المتغيرات في العراق ومستقبل العلاقات بين بغداد وأنقرة
نشرت صحيفة (السياسة اليوم) التركية مقالاً للكاتب بلجياي دومان، ناقش فيه العلاقات العراقية التركية، بعد انتهاء الأزمة السياسية في العراق، والتي استمرت قرابة ستة أشهر، وحصول الحكومة الجديدة على ثقة البرلمان، رغم عدم اكتمال تشكيلتها.
وضع هش ومتغيرات
ورأى الكاتب أن اختزال الوضع في بغداد إلى مجرد مفاوضات حكومية متأخرة يُعد تبسيطاً مفرطاً. فرغم أن الوضع السياسي يبدو مستقراً اليوم، إلا أن التوازن الذي يقوم عليه النظام يزداد هشاشة، وهو ما كشفته الانتخابات التشريعية وما تلاها من انتخاب رئيس للبرلمان ورئيس للجمهورية. كما تتبلور مرحلة جديدة، تتشكل فيها التحالفات بمرونة أكبر، ويُعاد فيها توزيع السلطة بدلاً من استمرار التوازنات القديمة، ويتصرف الفاعلون بواقعية أكبر، رغم عجز جهاز الدولة عن تحقيق المركزية. كما تزداد الساحة السياسية تشرذمًا جراء الخلافات بين أطراف الإطار التنسيقي، وبين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الإتحاد الوطني الكردستاني، وظهور شبكات أكثر براغماتية بين الفاعلين السياسيين في المنطقة الغربية، فضلاً عن الانقسامات داخل الجماعات المتحالفة مع إيران.
وفسر الكاتب الصورة الناشئة على أنها شكل من أشكال "الاستمرارية غير المتكافئة"، إذ يستمر النظام، لكن الخوارزمية السياسية التي تدعمه تتغير. فمع اتساع نطاق التمثيل، تصبح القدرة على صنع القرار أكثر هشاشة، ولم يعد الأمر يقتصر على تشكيل حكومة فحسب، بل يتعلق بإرساء بنية دولة فاعلة قادرة على اتخاذ القرارات، وتمتلك القدرة على ممارسة السيادة.
توازن السياسة الخارجية
وأكد المقال على أن التوازن الأمريكي الإيراني يعود ليصبح حاسمًا من جديد في هذه المرحلة تحديدًا، لاسيما بعد أن كشفت الحرب الأخيرة عن صورة مختلفة، لا يمكن فيها إقصاء إيران من النظام، كما لا تستطيع واشنطن فيها فرض نفوذ حاسم بمفردها، مما سيدفع الطرفين الى انتهاج استراتيجية لا تستبعد فيها الأطراف بعضها بعضًا، بل تحدّ من نطاق عمل كل منها، عبر تولي شخصيات مقربة من إيران مناصب حكومية ليستمر من خلالها نفوذ طهران، وابعاد شخصيات أخرى من بعض المناصب الهامة، بما يراعي حساسية واشنطن الأمنية. ويرى الكاتب أن واشنطن أدركت أن القضاء التام على النفوذ الإيراني سيزعزع الوضع الهش في العراق.
ووجد الكاتب في برنامج الحكومة الجديدة، المتمثل في شعار "دولة مستقرة - اقتصاد منتج - شراكات متوازنة" نهجاً واضحاً للتركيز على الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية، لا بوصفها مجالات مستقلة، بل مكونات ضمن إطار استراتيجي واحد يعزز قدرات الدولة، والإصلاحات الاقتصادية، والاستثمارات في قطاع الطاقة، ومركزية القرارات الأمنية، مع اتباع سياسة التوازن في الشؤون الخارجية.
العلاقات العراقية التركية
وذكر المقال أن أنقرة لم تعد تنظر إلى الساحة العراقية من منظور أمني بحت، بل راحت تفسح في المجال الآن لبرنامج أوسع، يعتبر الاستقرار السياسي في العراق، وقدراته الاقتصادية، والترابط الإقليمي، قضايا استراتيجية مباشرة بالنسبة لتركيا.
ولهذه الأسباب تنتهج أنقرة سياسة الحفاظ على العلاقات من خلال شبكات ترابط أكثر مرونة وتوازنات ميدانية متغيرة، تضمن بها اهدافها الاستراتيجية مثل المحافظة على وحدة العراق السياسية، وحمايته من الصراعات والتقسيم، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي.
كما يتجلى هذا التوسع الاستراتيجي أيضًا في النهج الأمني الذي لم يعد يقتصر على أمن الحدود، بل امتد ليشمل شؤون المنطقة من قنديل إلى سنجار والى جميع الأراضي المتنازع عليها، ومدى بقائها جزءًا من السيادة العراقية. ولهذا السبب، تهتم أنقرة ببناء قدرات الدولة، والتعاون المؤسسي، والتكامل الاقتصادي، والترابط، بل وبجوهر المشكلة المتمثل في الفراغات السياسية والعسكرية والاقتصادية التي نشأت في مناطق تراجعت فيها قدرات الدولة، وتسعى إلى إنشاء ممر إقليمي للاستقرار يُسهم قدر الإمكان، في سدّ هذه الفراغات.
وأكد الكاتب على أن اهتمام تركيا ينبع أيضاً من الميزة الاستراتيجية التي يتمتع بها العراق بوصفه أحد أهم مراكز الشرق الأوسط، وصاحب الموقع الجغرافي المركزي ذي التأثير الواضح في طرق الطاقة، وممرات التجارة، وشبكات النقل، والترابط الإقليمي، فضلاً عن رغبتها في أن ألا يكون منطقة هشة تعاني من الصراعات والنزاعات بالوكالة، وأن يرتبط مع تركيا بعلاقات طويلة الأمد ومتنوعة الجوانب.