية المصالح العليا للبلاد؛ في هذا السياق، نظّمت الشرطة المجتمعية في قاطع الدورة، بالتعاون مع مكتبة الدورة، ندوة حوارية تناولت واقع العراق ومستقبله، والتي حاضر فيها سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، الرفيق رائد فهمي، مستعرضا بقراءة شاملة مجمل الأوضاع الراهنة، وأبرز الإشكاليات البنيوية التي تواجه الدولة، ومؤكداً على ضرورة مراجعة التجربة السياسية خلال العقدين الماضيين، والانطلاق نحو إصلاحات حقيقية تضع العراق على مسار الاستقرار والتنمية.
في مستهل الندوة، أعرب الرفيق فهمي عن شكره للجهات المنظمة والحضور، مشيداً بهذه المبادرات التي تفتح المجال أمام النقاشات الثقافية والحوارية، وتسهم في تعزيز الوعي المجتمعي وبناء جسور التواصل بين المواطنين ومؤسسات الدولة، معتقدا أن "هذا النهج يستحق التثمين والتشجيع، فنحن بأمسّ الحاجة إلى نشر الوعي والتنوير، وخلق حالة من التفاعل بين المواطن ومؤسسات الدولة من جهة، وبين المؤسسات الثقافية".
مرحلة خطيرة
وقال إن الموضوع الذي نناقشه اليوم يتعلق بواقع العراق وواقع المنطقة التي تمر بمرحلة دقيقة، وربما من أخطر المراحل. لا يخفى عليكم أنه خلال الأشهر والسنتين الأخيرتين شهدت المنطقة عموماً حروباً وتوترات شديدة، ما أدى الى تغيير ملامحها بشكل واضح.
واضاف أن "التصعيد الصهيوني والأمريكي لا يزال متواصلاً، ويتجسد هذا في الحرب الجارية والتوترات مع ايران، وما يزال هذا المسار قائماً ضمن مخططات تهدف إلى إعادة تشكيل المنطقة وتغيير ملامحها، وتنفيذ مخططات في مقدمتها مشروع اسرائيل الكبرى وربما ايضاً تغيير معادلات المنطقة".
وتابع ان "العراق اليوم يقف في خضم هذا الواقع المضطرب، وسط عواصف سياسية وأمنية واقتصادية. والسؤال الذي يطرح نفسه: أين موقع العراق من كل ذلك؟ وكيف يمكن له أن يتحصن ويحفظ مصالحه وسيادته وأمنه، وفي الوقت نفسه يواجه التحديات الراهنة والمستقبلية؟".
ونبه الرفيق فهمي إلى أن "هذه التطورات كشفت عن جملة من الحقائق المهمة. لن أدخل في التفاصيل لأن الجميع يتابع مجريات الأحداث، لكنها كشفت جملة من الامور التي تستحق التوقف عندها. لا سيما ونحن اليوم نعيش مرحلة انتقالية تمهد لتشكيل حكومة جديدة"، متسائلا بالقول: "نحن مقبلون على تشكيل حكومة جديدة، بغض النظر عمّن سيتولى هذه المهمة. ما هي الدروس المستخلصة مما كشفته هذه الاحداث والتطورات الأخيرة؟ وكيف ستنعكس هذه الدروس على نهج الحكومة المقبلة؟".
وواصل التساؤل: "هل سنكتفي بتكرار التجارب السابقة من حيث أسس التشكيل وآلياته، أم أن الامور تؤشر ان هناك حاجة حقيقية لإعادة النظر بالمسارات وتصحيح الخلل الذي حصل؟".
ولاحظ فهمي ان من أبرز الإشكاليات التي برزت في المرحلة الماضية هي حالة الهشاشة السياسية، إذ إن الحكومة كانت تحاول الحفاظ على توازن دقيق أمام التحديات والمخاطر، مع سعيها الى إبقاء العراق بعيداً عن الانخراط المباشر في أي هذه الحرب، رغم وجود مواقف واضحة بإدانة الحرب والاعتداءات ومن شنها.
تشكيل الحكومة
وأوضح أن المرحلة الراهنة، التي تسبق تشكيل حكومة جديدة، تمثل فرصة مهمة لاستخلاص الدروس من التجارب السابقة، والتساؤل عمّا إذا كانت آليات تشكيل الحكومات ستبقى على حالها، أم أن هناك حاجة حقيقية لإعادة النظر بها وتصحيح مساراتها؟.
وفي الجانب الاقتصادي، أكد أن اعتماد العراق شبه الكامل على النفط، الذي يشكل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة، يجعله عرضة للتقلبات العالمية، لافتاً إلى أن أي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التصدير، كما في مضيق هرمز، ينعكس مباشرة على الإيرادات العامة وقدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها.
وبيّن أن العراق لم ينجح، خلال العقدين الماضيين، في تنويع اقتصاده أو توسيع قاعدته الإنتاجية، ما عمّق من هشاشة بنيته الاقتصادية، وجعل الدولة رهينة لتذبذب أسعار النفط.
وشدد على أن التحديات التي تواجه البلاد ليست موجهة لمكون دون آخر، بل تطال جميع العراقيين، ما يستدعي اعتماد خطاب وطني جامع، وبناء موقف موحد في القضايا المصيرية، محذراً من أن التعامل الجزئي مع الأزمات يكرّس الانقسامات ويضعف القدرة على المواجهة.
وأكد أن قوة العراق في مواجهة الأزمات تكمن في بناء دولة قوية تمتلك شرعية مجتمعية، وتستطيع توظيف مواردها البشرية والمادية بشكل صحيح، محذراً من أن تعدد مراكز القرار يضعف الموقف الخارجي ويحول الدولة من فاعل إلى متأثر.
وتناول فهمي بنية الدولة بعد عام 2003، مشيراً إلى أن اعتماد نظام المحاصصة تحت مسمى “الديمقراطية التوافقية” أدى عملياً إلى تقاسم الدولة، بدل بناء مشروع وطني مشترك، ما انعكس سلباً على أداء المؤسسات وأعاق عملية الإصلاح.
كما أشار إلى تضخم الجهاز الإداري، حيث ارتفع عدد موظفي الدولة إلى أكثر من أربعة ملايين ونصف المليون، فضلاً عن ملايين المتقاعدين والعقود، ما استنزف الإيرادات النفطية في النفقات التشغيلية بدلاً من توجيهها نحو الاستثمار والتنمية.
غياب الصناديق السيادية
وفي ما يتعلق بالملف الاقتصادي، لفت إلى غياب الصناديق السيادية والاستثمارات الاستراتيجية، واستمرار الاعتماد على النفط كمصدر اساسي للدخل، محذراً من مخاطر التحولات العالمية نحو الطاقة البديلة، وما قد تفرضه من تحديات مستقبلية على الدول الريعية.
وتطرق إلى التحديات الاجتماعية، ومنها ارتفاع نسب الفقر والبطالة، خصوصاً بين الشباب، الذين يشكلون نسبة كبيرة من المجتمع، في ظل ضعف قدرة القطاعين العام والخاص على استيعابهم، فضلاً عن مخرجات تعليمية لا تتلاءم مع سوق العمل.
وانتقد تراجع مستوى التعليم، والتوسع غير المنضبط في المؤسسات التعليمية الأهلية، إلى جانب الضغوط التي يعاني منها التعليم الحكومي، ما أدى إلى انخفاض جودة المخرجات التعليمية.
كما أشار إلى التحديات البيئية والصحية، ومنها شح المياه والتلوث، لاسيما في نهر دجلة، مؤكداً أن هذه القضايا غالباً ما تُهمّش رغم تأثيرها المباشر على حياة المواطنين.
حوار مجتمعي واسع
ودعا فهمي إلى إطلاق حوار مجتمعي واسع لمواجهة هذه التحديات، وتعزيز مفهوم المواطنة، وترسيخ مبدأ سيادة الدولة ووحدة القرار، مؤكداً أن بناء دولة ديمقراطية حقيقية يتطلب مؤسسات فاعلة والالتزام بالدستور، بعيداً عن الأعراف التي كرست المحاصصة.
واشار إلى أن البلاد تمتلك ثروات طبيعية هائلة، من النفط والغاز والمعادن مثل الكبريت والفوسفات والحديد وبحسب البعض الألمنيوم ايضا، إضافة الى الموارد المائية والأراضي الخصبة الصالحة للزراعة، ولو أُحسن إدارة كل هذه الموارد، لأمكن للعراق والعراقيين تحقيق مستوى عالٍ من الرفاه الاقتصادي والعيش الرغيد للمواطنين، مضيفا أن "المشكلة ليست في وجود هذه الثروات، بل في كيفية إدارتها".
ورهن التحدي الحقيقي بـ"نمط الحوكمة التي تعد عنصراً اساسياً في تمكين العراق من تحقيق ثرواته، أي في قدرة الدولة على إدارة الموارد بشكل عادل ومتوازن، بحيث لا تتحول المحددات الديموغرافية مصدر نزاع بل تكون مصدر قوة".
كما لفت، ، إلى أهمية ان يُحسن توزيع عوائد الثروات النفطية بشكل عادل، وبخلاف ذلك تتحول الى مصدر نزاع بدلاً من أن تكون مصدر قوة. لذلك يُقال إن النفط قد يكون نعمة وقد يكون نقمة، والمسألة تتعلق هناك بشكل اساسي بكيفية إدارته.
وخلص سكرتير الحزب الشيوعي العراقي الى ان "المشكلة الأساسية اليوم تتمثل في تعدد مراكز القرار داخل الدولة، وهناك قضايا استراتيجية لا يوجد حولها توحد، بما في ذلك تحديد العدو والصديق، أو في إدارة الملفات الكبرى"، مؤكداً أن التغيير لا يمكن أن يقتصر على السلطة وحدها، بل يحتاج إلى تضافر جهود المجتمع والدولة لبناء مستقبل أفضل.