اخر الاخبار

تشهد الساحة العراقية في الآونة الأخيرة تصاعدا مقلقا في حوادث العنف الموجه ضد الأطفال، في مقدمتها جرائم القتل والاعتداءات الجنسية، ما أثار موجة واسعة من القلق والاستنكار في الأوساط الحقوقية والمجتمعية، وبينما تتعدد القراءات حول أسباب هذا التنامي، تتفق آراء على أن ما يجري لا يمكن فصله عن ثغرات في منظومة الحماية والردع، وضعف تطبيق القوانين، إلى جانب عوامل اجتماعية وسلوكية معقدة تسهم في تفاقم الظاهرة.

انهيار منظومة الردع

تقول الناشطة النسوية مرح إياد إن "التمادي في جرائم العنف ضد الأطفال، بما فيها الاعتداءات الجنسية وجرائم القتل، لم يعد مجرد انحرافات فردية معزولة بل أصبح يعكس تراكما خطيرا في عوامل الحماية الغائبة داخل المجتمع والدولة".

وتضيف اياد في حديث لـ"طريق الشعب"، أن "وجود حالات اغتصاب أطفال وقتلهم في بعض الوقائع الأخيرة يعكس انهيارا في منظومة الردع حيث يشعر بعض الجناة بأنهم قادرون على ارتكاب هذه الجرائم البشعة، إما بسبب ضعف العقوبات أو بطء إجراءات العدالة أو إمكانية التخفف من المحاسبة عبر ثغرات قانونية أو اجتماعية".

وتشير إلى أن أحد أخطر أسباب التمادي هو غياب البيئة الآمنة للأطفال، سواء داخل الأحياء أو حتى في نطاق الأسرة أو المحيط القريب، إضافة إلى ضعف أدوات الحماية الاجتماعية وعدم وجود منظومة إنذار مبكر تحمي الأطفال من الاستدراج أو الاستغلال".

وتتابع أن "تكرار جرائم الاعتداء الجنسي على القاصرين ثم تطورها في بعض الحالات إلى القتل يكشف مستوى بالغ الخطورة من التجرد الإنساني لدى بعض الجناة، ويعكس في الوقت نفسه فجوة كبيرة في الرقابة المجتمعية والتشريعية، ما يجعل الأطفال في مواجهة مباشرة مع مخاطر لا تتناسب مع حجم الحماية المفترض أن يتمتعوا بها".

وتؤكد إياد أن "الصمت مع هذه الجرائم يساهم في إعادة إنتاجها، لأن غياب العقاب الرادع يمنح رسالة خطيرة مفادها أن هذه الأفعال يمكن أن تمر دون محاسبة صارمة"، داعية إلى "تجريم أشد وأقسى لكل ما يتعلق بالاعتداء على الأطفال، خصوصاً الجرائم التي تقترن بالعنف الجنسي أو تنتهي بوفاة الضحية".

وختمت بالقول إن "حماية الأطفال اليوم لم تعد خيار مجتمعي، بل ضرورة وجودية وأي تأخير في إصلاح القوانين وتفعيل الردع الحقيقي سيعني استمرار هذا النمط من الجرائم وتوسعه بشكل أخطر في المستقبل".

قلق من جرائم قتل الأطفال

وعبرت الناشطة المدنية إلهام قدوري، عن استيائها من تزايد جرائم قتل الأطفال، معتبرةً أن العراق كان في السابق من البلدان التي نادراً ما تسجل فيها مثل هذه الجرائم، ولا سيما الجرائم المرتكبة بحق القاصرين. وقالت إن انتشار هذه الحالات خلال الفترة الأخيرة يعكس خللاً واضحاً في المنظومة القانونية والرقابية، مشيرة إلى أن ضعف العقوبات وعدم تطبيق قوانين رادعة يسهمان بشكل مباشر في تشجيع المجرمين على تكرار جرائمهم.

وأضافت قدوري لـ"طريق الشعب"، أن مسؤولية حماية المجتمع تقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة، مؤكدة أن الحكومة مطالبة بوضع تشريعات صارمة توقف الجناة عند حدودهم، وتمنع تكرار مشاهد العنف والقتل التي تستهدف الأطفال الأبرياء.

ولم تقتصر حديثها على جرائم القتل فحسب، بل أشارت إلى تصاعد حالات الاغتصاب والانتهاكات بحق الأطفال والنساء، معتبرة أن غياب الردع القانوني الحقيقي خلق بيئة تسمح للمجرمين بالإفلات أو الحصول على أحكام مخففة، الأمر الذي يضاعف من مخاوف المجتمع ويعمّق الإحساس بانعدام الأمان.

ودعت قدوري ذوي الضحايا إلى عدم التهاون في المطالبة بحقوق أبنائهم، خاصة في الحالات التي يُنظر فيها إلى الأحكام القضائية على أنها لا تحقق العدالة الكاملة.

ورأت أن دور العائلة والعشيرة يبقى حاضراً في الضغط المجتمعي من أجل إنصاف الضحايا، وسط مطالبات متزايدة بأن تكون العقوبات، وخصوصاً في الجرائم البشعة بحق الأطفال، أكثر حزماً لتشكل رادعاً حقيقياً يمنع تكرارها.

واكدت أن فرض العدالة يجب أن يتم عبر مؤسسات الدولة والقانون، وأن سيادة القانون فوق الجميع لا تتحقق إلا بوجود حكومة قوية وعادلة قادرة على تطبيق الأحكام على الجميع دون استثناء، بما يحفظ حقوق الضحايا ويمنع الانزلاق نحو الفوضى أو الانتقام خارج إطار القضاء.

مؤشرات خطيرة

من جهته، ذكر مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في ديالى صلاح مهدي، أن هذه الحوادث، ورغم محدوديتها نسبياً، إلا أنها تعكس مؤشرات خطيرة تستدعي تشديد العقوبات وتعديل القوانين بما يضمن منع تكرارها. وقال مهدي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن قراءة طبيعة هذه الجرائم تكشف عن عدة أسباب متداخلة تقف خلفها، في مقدمتها أن جزءاً من مرتكبيها هم من متعاطي المخدرات أو من أصحاب السوابق الجنائية، وهو ما يعكس تأثير المخدرات والانحراف السلوكي في تصاعد بعض الجرائم العنيفة داخل المجتمع.

وأضاف أن من بين الأسباب أيضاً إهمال بعض ذوي الأطفال وعدم متابعتهم بشكل كاف، خصوصاً فيما يتعلق بمراقبة تحركاتهم أو نوعية العلاقات التي تربطهم، الأمر الذي قد يعرّض الأطفال للاستغلال أو الوقوع ضحية لجرائم مختلفة.

وأشار مهدي إلى أن هناك دوافع أخرى تقف خلف بعض الجرائم، من بينها العداوات الشخصية أو عمليات الخطف أو ارتباط الجريمة بملفات جنائية أخرى ما يجعل دوافع قتل الأطفال متعددة ومعقدة في عدد من الحالات.

وأكد أن بعض الجرائم التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية كانت مؤلمة جداً، ولا سيما تلك التي ترافقت مع اعتداءات جنسية أو انتهت بقتل أطفال، وهي حوادث أثارت موجة غضب واسعة في الشارع العراقي، خصوصاً في بغداد.

وشدد مهدي على ضرورة إعادة النظر بشكل في القوانين الخاصة بالعنف ضد الأطفال، مؤكداً على ضرورة تشديد العقوبات لتكون أكثر صرامة وردع، وبما ينسجم مع خطورة هذه الجرائم وآثارها الاجتماعية والنفسية على المجتمع.