لم يعد مشهد الأطفال الذين يفترشون الأرصفة ويتجولون في التقاطعات والأسواق استثناء في المدن العراقية، بل تحول إلى ظاهرة تثير قلقا متزايدا بشأن واقع الطفولة ومستقبلها. وفي ظل الفقر والتفكك الأسري وضعف الحماية الاجتماعية، يجد آلاف الأطفال أنفسهم في الشارع، بين تتراجع فرص التعليم والرعاية، وتزايد مخاطر الاستغلال والعنف والاتجار بالبشر.

وفي الوقت الذي يحذر فيه مراقبون من اتساع الظاهرة وتداعياتها على المجتمع، يطالبون بتبني معالجات شاملة تعالج جذور الأزمة، وتعيد للأطفال حقهم في حياة آمنة وكريمة.

دراسة: غالبية أطفال الشوارع مراهقون

وتكشف دراسة أجرتها جامعة الأنبار على عينة شملت 300 طفل مشرد، أن الذكور يمثلون النسبة الأكبر من أطفال الشوارع مقارنة بالإناث، وهو ما تعزوه الدراسة إلى عوامل اجتماعية وثقافية، أبرزها تحميل الذكور مسؤولية المساهمة في إعالة الأسرة، في حين تحد مخاوف العائلات من تعرض الفتيات للخطف أو المضايقات من وجودهن في الشارع.

وأظهرت نتائج الدراسة أن الفئة العمرية 12–14 عاماً سجلت أعلى نسبة بين الأطفال المشردين بواقع 39 في الماذة، تلتها الفئة  15–17 عاماً) بنسبة 33 في المائة، ثم الفئة 9–11 عاماً بنسبة 23 في الماذة، فيما جاءت الفئة  6–8 أعوام) في المرتبة الأخيرة بنسبة 5 في المائة، ما يشير إلى أن غالبية أطفال الشوارع هم من فئة المراهقين، وهي مرحلة عمرية تتطلب رعاية وحماية خاصة.

وبينت الدراسة أن الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة والتعليم، والتفكك الأسري والطلاق، من أبرز الأسباب التي تدفع الأطفال إلى التشرد، لافتةً إلى أن 49 في المائة من الأطفال المشردين أمضوا ما بين سنة وثلاث سنوات في الشارع، وهي مدة تزيد من احتمالية تعرضهم للعنف والاستغلال والحرمان من التعليم.

انتشار المخدرات

وذكرت إلهام قدوري، ناشطة حقوقية، أن الأطفال في العراق يواجهون تحديات متراكمة تهدد حاضرهم ومستقبلهم، مشيرة إلى أن الأوضاع التي شهدها البلد منذ عام 2003 تركت آثارا عميقة على الأسرة العراقية، وانعكست بصورة مباشرة على حياة الأطفال ونشأتهم.

وقالت قدوري، إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، وفي مقدمتها البطالة وارتفاع معدلات الجهل وانتشار الأمراض، أسهمت في خلق بيئة غير ملائمة لنمو الأطفال بشكل سليم، الأمر الذي أدى إلى تفاقم العديد من الظواهر السلبية، من بينها تزايد أعداد الأطفال المتسولين، ووقوع بعضهم تحت تأثير شبكات وعصابات تستغلهم، فضلاً عن ارتفاع معدلات التسرب من المدارس.

وأضافت أن انتشار المخدرات يمثل تحدياً آخر يهدد الأطفال والشباب، مؤكدة أن هذه العوامل مجتمعة تسهم في إنتاج جيل يفتقر إلى الاستقرار والرعاية الكافية، ما يجعله أكثر عرضة للانحراف والاستغلال من قبل الجماعات الإجرامية أو المتطرفة، وهو ما ينعكس سلباً على أمن المجتمع واستقراره.

وأوضحت قدوري، أن هذه التحديات تتقاطع مع القضايا القانونية المتعلقة بحقوق الطفل، ما يحتاج ملف الطفولة في العراق إلى معالجة شاملة تتجاوز الجوانب القانونية لتشمل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية.

وحذرت من أن استمرار الأوضاع الحالية من دون حلول حقيقية قد يؤدي إلى مستقبل أكثر صعوبة للأطفال، داعية إلى تعزيز دور الأسرة في متابعة الأبناء وتوفير بيئة آمنة لهم، إلى جانب سن وتطبيق قوانين تحمي الأطفال من مختلف أشكال العنف، مؤكدة أن العنف، بمختلف صوره، يترك اثارا خطيرة على الأطفال وقد يسهم في تغذية دوائر التطرف والانحراف.

وشددت في ختام حديثها على أهمية اضطلاع الدولة بمسؤولياتها في توفير التعليم المجاني والإلزامي، وضمان حصول جميع الأطفال على فرص تعليم متكافئة، باعتبار أن الاستثمار في التعليم هو السبيل لبناء جيل واعٍ ومثقف وقادر على الإسهام في بناء مستقبل العراق.

42 وحدة لحماية الطفل

وكان وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق، أحمد الأسدي، قد أعلن خلال العام الماضي عن توسيع برامج حماية الأطفال، مشيراً إلى شمول أكثر من 137 ألف طفل يتيم بالإعانات الاجتماعية، وصرف المنحة الطلابية لأكثر من 2.2 مليون طفل، وتوفير الضمان الصحي لأكثر من 177 ألف طفل، فضلاً عن افتتاح 42 وحدة لحماية الطفل في المحافظات وأكثر من 30 مدرسة للأيتام بالتنسيق مع الجهات المعنية.

التفكك والعنف الأسري

بلقيس الزاملي، باحثة اجتماعية، عدت "تشرد الأطفال" لم يعد ظاهرة مرتبطة بالفقر وحده، بل أصبح نتيجة لتراكم أزمات اجتماعية واقتصادية ونفسية، أبرزها التفكك الأسري والعنف داخل الأسرة والإدمان والبطالة وضعف الحماية الاجتماعية.

 وتؤكد الزاملي لـ"طريق الشعب"، أن كثيرا من الأطفال لا يختارون الشارع بإرادتهم وإنما يجدون انفسهم فيه بعد ان يفقدوا الشعور بالأمان داخل المنزل أو يعجز اهلهم عن تلبية احتياجاتهم الأساسية.

وتوضح الزاملي أن الشارع لا يعوض غياب الأسرة بل يتحول إلى بيئة تنتج مزيدا من المشكلات، إذ يتعرض الأطفال للاستغلال في التسول أو الأعمال الشاقة، كما يصبحون أكثر عرضة للعنف والانحراف والإدمان والاستغلال الجنسي، فضلا عن حرمانهم من التعليم والرعاية الصحية، وهو ما ينعكس على نموهم النفسي والاجتماعي ويؤثر في مستقبلهم.

وتضيف أن الواقع العراقي يشهد تزايدا في أعداد الأطفال الذين يقضون معظم أوقاتهم في الشوارع والأسواق والتقاطعات، في ظل محدودية دور الإيواء وضعف برامج إعادة التأهيل والدمج الأسري، مبينة أن التعامل مع هؤلاء الأطفال يجب أن يكون بوصفهم ضحايا يحتاجون إلى الرعاية والدعم، وليس باعتبارهم مشكلة أمنية.

دعم الأسر الفقيرة وتعزيز الإرشاد الأسري

وتؤكد الزاملي أن الحد من الظاهرة يتطلب معالجة أسبابها من جذورها، عبر دعم الأسر الفقيرة وتعزيز خدمات الإرشاد الأسري والنفسي وتفعيل دور المدارس في رصد حالات التسرب، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية إلى جانب تطبيق القوانين التي تحمي الأطفال من الإهمال والاستغلال.

وتشدد على أن إنقاذ طفل من الشارع لا يعني توفير مأوى له فقط، بل إعادة بناء حياته وإعادته إلى أسرته أو إلى بيئة آمنة تضمن له حقه في الطفولة والتعليم ومستقبل كريم.

تشديد العقوبات على شبكات التسول

تقول براء محمود، ناشطة ومدافعة عن حقوق الإنسان، إن تشرد الأطفال لا يعني فقدانهم للمأوى فحسب، بل هو حرمان متكامل من الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها الحق في الحماية والتعليم والرعاية الصحية والعيش في بيئة أسرية آمنة.

وتؤكد محمود لـ"طريق الشعب"، أن الشارع لا يمكن أن يكون بديلا عن الأسرة لأنه يعرّض الأطفال لمخاطر الاستغلال والعنف والانتهاكات، ويجعلهم أكثر عرضة للتسرب من التعليم والانخراط في أعمال خطرة أو غير قانونية، فضلا عن وقوعهم ضحايا لشبكات التسول المنظم والاتجار بالبشر والاستغلال الاقتصادي، وأحيانا استغلالهم في ترويج المخدرات أو ارتكاب أعمال إجرامية مستفيدين من هشاشتهم وصغر سنهم.

وتوضح أن الفقر والتفكك الأسري والعنف المنزلي وضعف الحماية الاجتماعية، إلى جانب البطالة والإدمان والنزوح، تعد من أبرز الأسباب التي تدفع الأطفال إلى الشارع، مشيرة إلى أن استمرار هذه العوامل، مع ضعف تطبيق القوانين وغياب استراتيجية وطنية شاملة لحماية الطفولة، أسهم في اتساع الظاهرة وتحولها إلى مشهد مألوف في عدد من المناطق.

وتضيف أن معالجة تشرد الأطفال تتطلب استجابة شاملة لا تقتصر على توفير المأوى، بل تشمل دعم الأسر الفقيرة وتمكينها اقتصادياً، وتعزيز خدمات الحماية الاجتماعية، وإعادة الأطفال إلى المدارس والحد من التسرب الدراسي، وتوفير برامج متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة الإدماج، وتفعيل القوانين التي تجرم استغلال الأطفال وتشديد العقوبات بحق شبكات التسول والاتجار بالبشر، مع تعزيز آليات الرصد والتدخل المبكر لحماية الأطفال قبل وصولهم إلى الشارع.

وتشدد محمود على أن حماية الأطفال المشردين مسؤولية مشتركة تقع على عاتق الدولة والمجتمع، وأن الاستثمار في الطفولة هو استثمار في أمن البلاد واستقرارها، مؤكدة أن إنقاذ طفل واحد من الشارع يعني إنقاذ مستقبل كامل، فيما إن استمرار إهمال هذه الفئة يهدد بإنتاج أجيال تعاني التهميش والحرمان، وتكون أكثر عرضة للانحراف والاستغلال، بما ينعكس سلباً على المجتمع بأسره.