اخر الاخبار

نشهد في المرحلة الراهنة حراكاً متجدداً داخل أوساط القوى اليسارية والديمقراطية، وتأتي النقاشات الجارية بين القوى الشيوعية واليسارية والديمقراطية العراقية في مرحلة تتسم بتعقيدات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، وسط تصاعد الدعوات إلى إعادة بناء مشروع ديمقراطي وطني قادر على الاستجابة لمطالب المواطنين.

وفي ظل التحديات التي تواجه البلاد وكذلك التعقيدات التي شهدتها المنطقة، برزت الحاجة إلى مراجعة تجارب العمل اليساري السابقة والبحث عن صيغ جديدة للتنسيق والعمل المشترك.

وقد شكّل لقاء قوى اليسار العراقي المنعقد في يوم السبت المصادف 13 حزيران الحالي، محطة مهمة لتبادل الرؤى بشأن مستقبل الحركة وإمكانية التنسيق وتوحيد العمل بالاستناد إلى المشتركات السياسية والاجتماعية بين الأطراف المشاركة.

وشهد اللقاء طرح تصورات متعددة تناولت قضايا العلاقة مع الحركات الاجتماعية والاحتجاجية، فضلاً عن المواقف المرتبطة بإعادة هيبة الدولة وتفعيل دور مؤسساتها وتحقيق التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. كذلك إمكانية التنظيم والعمل المشترك.

وتعكس الأوراق والمداخلات التي قُدمت خلال اللقاء وجود توجه متنامٍ نحو تجاوز حالة التشتت والانقسام، والعمل على بناء علاقة تنسيقية أكثر فاعلية، قادر على توسيع الحضور المجتمعي لقوى اليسار والدفاع عن مصالح الفئات الشعبية ضمن مشروع وطني ديمقراطي يسعى إلى التغيير والإصلاح الجدي.

نحو جبهة يسارية

هذا وقدمت {حركة العمل} ورقة عمل أكدت على أهمية الانتقال من موقع التفاعل مع الأحداث إلى موقع المبادرة وصناعة التأثير السياسي والمجتمعي، عبر بناء تيار اشتراكي واسع ومتجذر داخل المجتمع قادر على التعبير عن مصالح الفئات الشعبية والدفاع عن قضاياها.

وشددت الحركة على أن الهدف لا يقتصر على تشكيل تحالف سياسي أو انتخابي مؤقت، بل يتجاوز ذلك إلى بناء مشروع طويل الأمد يسعى إلى تأسيس تيار اجتماعي وفكري قادر على مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتصدي للسياسات النيوليبرالية وما تفرزه من تفاوت اجتماعي وتراجع في الخدمات العامة.

ودعت إلى توحيد جهود القوى الشيوعية واليسارية والتقدمية من خلال إيجاد فضاء دائم للحوار والتنسيق وإنتاج المواقف المشتركة، بما يتيح تطوير خطاب سياسي موحد يستند إلى مبادئ العدالة الاجتماعية والدفاع عن حقوق الفئات المنتجة والكادحة.

كما اقترحت الحركة إنشاء آليات تنظيمية للحوار والتنسيق بين الأحزاب والشخصيات والقوى المشاركة، إلى جانب برامج لإعداد كوادر تمتلك مهارات العمل الجبهوي وإدارة التنوع الفكري والتنظيمي، بما يسهم في تعزيز فاعلية العمل المشترك.

وأكدت أهمية الانفتاح على المجتمع عبر النشاطات الميدانية والعمل القاعدي داخل الأوساط العمالية والشبابية والنقابية والمهنية، وتحويل الأفكار والرؤى النظرية إلى مبادرات عملية ترتبط بالقضايا اليومية للمواطنين.

وفي الجانب السياسي، دعت الحركة إلى بلورة مواقف وبرامج مشتركة تجاه ملفات الخدمات والصحة والتعليم والإسكان والصناعة والزراعة والعدالة الاجتماعية، فضلاً عن مواجهة الفساد والسياسات الاقتصادية التي تؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية.

كما شددت على أهمية ترسيخ قيم التضامن والتكامل بين مكونات الجبهة، وتبادل الخبرات والموارد والإمكانات التنظيمية والإعلامية، بما يعزز قدرتها على التأثير في المجال العام وتوسيع حضورها داخل المجتمع.

وخلصت إلى أن بناء تيار يساري مجتمعي واسع يمثل شرطاً أساسياً لإحداث تغيير سياسي واجتماعي مستدام، من خلال تطوير الوعي الجماعي وتنظيم الطاقات الشعبية ضمن مشروع وطني ديمقراطي يعبر عن مصالح المواطنين وتطلعاتهم.

من الحركات الاجتماعية الى الجبهة الشعبية

وقدّم الرفيق جاسم الحلفي مداخلة فكرية، تناول فيها مسار تطور الحركات الاجتماعية وإمكانات الانتقال نحو بناء “جبهة شعبية” قادرة على إحداث تغيير ديمقراطي واجتماعي في البلاد.

وقال الحلفي إن العراق يعيش منذ أكثر من عقدين أزمة سياسية واجتماعية عميقة، تتجلى في ضعف الدولة واستمرار نظام المحاصصة واتساع الفجوة بين المجتمع والسلطة وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية، موضحاً أن محاولات الإصلاح عبر المسارات الانتخابية والمشاركة السياسية، لم تحقق نتائج تتناسب مع حجم التحديات القائمة.

وأكد أن الحركات الاحتجاجية في العراق، من عام 2011 وصولاً إلى انتفاضة تشرين 2019 وما تلاها، أثبتت أن المجتمع العراقي يمتلك طاقات كبيرة على الاحتجاج والتعبئة والمساءلة، وأن التغيير لا يبدأ حصراً من المؤسسات الرسمية، بل كثيراً ما ينطلق من المجتمع ذاته عند انسداد الأفق السياسي.

وأردف أن هذه الحركات، رغم قوتها، بقيت محدودة الأثر من حيث قدرتها على التحول إلى مشروع سياسي مستدام، نتيجة غياب الأطر التنظيمية القادرة على تحويل المطالب الشعبية إلى برامج واضحة وقوى سياسية فاعلة.

وانطلاقاً من ذلك، دعا الحلفي إلى إعادة بناء العلاقة بين اليسار العراقي والحركات الاجتماعية على أسس عضوية وتكاملية، تتجاوز حدود التضامن التقليدي، بحيث تصبح هذه الحركات جزءاً من الفضاء السياسي والاجتماعي الذي يعبر عن مصالح الفئات المتضررة من الفساد والتهميش واللامساواة.

كما أشار إلى التحولات التي طرأت على أنماط العمل السياسي لدى الأجيال الجديدة، التي باتت تميل إلى التنظيمات الأفقية والشبكية، بعيداً عن البنى الحزبية التقليدية، وهو ما يفرض على القوى اليسارية إعادة التفكير في أدواتها وأساليب عملها بما يتناسب مع هذه المتغيرات.

“الجبهة الشعبية”

وفي هذا الإطار، طرح الحلفي فكرة “الجبهة الشعبية” بوصفها إطاراً أوسع من التحالفات الحزبية التقليدية، يقوم على جمع القوى اليسارية والديمقراطية والنقابية والمهنية، إلى جانب الحركات الاحتجاجية ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات المستقلة، بهدف بناء كتلة اجتماعية قادرة على التأثير في مسار التغيير.

وأوضح أن هذه الجبهة لا تمثل اندماجاً تنظيمياً، بل فضاءً للعمل المشترك حول برنامج حد أدنى للتغيير الديمقراطي والاجتماعي، يقوم على أهداف أساسية تشمل بناء دولة المواطنة والقانون، ومكافحة الفساد، وتعزيز الحريات العامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتطوير الاقتصاد المنتج، وصون حقوق النساء والشباب، وترسيخ استقلال القرار الوطني.

كما شدد على أن تجربة الحركات الاجتماعية العراقية تكشف ثلاث حقائق أساسية: قدرة المجتمع على الاحتجاج والتنظيم، وتحول المطالب المعيشية إلى مطالب سياسية أعمق، وفي المقابل عجز هذه الحركات عن إنتاج بديل سياسي متماسك بسبب غياب الأطر الجامعة.

وختم الحلفي مداخلته بالتأكيد على أن العلاقة بين الحركات الاجتماعية والعمل السياسي هي علاقة تكامل، حيث توفر الحركات الطاقة الاجتماعية والزخم الجماهيري، بينما يقدم العمل السياسي الرؤية والبرنامج والتنظيم، مشيراً إلى أن الانتقال نحو "الجبهة الشعبية" يمثل انتقالاً من منطق التحالفات السياسية التقليدية إلى منطق بناء قوة اجتماعية واسعة قادرة على قيادة مشروع تغيير ديمقراطي في العراق.

بماذا يرتبط نجاح المشروع؟

الى ذلك، قدم الحزب الشيوعي العمالي العراقي رؤية تدعو إلى إعادة طرح اليسار بوصفه خياراً سياسياً واجتماعياً قادراً على تمثيل مصالح الطبقة العاملة والفئات الفقيرة والنساء والشباب، مؤكداً أن المجتمع العراقي بحاجة إلى بديل عملي يعالج أزماته المتراكمة بعد عقود من هيمنة القوى القومية والإسلامية على السلطة.

ورأى الحزب أن نجاح المشروع اليساري لا يرتبط بالنقاشات الأيديولوجية بقدر ارتباطه بقدرته على تلبية احتياجات المواطنين اليومية، من خلال برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي واضح يلامس هموم العمال والموظفين والعاطلين عن العمل والفئات المهمشة.

واكد أن نظام المحاصصة والانقسامات الطائفية والقومية أسهما في تعميق الأزمات السياسية والاجتماعية وإضعاف الهوية الوطنية الجامعة. كما حذر من استمرار الخطابات الطائفية التي تستثمرها بعض القوى السياسية للحفاظ على نفوذها ومكاسبها.

وأكدت ورقة الحزب أهمية تحقيق المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، ورفض السياسات والتشريعات التي تحد من مشاركة المرأة في الحياة العامة أو تعزز الهيمنة الأبوية داخل المجتمع، معتبرة أن تمكين المرأة يمثل شرطاً أساسياً لأي مشروع تنموي أو إصلاحي.

وفي الملف الاقتصادي، شدد الحزب على أن البطالة تمثل واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه المجتمع العراقي، منتقداً ما وصفه بغياب المعالجات الحكومية الجدية. ودعا إلى تبني برامج فعلية لتوفير فرص العمل، فضلاً عن إقرار ضمان بطالة يوفر دخلاً مناسباً للعاطلين عن العمل إلى حين حصولهم على وظائف مستقرة.

كما ركز الحزب في ورقته على ضرورة حماية الحريات السياسية وحرية التعبير وحق التظاهر السلمي، محذرة من تراجع مساحة الحريات العامة وتصاعد الضغوط على المحتجين والناشطين والمعارضين السياسيين.

وفي الجانب المعيشي، طالب برفع الأجور والرواتب والمعاشات التقاعدية بما ينسجم مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، مؤكدة أن تفاقم الأزمات الاقتصادية واتساع رقعة الفقر يتطلبان إجراءات عاجلة لتحسين أوضاع الشرائح الفقيرة ومحدودة الدخل.

واختتم الحزب ورقته بالتأكيد على أن اليسار لا يمكن أن يتحول إلى قوة سياسية مؤثرة إلا إذا ارتبط مباشرة بالمصالح اليومية للجماهير، وعمل على تنظيمها والدفاع عن مطالبها، معتبراً أن توحيد جهود القوى اليسارية والتقدمية حول برنامج عملي مشترك يمكن أن يفتح الطريق أمام تغيير سياسي واجتماعي أو ثقافي في العراق.

أسئلة تخصّ اليسار

وتناول السياسي اليساري كامل عبد الرحيم، إشكالية تعريف اليسار، متسائلاً عما إذا كان يمثل مجرد أداة سياسية مرتبطة بقضايا محددة كمعاداة الاستعمار ومناهضة الصهيونية والدفاع عن القضية الفلسطينية، أم أنه مشروع فكري ونظري متكامل يستند الى رؤية فلسفية وتاريخية واجتماعية تنحاز إلى الطبقة العاملة والفئات المنتجة والأكثر تضرراً من التفاوت الاجتماعي.

وقال عبد الرحيم إن اليسار يمتلك إرثاً فكرياً طويلاً سبق كارل ماركس وتبلور معه بصورة أكثر نضجاً، لافتاً إلى أن مسيرة اليسار العراقي ارتبطت منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة بمسارات تطورها السياسية والاجتماعية، وكان أحد العوامل المؤثرة في تحديثها، رغم ما تعرض له من انتكاسات وتراجع خلال محطات مختلفة.

ورأى عبد الرحيم أن اليسار العراقي ارتبط تاريخياً بالحزب الشيوعي العراقي، وأن تراجع هذا الحزب انعكس بصورة مباشرة على حضور اليسار في الحياة العامة، مؤكداً في الوقت نفسه أن دوره وتأثيره ما زالا حاضرين ولا يمكن تجاوزهما عند الحديث عن أي مشروع يساري جديد.

وفي قراءته للواقع السياسي الراهن، اعتبر أن النظام السياسي القائم يواجه أزمة شرعية عميقة نتيجة تراكم الإخفاقات والفساد وضعف الدولة، ما يفتح الباب أمام البحث عن بدائل سياسية قادرة على استيعاب التحولات المقبلة والاستجابة لتطلعات المواطنين.

وفي هذا الإطار، طرح مفهوم "الجبهة الشعبية" بوصفه استجابة لمرحلة استثنائية تواجه فيها البلاد تحديات داخلية وخارجية متشابكة، موضحاً أن هذا النموذج يختلف عن التحالفات السياسية التقليدية أو الجبهات الحزبية المعروفة، إذ يستند إلى مشاركة شعبية واسعة تتجاوز الأطر التنظيمية الضيقة.

وأكد أن الجبهة الشعبية، من وجهة نظره، ينبغي أن تنطلق من القواعد الاجتماعية المباشرة ومن مختلف المحافظات والقطاعات المهنية والمجتمعية، وأن تتوحد حول برنامج سياسي للتغيير الشامل يتجاوز حدود الإصلاح الجزئي للنظام القائم. كما شدد على أهمية أن تجمع بين البعدين الفكري والعملي، مع الحفاظ على الدور القيادي للرؤية النظرية في توجيه مسار العمل السياسي.

واختتم عبد الرحيم ورقته بالتأكيد على أن مشروع الجبهة الشعبية يمكن أن يسهم في إعادة تعريف اليسار العراقي وتوسيع قاعدته الاجتماعية، فضلاً عن رفع سقف مطالبه السياسية وتعزيز حضوره في الدفاع عن القضايا الاجتماعية والطبقية، بما يتيح بناء إطار أوسع للقوى الساعية إلى التغيير.

مشروع متكامل سياسياً وثقافياً واجتماعياً

في هذا الصدد، أكدت ورقة القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، خلال مداولات قوى اليسار بشأن مشروع تشكيل جبهة شعبية، أن نجاح أي مشروع سياسي جديد يتطلب أولاً تحديد الخيارات العامة والأهداف المشتركة، قبل الانتقال إلى آليات التنفيذ والعمل الميداني.

وأشار الحزب في ورقته إلى أن تأسيس جبهة شعبية بهذا الحجم يمثل مشروعاً سياسياً وفكرياً واجتماعياً وثقافياً متكاملاً، يستدعي جهداً جماعياً متواصلاً وحضوراً فاعلاً بين مختلف شرائح المجتمع، مؤكداً أهمية وضوح الرؤى بين الأطراف المشاركة والكشف عن الإمكانات والقواعد التنظيمية التي تستند إليها القوى المنخرطة في هذا المسار.

واعتبر أن الخطوة، رغم تأخرها، تمثل استحقاقاً مهماً في الظروف الراهنة، داعياً إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات مع القوى والشخصيات المتقاربة في الرؤى والأهداف، بوصف ذلك شرطاً أساسياً لإنجاح أي مشروع تغييري.

وفي رؤيته للمشهد السياسي، شددت الورقة على ضرورة التمييز بين الحلفاء والخصوم، وتشخيص القوى التي تعرقل مسارات النهوض والتقدم.

وقسّم التحديات التي تواجه المشروع الوطني على مستويين؛ خارجي يتمثل بالمشاريع الإمبريالية والصهيونية الساعية إلى إبقاء العراق في حالة ضعف وتبعية. وداخلي يتجسد في العوامل السياسية والفكرية والاجتماعية والثقافية التي تعيق بناء الدولة وتطورها.

كما دعا إلى قراءة واقعية لطبيعة هذه التحديات وآليات عملها، معتبراً أن فهمها يمثل مدخلاً أساسياً لتحديد الخيارات السياسية وتصويب المواقف الوطنية بعيداً عن الانفعالات والأحكام المسبقة.

وتطرقت الورقة إلى جملة من التصورات التي وصفتها بـ"الأوهام السياسية"، من بينها الاعتقاد بأن النظام السياسي القائم قادر على معالجة أزماته البنيوية عبر الإصلاح التدريجي أو المشاركة في مؤسساته، أو إمكانية التعويل على القوى الخارجية لتحقيق المصالح الوطنية العراقية. كما رفضت الرؤية المطروحة فكرة التطبيع مع إسرائيل، وعدّتها متعارضة مع المصالح الوطنية والقومية.

وفي ختام ورقته، أشر الحزب الى أن مشروع الجبهة الشعبية يتطلب قدراً عالياً من الموضوعية والعمل المشترك وتغليب المصالح الوطنية على الاعتبارات الفئوية، بما يتيح بناء إطار سياسي قادر على مواجهة الأزمات المتراكمة والدفع باتجاه مشروع وطني للتغيير والاصلاح.

النجاح يتطلب مواجهة تحديات معقدة

من جهته، طرح الكاتب والصحافي فلاح المشعل رؤية تدعو إلى تأسيس تيار يساري وطني عراقي قادر على موازنة نفوذ قوى اليمين السياسي التي هيمنت على المشهد العراقي خلال السنوات الماضية، معتبراً أن التحولات التي شهدها العراق خلال العقدين الأخيرين، أفرزت قاعدة اجتماعية واسعة تتبنى قيم العدالة الاجتماعية والمواطنة والاستقلال الوطني والدولة المدنية الحديثة.

وأشار المشعل إلى أن المجتمع العراقي، ولا سيما فئة الشباب، بات أكثر ميلاً إلى الأفكار الداعية إلى المساواة والحرية وتكافؤ الفرص، في ظل تنامي الإحباط من أداء القوى السياسية التقليدية وعجزها عن معالجة الأزمات المتراكمة.

ورأى أن اليسار المنشود لا ينبغي أن يكون أسير القوالب الأيديولوجية التقليدية، بل تياراً وطنياً مدنياً يستند إلى خصوصية الواقع العراقي ويستجيب لتحدياته ومتغيراته.

وأكد أن هذا التيار يجب أن ينفتح على مختلف القوى المدنية والديمقراطية والوطنية، وأن يعتمد رؤى حديثة في إدارة الدولة والاقتصاد والتنمية، مستفيداً من الإمكانات البشرية والمادية الكبيرة التي يمتلكها العراق، بما يسهم في إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس الكفاءة والنزاهة والإدارة الرشيدة.

وانتقد المشعل هيمنة الأحزاب الحاكمة على مراكز القرار والنفوذ، معتبراً أن سياساتها أسهمت في تعميق الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأضعفت مؤسسات الدولة وأعاقت مسارات التنمية والإصلاح.

كما شدد على أهمية تحفيز ما وصفه بـ"الأغلبية الصامتة" للمشاركة في العمل السياسي والانتخابي، بوصفها القوة القادرة على إحداث تغيير ديمقراطي حقيقي.

ودعا إلى بناء مشروع وطني يستند إلى الكفاءات العراقية ويعمل على الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، واستعادة القرار الوطني، وإنهاء نظام المحاصصة الذي أضر بمؤسسات الدولة وأضعف فاعليتها.

وأشار إلى أن نجاح أي حركة يسارية وطنية يتطلب مواجهة تحديات معقدة، من بينها الانقسامات الطائفية والقومية والمذهبية، فضلاً عن مقاومة مراكز النفوذ والقوى المستفيدة من الوضع القائم. ومع ذلك، رأى أن ولادة حركة وطنية مستقلة ونزيهة يمكن أن تمثل نقطة تحول مهمة في مسار الحياة السياسية العراقية.

وختم المشعل بالتأكيد على أن المشروع المقترح ينبغي أن ينطلق من المجتمع العراقي نفسه، وأن يعتمد على إمكانات أعضائه وبرنامج سياسي وإعلامي يعبر عن هموم المواطنين ويعالج مشكلاتهم اليومية، داعياً القوى الوطنية والمثقفين والمهتمين بالشأن العام إلى مناقشة هذه الأفكار وتطويرها بما يسهم في بناء بديل سياسي قادر على إخراج العراق من أزماته.

من اللقاء الى الإطار

من جهته، تناول الرفيق حسان عاكف خلال اللقاء، سبل الانتقال من اللقاءات التمهيدية إلى بناء إطار تنظيمي دائم يمهّد لتأسيس تيار يساري ديمقراطي فاعل وقادر على الاستمرار والتأثير في الواقع السياسي والاجتماعي.

وفي مستهل مداخلته، ثمّن عاكف الجهود التي بادرت إلى عقد اللقاء والدعوة إليه، معتبراً أنه يشكل خطوة أولى في مسار طويل يتطلب المتابعة والتطوير. وأكد أن المرحلة الراهنة تستدعي التفكير في تأسيس إطار تنظيمي مرن يضم الناشطين والقوى اليسارية بمختلف توجهاتهم، بما يضمن استمرارية الحوار والتنسيق وتطوير العمل المشترك.

وأشار إلى أهمية تحويل اللقاءات الحالية إلى سلسلة دورية ومنظمة، عبر تشكيل لجنة تنسيقية تتولى متابعة القضايا الفكرية والتنظيمية والميدانية، وتعمل على بلورة مواقف مشتركة واتخاذ قرارات جماعية بشأنها، بما يعزز الطابع العملي للمسار الجاري.

ودعا الرفيق حسان عاكف إلى تحديد مواعيد ثابتة للاجتماعات المستقبلية، بدلاً من تركها مفتوحة دون آلية تنظيمية واضحة، مقترحاً أن تعقد هذه اللقاءات بشكل شهري أو كل شهرين، بما يتيح تطوير النقاشات وتحويلها إلى خطوات عملية تدريجية.

وفي ما يتعلق بالهدف النهائي، أوضح أن الحديث عن “الجبهة الشعبية” أو الصيغة النهائية للتجمع يبقى هدفاً مستقبلياً، مشيراً إلى أن الأولوية حالياً تكمن في بناء أرضية مشتركة وتطوير التنسيق بين القوى المشاركة، قبل الانتقال إلى صيغ أكثر نضجاً وتنظيماً.

وشدد على ضرورة ربط أي مشروع يساري بالحركة الجماهيرية والاحتجاجات الاجتماعية والإضرابات، معتبراً أن غياب هذا الارتباط يجعل أي خطاب يساري مجرد طرح نظري غير مؤثر. كما أشار إلى أن ضعف الصلة الحالية مع الحركات المطلبية يشكل تحدياً أساسياً أمام القوى اليسارية، ويستدعي إعادة بناء العلاقة مع الشارع.

واقترح عاكف إطلاق تسمية أولية للتجمع الجاري، مثل “التجمع الديمقراطي اليساري”، أو “التجمع الديمقراطي اليساري الاشتراكي”، بوصفها صيغة تعريفية أولية تعكس طبيعة التقارب بين القوى المشاركة، مع إمكانية تطويرها لاحقاً بحسب تطور المسار التنظيمي.

كما دعا إلى إصدار بيان مختصر يعبر عن هذه الفعالية في حدود أربع أو خمس جمل، بما يرسخ حضورها السياسي والإعلامي، إلى جانب التأكيد على أهمية الاستمرار في عقد اللقاءات وتوسيع دائرة المشاركة وتثبيت آلية عمل واضحة.

وختم مداخلته بالتأكيد على أن نجاح هذا المسار يعتمد على الاستمرارية والتنظيم والعمل الميداني، بما يحوّل هذا اللقاء إلى بداية فعل سياسي حقيقي في الشارع، قادر على التعبير عن تطلعات قوى اليسار الديمقراطي وتعزيز حضورها في الحياة العامة.

الحدود المشتركة

وقدّم الرفيق فرحان قاسم مداخلة تناول فيها ضرورة بناء بديل سياسي للنظام القائم، مؤكداً أن الهدف الأساسي من هذا الحراك يتمثل في البحث عن صيغة قادرة على إحداث تغيير حقيقي في الواقع السياسي الذي يعيشه العراق منذ أكثر من عقدين.

وشدد قاسم على أهمية الاتفاق على “الحدود الدنيا المشتركة” بين مختلف القوى اليسارية والديمقراطية، بما يشمل الشيوعيين والديمقراطيين والتيارات اليسارية المختلفة، باعتبار أن هذا الحد الأدنى هو الأساس الذي يمكن من خلاله الانتقال إلى تشكيل قوة سياسية فاعلة في الشارع قادرة على جذب الجماهير وتغيير المعادلة السياسية القائمة.

وحدّد قاسم مفهومه لليسار بأنه الانحياز الواضح إلى الطبقات الكادحة والمهمشة، والدفاع عن مصالحها في مواجهة منظومات الفقر والتمييز، مشيراً إلى أن الغالبية الساحقة من العراقيين الذين يعيشون ظروفاً صعبة يمكن أن يُنظر إليهم كجزء من هذا الفضاء الاجتماعي اليساري، حتى وإن لم يعرفوا أنفسهم بهذا الوصف.

كما أشار إلى البعد العالمي للفكر اليساري، بوصفه موقفاً مناهضاً للرأسمالية وآثارها التي انعكست في أزمات الفقر والحروب وتدهور التعليم واتساع الفجوات الاجتماعية، مؤكداً أن هذا التعريف يشكل القاسم المشترك الأدنى الذي يمكن أن يوحد مختلف القوى المشاركة.

ودعا إلى تجاوز الخلافات الأيديولوجية والانقسامات التاريخية بين التيارات اليسارية، وترك ممارسات التخوين والتجريح المتبادل، معتبراً أن استمرار هذه الخلافات يعرقل أي إمكانية لبناء مشروع مشترك. وشدد على ضرورة التعامل بروح وحدوية تقوم على المساواة بين جميع الأطراف دون تفاضل أو إقصاء.

وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على الأهداف الاجتماعية والسياسية المشتركة بدلاً من الانشغال بالتفاصيل الأيديولوجية أو الانتماءات الفكرية المختلفة، داعياً إلى تحويل الجهود الإعلامية والتنظيمية إلى أدوات دعم وتكامل بدلاً من أن تكون ساحة للصراع الداخلي.

كما شدد على أن توحيد الصف اليساري هو المدخل الأساسي لتوسيع التحالف مع القوى الديمقراطية، بما يمهّد لاحقاً لبناء جبهة شعبية أوسع قادرة على مواجهة النظام السياسي القائم.

وختم مداخلته بالتأكيد على أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق عبر الخطابات أو التمنيات، بل عبر قوة الجماهير المنظمة، مستشهداً بتجارب احتجاجية عالمية ومحلية، ومشيراً إلى أن أي تحول سياسي في العراق لن يحدث إلا عبر اندفاع شعبي واسع مماثل لحركات الاحتجاج الكبرى، وإلا فإن الجهود السياسية ستبقى محدودة الأثر.

تعزيز مطالب الجماهير ودعمها

وفي مداخلة للناشطة سارة حامد، جرى طرح طبيعة العلاقة بين المجتمع واحتياجاته، وبين أدوار القوى اليسارية في تحويل هذه الاحتياجات إلى فعل اجتماعي وسياسي منظم، إلى جانب قضايا الخطاب الإعلامي وبناء الجبهة السياسية الجامعة.

وفي مستهل حديثها، أشارت إلى أن المجتمع العراقي يعيش حالة واسعة من الاحتياجات المعيشية والخدمية، إلا أن درجة الوعي بهذه الاحتياجات تختلف من فئة إلى أخرى، كما أن أشكال التعبير عنها تتفاوت بين الفعل الاحتجاجي المنظم والحراك المحدود أو الفردي. واعتبرت أن جزءاً من المجتمع يعبّر عن مطالبه عبر التظاهر، رغم افتقاده في كثير من الأحيان للحماية أو الأمان الاجتماعي والسياسي، الأمر الذي يجعله أقرب إلى احتجاجات تبحث عن الاستجابة الفورية لمطالب أساسية مثل العمل والخدمات.

وأكدت أن دور القوى اليسارية ينبغي أن يتركز على تعزيز هذه المطالب ودعمها، والعمل على تحويلها إلى نضالات اجتماعية أكثر تنظيماً وتأثيراً في الساحة العامة، بما يسهم في بناء وعي جماهيري قادر على الاستمرار والتأثير.

وفي ما يتعلق بمشروع “جبهة اليسار”، أشارت حامد إلى أن هذا الطموح يمثل امتداداً لأحلام أجيال مختلفة من النشطاء اليساريين، الرامية إلى توحيد الجهود ضمن إطار مشترك يعزز الفعل السياسي والاجتماعي. ولفتت إلى أن مصطلح “اليسار” بات أكثر جاذبية لدى فئات الشباب مقارنة بالمصطلحات الأيديولوجية التقليدية مثل “الشيوعية” أو “الاشتراكية”، خصوصاً في ظل انتشار استخدامه في الفضاءات الرقمية والإعلامية الحديثة.

واقترحت في هذا السياق اعتماد تسمية أكثر جاذبية ووضوحاً، مثل “جبهة اليسار الشعبية”، أو إعادة النظر في بعض التسميات التقليدية التي لم تعد تحظى بالزخم نفسه لدى الأجيال الجديدة، معتبرة أن المعركة اليوم ليست فقط سياسية بل أيضاً لغوية ورمزية تتعلق بطريقة تقديم المشروع للجمهور.

كما أشارت إلى أن الخلافات القائمة بين القوى اليسارية لا تتعدى في معظمها حدوداً تنظيمية أو فكرية محدودة، ولا ينبغي أن تشكل عائقاً أمام بناء مشروع مشترك، خاصة في ظل الحاجة الملحة إلى توحيد الجهود.

وتوقفت عند مسألة الإعلام اليساري، معتبرة أنه أحد أبرز نقاط الضعف الحالية، سواء على مستوى الإعلام المكتوب أو المرئي أو المسموع، إضافة إلى ضعف الحضور في الفضاءات الفنية والثقافية مثل المسرح والموسيقى والدراما. وأكدت أن الخطاب اليساري ما يزال محصوراً في نطاق ضيق، لا يصل إلى شرائح الشباب والنساء وعموم الجمهور بشكل فاعل.

ودعت إلى إعادة التفكير في أدوات التواصل، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت المنصة الأساسية لتشكيل الرأي العام، مشيرة إلى أن ضعف الاستثمار في هذه الأدوات جعل الخطاب اليساري أقل تأثيراً مقارنة بقدراته النظرية والسياسية.

وختمت مداخلتها بالتأكيد على أن هناك “يساراً يعيش داخل القاعات” وآخر “يعيش في منازل الناس وفضاءاتهم اليومية”، في إشارة إلى ضرورة الانتقال من الخطاب النخبوي إلى خطاب جماهيري أكثر قرباً من المجتمع، معبرة عن أملها في استمرار التنسيق والعمل المشترك في اللقاءات اللاحقة.

ختام اللقاء

واختُتم اللقاء بعد ساعات من النقاشات المكثفة التي عكست حرص المشاركين على إجراء حوار جاد حول واقع قوى اليسار العراقي وآفاق العمل المشترك في مواجهة التحديات السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.

وشهدت الجلسة تقارباً ملحوظاً في المواقف إزاء ضرورة تجاوز حالة التشتت والانقسام، والانفتاح على الحركات الاحتجاجية والاجتماعية والنقابية، وتبني القضايا المعيشية والحقوقية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، بوصفها المدخل الأكثر فاعلية لاستعادة الثقة الشعبية وبناء مشروع سياسي بديل.

كما برزت خلال النقاشات دعوات إلى بلورة إطار تنسيقي دائم يجمع القوى والشخصيات اليسارية والديمقراطية، ويعمل على تطوير الحوار وصياغة رؤى ومواقف مشتركة تجاه القضايا الوطنية الملحة، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على التنوع الفكري والتنظيمي داخل هذا الإطار والعمل على أساس المشتركات الجامعة.

واتفق المشاركون على مواصلة الحوار وعقد لقاءات دورية أوسع خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب تشكيل لجنة متابعة تتولى تنسيق الجهود والإعداد لخطوات عملية تعزز إمكانات العمل المشترك.

مواصلة الحوار

وعلى هامش اللقاء، أصدرت اللجنة المنظمة بلاغا ختاميا، اكد أن الاجتماع يمثل خطوة أولى في مسار حواري وتنظيمي مفتوح يهدف إلى البحث عن صيغ عملية للتعاون والتنسيق حول القضايا الأساسية التي تمس حياة المواطنين وحقوقهم ومصالحهم المباشرة.

وشدد البلاغ على أهمية توحيد الجهود والعمل المشترك بشأن ملفات الفقر والبطالة والعدالة الاجتماعية، والدفاع عن الحريات العامة وحقوق العمال والكادحين والنساء والشباب، فضلاً عن مواجهة السياسات التي تؤدي إلى تعميق التفاوت واللامساواة الاجتماعية.

واشار إلى أن اللقاء تناول عدداً من القضايا الفكرية والتنظيمية، من بينها تعريف قوى اليسار في العراق، ومفهوم الجبهة الشعبية، وأشكال العمل المشترك الممكنة، إضافة إلى القضايا التي يمكن أن تشكل أرضية جامعة للقوى اليسارية والديمقراطية في المرحلة الحالية.

وشدد على ضرورة الانتقال من مرحلة النقاشات العامة إلى خطوات عملية أكثر تنظيماً، عبر العمل على بناء إطار تنسيقي مرن يضم الأحزاب والشخصيات اليسارية والديمقراطية، بما يتيح تطوير التعاون والتنسيق المنتظم بين الأطراف المشاركة، مع الحفاظ على استقلالية كل طرف وخصوصيته الفكرية والتنظيمية.

كما دعت اللجنة المنظمة إلى اعتماد مواعيد ثابتة للاجتماعات والحوارات المقبلة، وتشكيل لجنة مشتركة تتولى متابعة المخرجات والتوصيات التي تم التوصل إليها، والعمل على تطويرها وتحويلها إلى خطوات عملية.

واختتم البلاغ بالتأكيد أن اللقاء لا يمثل نهاية النقاش، بل يشكل بداية لمسار مشترك يستهدف تعزيز ارتباط قوى اليسار بقضايا المواطنين وحركتهم اليومية، وتوسيع مساحة العمل المشترك في الدفاع عن الحقوق والمطالب الاجتماعية والديمقراطية.