العراق، إلى أين؟
نشر موقع Medico International الناطق بالألمانية مقالاً حول العراق، كتبته أنصار جاسم، ذكرت فيه أن الحرب الأمريكية الاسرائيلية ضد إيران، قد أدت إلى زعزعة التوازن السياسي الهش، الذي يقوم عليه النظام السياسي في العراق منذ 2003. وكان تأثيرها على السكان بالغًا، إذ لم تمثل مجرد تصعيد للصراعات الاجتماعية القائمة، بل باتت تهدد نظاماً، تتنافس فيه مراكز قوى متعددة، الولايات المتحدة وإيران والفصائل المسلحة ومؤسسات الدولة، نظاماً بدا، حتى قبل فترة قصيرة، متمتعاً بقدر من الاستقرار. وجاء ذلك ـ وفق المقال ـ بسبب ضعف القدرات العسكرية لطهران، وتزايد الضغوط الخارجية عليها، فضلاً عن تزايد تشتت الفصائل المسلحة، الأمر الذي بات من غير الواضح معه معرفة الجهة التي ستتمتع بالسيطرة السياسية والعسكرية في البلاد مستقبلاً.
نهاية التوازن
وذكرت الكاتبة بأن نظام "المحاصصة" يمثل جوهر النظام السياسي العراقي، إذ تُوزّع الوزارات والموارد والمناصب ومناطق النفوذ وفقاً لأسس سياسية وطائفية وحزبية؛ ولا تُحلّ الصراعات بل تُدار. ولهذا السبب استطاع هذا النظام أن يعيد إنتاج نفسه رغم الحروب والانتفاضات والأزمات الاقتصادية، إذ لم تُفضِ حركات الاحتجاج منذ عام 2011، ولا الحرب ضد داعش في الفترة 2014 ـ 2017 إلى انهياره أو خروجه من أزماته.
غير أن هذا الوضع راح يتغير الآن. فميزان القوى السياسية المتنافسة والمتعايشة بدأ يتلاشى، ويؤدي تصاعد التوتر الإقليمي، إلى تغيير موازين القوى داخل النظام. ففيما تتعرض القوى الحليفة لإيران لضغوط متزايدة، تواصل الولايات المتحدة توسيع نفوذها على العملية السياسية، بما في ذلك التأثير على تعيين رئيس للوزراء.
وعبرت الكاتبة عن اعتقاها بأن تغير موازين القوى يجري لصالح جهات فاعلة أخرى، لا سيما القوى التي اتخذت لنفسها موقعّاً بوصفها ثقلاً موازناً في السنوات الأخيرة، كالتيار الصدري، الذي يتعامل بوصفه قوة معارضة وجزءاً من النظام السياسي في آن واحد، حيث تعارض حركته النفوذ الأجنبي، وتسعى إلى تقديم نفسها شريكاً وممثلاً لفئة مهمشة من السكان. ويتمتع التيار بقاعدة اجتماعية قوية في المناطق الفقيرة، في الوقت ذاته الذي يمتلك فيه القدرة على استيعاب الاحتجاجات وتوجيهها والسيطرة عليها. وخلصت الكاتبة إلى القول بأن عدم وضوح ميزان القوى الجديد في البلاد يدفع بالكثيرين إلى الحذر وتقليص ظهورهم السياسي، وإعادة تقييم هامش مناورتهم.
من سيدفع الثمن؟
وذكر المقال بأن العراق، الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الغذاء، فضلاً عن البذور والأسمدة والمبيدات الحشرية المستوردة، نتيجة عقود من الحرب والعقوبات وإعادة الهيكلة النيوليبرالية وتدمير البنية الزراعية المحلية، بات يعيش على صادرات النفط، ولا يمكنه من دونها إطعام أغلبية شعبه. ولهذا، فإن آثار الحرب على إيران واضحة عليه وتّذكر كثيراً من العراقيين بأحلك سنوات الحصار ومن ثم الاحتلال الأمريكي.
وذكرت الكاتبة بأنه، وبسبب اعتماده الكبير على واردات إيران من الغذاء والغاز والطاقة، يعاني العراق منذ بداية العام من ارتفاع أسعار الكهرباء وانقطاع التيار الكهربائي، ونقص الإمدادات. وقد شهدت الأشهر القليلة الماضية انقطاعات طويلة للتيار الكهربائي في بغداد والمحافظات الجنوبية، كما لا تستطيع العديد من الأسر تحمل التكلفة الباهظة للمولدات الكهربائية، وبالتالي لا يمكنها استخدام مكيفات الهواء خلال أشهر الصيف، حين تتجاوز درجات الحرارة في كثير من الأحيان 50 درجة مئوية.
عملة متذبذبة القيمة
كما تزيد أزمة الدينار الوضع سوءًا: فبينما يبقى سعر الصرف الرسمي مستقرًا، ارتفعت قيمة الدولار في السوق الموازية بشكل حاد، مما يفرض ضغطًا كبيرًا على ذوي الدخل المحدود. ولذلك يشتد الخوف من أزمة نفطية مطولة تسبب في المزيد من انخفاض قيمة العملة، ومن إفلاس الدولة التام. وكذلك من تصعيد إقليمي يعيق التدفقات المالية الخاضعة للبنك الفيدرالي الأمريكي، مما سيحوّل التغيير السياسي إلى أزمة اقتصادية تتحمل أفقر شرائح المجتمع وطأتها.
مخاوف من تنامي الاستبداد
وأشارت الكاتبة إلى أن شعور القوى المتنفذة بالضيق من النقد والمعارضة في ظل هذه الأجواء، ينذر بتصاعد القمع واستهداف الناشطين. ولهذا تصاعدت أصوات المعارضين الذين لا يكتفون بانتقاد القرارات السياسية الخاطئة، بل ويفضحون مثالب النظام الاجتماعي والأخلاقي برمته، كالبنى السلطوية والفساد واضطهاد النساء والمحسوبية والبيروقراطية الفجة. كما يتميز دورهم، ناشطين وقوى تقدمية، بالنضال من أجل العدالة الاجتماعية، والمشاركة السياسية، والحريات والخلاص من العنف وانعدام الأمن، متحدين منطق القوة الجيوسياسية، وداعين لعراق مختلف.