اخر الاخبار

أعادت تصريحات الزيدي الجدل بشأن مستقبل علاقة العراق بمنظمة أوبك إلى الواجهة، بعد تصاعد الحديث عن ضرورة إعادة النظر بحصة البلاد الإنتاجية، والتلويح بإمكانية الانسحاب من المنظمة، في حال عدم الاستجابة لمطالب بغداد بزيادة سقف إنتاجها النفطي.

ويأتي هذا النقاش في وقت يواجه فيه العراق تحديات متشابكة، تتراوح بين اضطرابات أسواق الطاقة العالمية، وصعوبات تصدير النفط، والحاجة إلى تعظيم الإيرادات العامة في ظل اعتماد الاقتصاد بشكل رئيس على العائدات النفطية.

وفي مقابل الدعوات المطالبة بمنح العراق حرية أكبر في إنتاج النفط، يحذر مختصون من أن الانسحاب من أوبك قد تترتب عليه تداعيات اقتصادية واستراتيجية، أبرزها فقدان مظلة التنسيق مع كبار المنتجين، والتعرض لتقلبات السوق العالمية وحروب الأسعار، مؤكدين أن معالجة المشكلات البنيوية في قطاع النفط، وتطوير البنية التحتية للتصدير، وإدارة ملف التفاوض مع المنظمة باحترافية، تمثل خيارات أكثر جدوى من اتخاذ قرارات قد تفرض تحديات جديدة على الاقتصاد العراقي.

الانسحاب خطأ كبير

في هذا الصدد، أكد الخبير النفطي المهندس حمزة الجواهري، أن العراق قادر على استعادة مستويات إنتاجه النفطي بسرعة، مشيراً إلى أن التغييرات التي طرأت على الحقول النفطية لا تستدعي فترة طويلة للعودة إلى الطاقة الإنتاجية السابقة، ولا سيما مع وجود آبار جديدة يمكنها تعويض الإنتاج وتوفير كميات إضافية عند الحاجة.

وقال الجواهري لـ"طريق الشعب"، إن تسعير النفط العراقي يرتبط بجودته مقارنة بخام برنت، مبيناً أن ارتفاع الكثافة أو نسبة الكبريت يؤدي إلى خصومات، فضلاً عن تأثير تكاليف التأمين والمخاطر الجيوسياسية التي ارتفعت خلال الفترة الماضية قبل أن تنخفض مجدداً إلى مستويات أقل.

وفي ما يتعلق بحصة العراق في منظمة أوبك، توقع الجواهري أن يعاد النظر فيها خلال الاجتماع المقبل للمنظمة، لافتاً إلى إمكانية رفع سقف إنتاج العراق من نحو 4.7 ملايين برميل يومياً إلى خمسة أو خمسة ملايين ونصف، وربما ستة ملايين برميل يومياً، بما ينسجم مع قدراته الإنتاجية واحتياطياته النفطية الكبيرة.

وأشار إلى أن زيادة الحصة تمثل فرصة اقتصادية مهمة للعراق، إذ تتيح له تصدير كميات أكبر في أوقات قد تعجز فيها دول أخرى عن زيادة صادراتها.

ورفض الجواهري التوجهات المطروحة لانسحاب العراق من منظمة أوبك، مؤكداً أنه يعارض هذا التوجه بشكل قاطع، لأن بقاء المنظمة متماسكة يسهم في الحفاظ على استقرار أسعار النفط العالمية وحماية المنتجين، بينما سيؤدي تفككها إلى منافسة غير منضبطة بين الدول المنتجة وإغراق الأسواق، الأمر الذي سيدفع الأسعار إلى مستويات متدنية تضر بجميع المنتجين.

وأضاف أن الولايات المتحدة سعت منذ سنوات الى إضعاف أوبك، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان من أبرز الداعين إلى تفكيك المنظمة ويحلم بتفكيكها، لأنها تمثل ثقلاً مؤثراً في سوق الطاقة العالمية، مبيناً أن الاتهامات الموجهة إليها بالاحتكار لا تستند إلى أسس واقعية، إذ إن دورها يتمثل في تحقيق التوازن واستقرار السوق النفطية.

وبشأن زيادة الصادرات النفطية العراقية إلى الولايات المتحدة، أوضح الجواهري أن الأمر لا يرتبط بمنح امتيازات مجانية، وإنما بزيادة مشتريات الزبون الأميركي من النفط العراقي مقابل أثمان يدفعها وهي ليست منحة مجانية، لافتاً إلى أن واشنطن قد ترفع وارداتها من الخام العراقي على حساب حصص دول أخرى.

ووصف الجواهري الحديث عن انسحاب العراق من أوبك بأنه طرح يتكرر منذ سنوات، مرجعاً ظهوره مجدداً إلى شعور العراق بالحيف بعدم تناسب حصته الحالية مع حجم احتياطياته النفطية وإمكاناته الإنتاجية.

وأكد أن العراق يمتلك احتياطياً نفطياً يتجاوز 152 مليار برميل، في حين لا تزال حصته أقل من طموحه مقارنة بدول منتجة أخرى مثل روسيا والامارات التي انسحبت، ما يستدعي العمل داخل أوبك لزيادة حصته بدلاً من الانسحاب منها.

وختم بالقول: إن المشكلة الأساسية لا تكمن في عضوية العراق داخل أوبك، بل في ضعف الأداء الإداري خلال السنوات الماضية، معتبراً أن على وزارة النفط والحكومات المتعاقبة أن تعمل منذ وقت مبكر على المطالبة بزيادة حصة العراق بما يتناسب مع احتياطياته النفطية ومكانته بين كبار المنتجين.

اين تكمن ازمة العراق؟

من جهته، يرى الخبير الاستراتيجي في الشؤون النفطية عاصم جهاد أن التحدي الذي يواجه العراق في المرحلة الحالية لا يتعلق بقدرته على إنتاج النفط، وإنما بعجزه عن تصدير الكميات المنتجة، مشيراً إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في إدارة القطاع النفطي وليس في حجم الاحتياطيات أو الطاقة الإنتاجية.

وقال جهاد في حديث لـ"طريق الشعب"، أن توقف الصادرات النفطية عبر المنفذ الجنوبي أدى إلى فقدان العراق ما بين 3.3 و3.5 ملايين برميل يومياً، في حين انحصرت الصادرات عبر المنفذ الشمالي (خط جيهان التركي) بمعدلات تتراوح بين 150 و200 ألف برميل يومياً، وهي كميات لا تتناسب إطلاقاً مع حجم الإنتاج النفطي العراقي.

وأضاف أن العراق يمتلك القدرة على تصدير كميات أكبر، إلا أن السؤال المطروح هو: لماذا لم تتمكن وزارة النفط، رغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على الأزمة، من زيادة الصادرات عبر المنفذ الشمالي؟ وتساءل أيضاً عن أسباب تأخر تأهيل الأنبوب الاستراتيجي الرابط بين كركوك وجيهان، والذي كان من الممكن أن يسهم في تعويض جزء من الصادرات المفقودة.

ودعا جهاد الحكومة إلى التحرك لمعالجة الأزمة، مقترحاً تشكيل لجنة عليا تضم وزراء النفط السابقين وخبراء متخصصين لدراسة التحديات التي تواجه الصناعة النفطية ووضع حلول عملية لها، معتبراً أن الوزارة لم تتمكن حتى الآن من إيجاد معالجات حقيقية للمشكلات الراهنة.

وفي ما يتعلق بأسعار النفط، أوضح أن من الصعب تقييم مستقبل أسعار الخام، في ظل عدم قدرة البلاد على تصدير الكميات المطلوبة، مبيناً أن النفط العراقي يبقى خاضعاً لحركة السوق العالمية، وأن منح المشترين خصومات سعرية لم يحقق النتائج المرجوة طالما أن العراق غير قادر على توفير الكميات المطلوبة للتصدير.

وأشار إلى أن اضطرابات السوق النفطية، ولا سيما التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، تفرض على العراق التريث في الإعلان عن أي خطط لزيادة الإنتاج أو الصادرات، لأن مجرد الإعلان عن زيادات كبيرة قد ينعكس سلباً على أسعار النفط العالمية، داعياً إلى انتظار استقرار الأوضاع قبل اتخاذ قرارات استراتيجية بهذا الشأن، وبما يحقق أفضل عائد اقتصادي للعراق.

وأكد أن العراق يمتلك الحق في زيادة إنتاجه مستقبلاً، إلا أن أي خطوة بهذا الاتجاه يجب أن تستند الى دراسة دقيقة لاحتياجات السوق النفطية العالمية ومدى قدرتها على استيعاب الزيادات المرتقبة.

واكد جهاد في الوقت نفسه رفضه التوجه او التهديد بالانسحاب من منظمة أوبك، مشيرا الى أن المشكلة الحالية لا ترتبط بحصص الإنتاج فقط، وانما بعدم قدرة العراق على تصدير ما ينتجه بالفعل، متسائلاً عن جدوى المطالبة بزيادة الإنتاج أو الانسحاب من أوبك في وقت لا يستطيع فيه العراق تصدير الكميات الحالية.

وشدد على أن العراق يعد من الدول المؤسسة لمنظمة أوبك، وأن المنظمة أُنشئت أساساً لحماية مصالح الدول المنتجة وتحقيق التوازن والاستقرار في السوق النفطية العالمية، مؤكداً أن أي مطالب أو اعتراضات بشأن الحصص يجب أن تُطرح داخل أروقة المنظمة ومن خلال الحوار مع الدول الأعضاء، وليس عبر وسائل الإعلام.

واختتم جهاد حديثه بالتأكيد على أن قرارات أوبك تُتخذ بالإجماع وبموافقة جميع الأعضاء، وأن العراق شريك أساسي في هذه القرارات، الأمر الذي يجعل الحوار والتفاوض الطريق الأمثل لمعالجة أي مطالب تتعلق بحصته الإنتاجية.

التفاوض أفضل من خيار الانسحاب

الى ذلك، قال الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي أن التلويح بانسحاب العراق من منظمة أوبك للضغط من أجل زيادة حصته الإنتاجية يمثل ملفاً استراتيجياً معقداً، ينبغي التعامل معه بالحوار والتفاوض لا بلغة التهديد، محذراً من أن الانسحاب قد يحمّل العراق أعباءً اقتصادية وجيوسياسية أكبر من المكاسب المتوقعة.

واضاف الهاشمي في سياق حديثه مع "طريق الشعب"، أن التزام العراق بحصص الإنتاج ضمن تحالف أوبك+ أدى إلى تقليص إنتاجه وخسارة جزء من الإيرادات النفطية التي كان من الممكن أن تسهم في تمويل الموازنة العامة والمشاريع الاستثمارية والخدمية، ولا سيما أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كاملة على عائدات النفط.

ولفت إلى أن هذه الخسائر دفعت بعض الأصوات إلى المطالبة بخروج العراق من أوبك، بما يتيح له إنتاج النفط بحرية وفق مصالحه الوطنية وزيادة الصادرات لتعويض العجز المالي وتحقيق نمو اقتصادي أسرع، إلا أنه شدد على أن الانسحاب لا يعني بالضرورة تحقيق إيرادات أعلى.

وبيّن أن خروج العراق من أوبك سيجعله يواجه منفرداً تقلبات السوق العالمية وحروب الأسعار والمنافسة مع كبار المنتجين، مثل السعودية وروسيا والولايات المتحدة، الأمر الذي قد يؤدي الى انخفاض أسعار النفط بما يفوق المكاسب المتحققة من زيادة الإنتاج، وبالتالي تراجع الإيرادات الإجمالية.

وزاد بالقول أن عضوية أوبك أسهمت في الحفاظ على استقرار أسعار النفط، وهو ما يصب في مصلحة العراق بوصفه دولة تعتمد موازنتها بشكل رئيس على الإيرادات النفطية، إذ يوفر استقرار الأسعار قدرة أفضل على التخطيط المالي ويحد من المخاطر الاقتصادية.

ولفت الهاشمي إلى أن العراق تمكن خلال العقدين الماضيين من زيادة حصته الإنتاجية داخل أوبك بأكثر من 57%، وهي أعلى نسبة نمو بين الدول الأعضاء، معتبراً أن ذلك يؤكد إمكانية تحقيق مكاسب إضافية من داخل المنظمة عبر التفاوض والإقناع، بدلاً من التصعيد أو التهديد بالانسحاب.

وأكد أن أوبك تمنح العراق ثقلاً سياسياً واقتصادياً على المستوى الدولي، وتوفر له منصة للتنسيق مع كبار المنتجين، فضلاً عن توفير قدر من الحماية في مواجهة تقلبات السوق العالمية، وهو ما يحتاجه العراق في ظل محدودية قدرته الحالية على تحمل ضغوط المنافسة منفرداً.

وأشار أيضاً إلى أن زيادة إنتاج النفط، حتى في حال الانسحاب من أوبك، لا تضمن بالضرورة تحقيق منفعة اقتصادية للعراق، بسبب استمرار مشكلات الفساد، وتضخم الإنفاق العام، وضعف الإدارة المالية، فضلاً عن نشاط شبكات التهريب وغسل الأموال، وهي عوامل قد تستنزف أي إيرادات إضافية.

ودعا الهاشمي إلى إعطاء الأولوية للإصلاحات الداخلية، من خلال ضبط الإنفاق العام، ومكافحة الفساد، وتنمية القطاعات غير النفطية، وتطوير البنية التحتية للقطاع النفطي، بالتزامن مع مواصلة التفاوض مع أوبك لزيادة الحصة الإنتاجية للعراق.

وخلص الى التأكيد على أن إدارة ملف التفاوض مع دول أوبك تتطلب قدراً كبيراً من الاحترافية والصبر والهدوء، مشدداً على أن قرار الانسحاب من المنظمة يعد قراراً استراتيجياً بالغ التعقيد، ولا ينبغي اتخاذه بصورة انفعالية أو استجابة لضغوط مالية داخلية، يمكن معالجتها من خلال إصلاحات اقتصادية وإدارية حقيقية إذا توافرت الإرادة السياسية.