اخر الاخبار

لا يكاد يمر أسبوع، دون أن تعود إلى الواجهة صور وأخبار مؤلمة يتداولها المواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي لعمال صيانة الكهرباء الذين فقدوا حياتهم أو أصيبوا بجروح بليغة أثناء أداء واجبهم، صور لعمال يتدلون من أعمدة الكهرباء أو يرقدون في المستشفيات بعد تعرضهم لصعقات كهربائية.

وتتحول هذه الحوادث خلال فصل الصيف إلى مشهد متكرر يثير تساؤلات بشأن ظروف العمل التي يواجهها العاملون في قطاع الكهرباء، ومدى توافر مستلزمات السلامة المهنية التي يفترض أن تحميهم أثناء تنفيذ أعمال الصيانة والإصلاح في واحدة من أكثر المهن خطورة.

مخاطر يومية

تتزايد الأعطال الكهربائية خلال أشهر الصيف نتيجة ارتفاع الأحمال على الشبكة الوطنية، ما يدفع فرق الصيانة إلى العمل لساعات طويلة وفي ظروف مناخية قاسية. وبينما ينشغل المواطنون بالبحث عن ساعات إضافية من التجهيز الكهربائي، يجد آلاف العمال أنفسهم في مواجهة مباشرة مع أخطار الصعق الكهربائي والسقوط من المرتفعات والإجهاد الحراري.

ويقول العامل أبو زيد، وهو فني صيانة منذ أكثر من 15 عاما، إن المخاطر أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للعاملين في هذا القطاع. وأضاف لـ "طريق الشعب": "في كثير من الأحيان نعمل تحت أشعة الشمس المباشرة ولساعات طويلة. الخطر لا يأتي فقط من الكهرباء، بل من الإرهاق الشديد أيضا. هناك زملاء فقدوا حياتهم أثناء العمل أو تعرضوا لإصابات دائمة بسبب حوادث كان بالإمكان تجنبها لو توفرت وسائل حماية كافية". وأشار إلى أن بعض فرق الصيانة تعاني نقصا في معدات السلامة المهنية، مبينا أن العمال يضطرون أحيانا إلى استخدام معدات قديمة أو غير مطابقة للمواصفات بسبب عدم استبدالها بشكل دوري.

"نخشى أن يكون كل يوم هو الأخير"

العامل حسن كريم، الذي تعرض قبل عامين إلى صعقة كهربائية أثناء إصلاح أحدى المحولات والذي ما زال يحمل آثار الحادث على جسده، يقول: "نجوت من الموت بأعجوبة، لكنني فقدت القدرة على العمل لفترة طويلة. المشكلة أن الحوادث تتكرر كل صيف، وكأن حياة العمال أصبحت خبراً عادياً لا يثير الانتباه إلا لساعات قليلة". ويضيف "نخرج من بيوتنا ونحن ندرك حجم المخاطر. زوجتي تتصل بي باستمرار عندما أكون في مواقع العمل، خصوصا بعد انتشار أخبار وفيات العمال، أصبحنا نخشى أن يكون كل يوم هو الأخير". ويرى حسن أن توفير معدات العزل الحديثة وإجراء الفحوص الدورية للمعدات الكهربائية المستخدمة في أعمال الصيانة يمكن أن يقلل بشكل كبير من عدد الحوادث والإصابات.

ضحايا خلف الأرقام

ولا تقتصر آثار الحوادث على العمال أنفسهم، بل تمتد إلى عائلاتهم، التي تجد نفسها فجأة أمام خسارة المعيل الوحيد أو إصابته بعجز يمنعه من مواصلة العمل. يقول العامل سعد جبار، وهو أب لأربعة أطفال، إن أكثر ما يقلقه هو مستقبل عائلته في حال تعرضه لحادث أثناء العمل. ويضيف "كلما نسمع عن وفاة أحد الزملاء نفكر بعائلته. كثير من العمال يعتمدون بشكل كامل على رواتبهم المحدودة. وعندما يفقد العامل حياته أو يتعرض لإصابة خطيرة، تكون العائلة هي الضحية أيضا، فالتعويضات المالية، لا تحل مشكلة الخسارة الإنسانية الكبيرة التي تتكبدها الأسر".

السلامة المهنية الغائبة

يؤكد ناشطون في الشأن العمالي أن تكرار الحوادث يكشف عن وجود خلل في تطبيق معايير السلامة المهنية داخل مواقع العمل.

ففي هذا السياق، يقول الناشط أحمد جاسم إن حماية العامل يجب أن تكون أولوية لا تقل أهمية عن استمرارية تجهيز الطاقة الكهربائية. ويضيف في حديث لـ "طريق الشعب": "لا يمكن الحديث عن تطوير قطاع الكهرباء من دون توفير بيئة عمل آمنة للعاملين فيه. هناك حاجة إلى رقابة صارمة على إجراءات السلامة، وتوفير معدات حماية حديثة، وإلزام الجهات المعنية بتنظيم دورات تدريبية مستمرة للعمال"، إضافة إلى ضرورة إعادة تأهيل شبكات الكهرباء ومنع التجاوزات.

وأشار إلى أن العديد من الحوادث ترتبط بعدم الالتزام الكامل بإجراءات السلامة أو ضعف الإمكانات المتاحة لفرق الصيانة الميدانية. 

مطالبات بإجراءات عاجلة

ويطالب العاملون في قطاع الكهرباء بوضع خطة وطنية لحماية فرق الصيانة، تشمل توفير مستلزمات السلامة المهنية الحديثة، وإجراء تدريبات دورية للتعامل مع الحالات الطارئة، فضلا عن تعزيز التأمين الصحي والتعويضات المخصصة للضحايا وعائلاتهم. ويؤكد العمال أن ما يقدمونه من جهود للحفاظ على استقرار المنظومة الكهربائية خلال أشهر الصيف يستحق مقابله الحد الأدنى من الحماية والاهتمام.