لم يعد خطر المخدرات في العراق يقتصر على الممرات السرية أو الأسواق السوداء، بل امتد ليدق ناقوس الخطر داخل الصروح الطبية التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين.
تفكيك شبكة "اللاريكا"
وفي تحول أمني وتقني بارز، نجحت مديرية شؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، في تفكيك شبكة دولية متخصصة بتجارة حبوب "اللاريكا"، وأسفرت العملية النَوْعية عن اعتقال أربعة متهمين، من بينهم تاجر أجنبي وصيدليان متورطان في تحويل مهنتهما الإنسانية إلى غطاء لترويج السموم، فضلاً عن ضبط أكثر من 33 ألف حبة مخدرة كانت معدة للتوزيع على صيدليات العاصمة.
هذه الحادثة الصادمة تعيد إلى الواجهة "الرأي العلمي" للمختصين، والذين حذروا مراراً من وجود ثغرات تشغيلية وفجوات رقابية قاتلة في قطاع الصيدلة؛ فالاعتماد على الوصفات الطبية التقليدية وسهولة تزويرها، إلى جانب قصور أنظمة تتبع سلاسل التوريد من المصنع إلى المستهلك، أتاحا لضعاف النفوس والدخلاء استغلال هذه المنافذ الدوائية لتسريب المؤثرات العقلية.
تهريب المخدرات
في هذا الصدد، اكد مصدر في وزارة الصحة أن التفريق بين المخدرات والمؤثرات العقلية يمثل نقطة أساسية في التعامل مع هذا الملف، مبيناً أن بعض المواد المصنفة كمخدرات قد تستخدم ضمن مستحضرات دوائية بنسب محددة ووفق ضوابط قانونية وصحية معتمدة.
وقال المصدر لـ"طريق الشعب"، أن صرف المؤثرات العقلية والمخدرات للأغراض الطبية لا يتم إلا بوصفات خاصة يصدرها أطباء مختصون، مع وجود تعليمات واضحة تحدد آليات الصرف والتكرار والفترات الزمنية المسموح بها، مشيراً إلى أن هذه المواد تخضع لرقابة وتفتيش مستمرين من قبل الجهات الصحية المختصة.
وأضاف أن الصيدلاني يمثل الجهة الوحيدة المخولة بحيازة هذه المواد للاستخدامات الطبية، فيما تتطلب عمليات استيرادها والحصول عليها موافقات خاصة من وزارة الصحة والجهات الأمنية المختصة، سواء كانت مواد أولية للصناعة الدوائية أو مستحضرات جاهزة.
وأشار إلى وجود سوء استخدام لبعض المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في العراق، لافتاً إلى أن الكميات المتداولة في الأسواق غير الرسمية تفوق ما يمكن أن يخرج من الصيدليات، ما يجعل تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية أولوية أساسية للحد من عمليات التهريب.
وبيّن أن الجهات الأمنية تمتلك معلومات عن الدول والمصادر التي تنطلق منها عمليات تهريب المخدرات الى العراق، داعياً إلى تعزيز إجراءات السيطرة على الحدود ومنع دخول هذه المواد إلى البلاد.
وفي ما يتعلق بتورط بعض الصيدليات في مخالفات تتعلق بصرف هذه المواد، أكد أنه برغم وجود هذه الحالة، الا ان حجم ما يخرج من الصيدليات يبقى أقل بكثير من حجم المخدرات المتداولة في السوق السوداء.
وأكد أن تجارة المخدرات تمثل أحد أخطر مصادر التمويل للجماعات الإجرامية والتنظيمات المسلحة في المنطقة، مشيراً إلى أن حجمها وتأثيرها يضاهيان تجارة السلاح في بعض الأحيان.
وفي ختام حديثه، دعا إلى زيادة الدعم الحكومي لمديرية مكافحة المخدرات والمؤسسات المعنية بهذا الملف، معتبراً أن مكافحة المخدرات لا تقل أهمية عن مكافحة الإرهاب، نظراً لما تسببه هذه الآفة من أضرار واسعة تهدد الأسرة والمجتمع وتؤدي إلى تدمير مستقبل الشباب واستنزاف قدرات الدولة.
الثغرات وسُبل المعالجة
من جهته، اكد الدكتور مروان عبد اللطيف، مختص في السياسات الدوائية، ان المنظومة الصحية تحدياً متزايداً يرتبط بـ "الأمن الدوائي"، حيث رصدت التقارير الأخيرة تحول بعض المنافذ الصيدلانية (المرخصة وغير المرخصة) من خطوط دفاع صحية إلى قنوات غير نظامية لتسريب وتداول المؤثرات العقلية والأدوية الخاضعة للمراقبة الطبية، وهو ما يستدعي مراجعة عاجلة لآليات الرقابة الحالية.
وربط عبد اللطيف في حديث لـ"طريق الشعب"، هذا الخلل البنيوي بعوامل تقنية وإدارية متداخلة وفي مقدمتها قصور سلاسل التوريد وضعف تتبع حركة الدواء من المصنع أو المستورد وصولاً إلى المستهلك النهائي. اضافة للاستمرار بالاعتماد على الورق في كتابة الوصفات الطبية والذي يسهل تزوير وتكرار صرف الأدوية المخدرة والمؤثرات العقلية.
واكد ان هم ثغرة هي تفاوت كفاءة التفتيش، ومحدودية الموارد البشرية واللوجستية مقارنة بالتوسع العشوائي في أعداد الصيدليات والمذاخر.
وقال ان الجهود المبذولة في مكافحة المخدرات كبيرة وتحقق نتائج ايجابية جداً، لكنه اكد ان تلك الحهود تحتاج عدم وتدعيم وتطوير، خصوصاً مع الانباء التي تشير الى وجود منافذ دوائية غير رسمية و "الصيدليات الوهمية" أو المخازن غير المجازة التي تعمل بعيداً عن أعين القانون وهذا ما يستدعي وجود تكثيف في الرقابة.
وحذر عبد اللطيف من ان تسريب هذه المواد دون إشراف طبي دقيق يؤدي إلى عواقب وخيمة، حيث تسبب المركبات الكيميائية المشتقة (مثل بعض المسكنات الأفيونية والمهدئات) إدماناً سريعاً يصعب علاجه.
ولفت الى خطورة التداخلات الدوائية، بقوله ان صرف هذه المواد عشوائياً يرفع نسب التسمم الدوائي الحاد والوفيات الفجائية، مبيناً ان سوء استخدام المواد المؤثرة على الجهاز العصبي يعقد بروتوكولات العلاج النفسي والطب العقلي مستقبلاً.
ولإغلاق هذه الثغرات وحماية الأمن الصحي، اوصى عبد اللطيف بتبني استراتيجية تقوم على عدة محاور مهمة، اولها التحول الرقمي الكامل (أتمتة القطاع الصحي) عبر بناء منصة إلكترونية موحدة تربط الطبيب بالصيدلية بالوزارة، وتعتمد "الباركود الثنائي" لتتبع كل عبوة دواء خاضعة للمراقبة.
كما شدد على ضرورة الزام الصيدليات في بروتوكول "صرف المقيد"، بمسح الهوية الوطنية للمريض، والتحقق الفوري إلكترونياً من عدم صرفه لنفس المادة من منفذ آخر خلال فترة محددة، الى جانب تغليظ العقوبات المهنية، وإقرار تشريعات تقضي بالشطب النهائي من النقابة وسحب ترخيص المنشأة الدوائية لأي طرف يثبت تورطه علمياً أو جنائياً في التسريب.
كما نوه باهمية تعزيز التفتيش الذكي، عبر استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات سحب الأدوية من المذاخر، ورصد أي قفزات غير مبررة في طلبيات صيدليات معينة مقارنة بموقعها الجغرافي.
ونبه الى إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب التخلي عن الأساليب الرقابية التقليدية، والانتقال نحو حوكمة رقمية صارمة تضمن بقاء الدواء في سياقه العلاجي الصحيح دون انحراف.
ادوية من دون وصفات
وفي السياق، حذّر الطبيب فاضل المندلاوي، من تفاقم ظاهرة صرف الأدوية من دون وصفات طبية، معتبراً أن ضعف الرقابة الحكومية والنقابية أسهم في اتساع المخالفات داخل سوق الدواء، فيما دعا إلى إنشاء هيئة عليا للدواء والغذاء تتولى الإشراف على ملفي الدواء والغذاء في العراق.
وقال المندلاوي لـ"طريق الشعب"، إن أغلب الأدوية، إن لم تكن جميعها، تُصرف في العديد من الصيدليات من دون وصفات طبية، وهو ما يمثل مخالفة صريحة للتعليمات النافذة، مشيراً إلى أن بعض الأدوية، ولا سيما النفسية والعقلية، يجب أن تُصرف حصراً بوصفات صادرة عن أطباء مختصين.
وأضاف أن التوسع في افتتاح الصيدليات خلال السنوات الماضية لم يرافقه مستوى مماثل من الرقابة من قبل الجهات المعنية، محملاً وزارة الصحة ونقابة الصيادلة مسؤولية متابعة آليات تداول الأدوية وضبط المخالفات.
وأشار إلى وجود مؤشرات على تداول أدوية مهربة وأخرى غير خاضعة للفحص والسيطرة النوعية داخل الأسواق المحلية، معتبراً أن ذلك يعكس وجود ثغرات في الرقابة على المنافذ الحدودية وسلسلة استيراد الدواء.
وفي تعليقه على إعلان وزارة الداخلية تفكيك شبكة دولية تتاجر بأدوية مخدرة وضبط آلاف الحبوب الدوائية، أكد المندلاوي أن مثل هذه القضايا تكشف خطورة الاختراقات التي تتعرض لها منظومة استيراد وتداول الدواء، وتستدعي تعزيز التنسيق بين الجهات الأمنية والصحية.
ودعا إلى إخضاع عمليات استيراد الأدوية للقطاعين العام والخاص لإشراف مباشر من وزارة الصحة والجهات المختصة، مشدداً على حاجة العراق إلى هيئة متخصصة للدواء والغذاء تمتلك صلاحيات واسعة لمنع دخول الأدوية والمواد الغذائية غير المطابقة للمواصفات أو المحظورة، بما يسهم في حماية الصحة العامة والحد من المخاطر التي تهدد المواطنين.