تترقب أوساط سياسية ومجمعية الموعد الذي حددته الحكومة، لحسم ملف السلاح خارج إطار الدولة. وتتجه الأنظار إلى نهاية شهر أيلول بوصفها محطة مفصلية لاختبار قدرة الدولة على تنفيذ أحد أكثر الملفات الأمنية والسياسية تعقيداً.
يأتي ذلك في وقت تواصل فيه الهجمات بالطائرات المسيرة استهداف محيط مطار أربيل وقاعدة الحرير، ما يثير تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت الحكومة ستنجح في استكمال مسار حصر السلاح بالحوار والإجراءات القانونية، أم أن رفض بعض الفصائل الانصياع، سيقود إلى خيارات أمنية أكثر صرامة.
ويرى مختصون، أن "انتهاء مهمة التحالف الدولي المقررة في نهاية أيلول سيزيل أحد أبرز الذرائع التي استندت إليها بعض الفصائل للإبقاء على سلاحها، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على فرض احتكارها للقوة وترسيخ سيادة القانون، في ظل تحديات أمنية وسياسية واقتصادية تتداخل مع مستقبل الاستقرار وجاذبية البيئة الاستثمارية في العراق".
الاختبار الحقيقي
ويرى الأمين العام للبيت الوطني، حسين الغرابي، أن "مواجهة الدولة مع السلاح خارج إطارها لم تبدأ بعد"، مشيراً إلى أن الهجمات التي استهدفت مطار أربيل وعددًا من المنشآت الحيوية كانت مستمرة منذ أكثر من عام، إلا أن الحكومة الحالية حصلت، بحسب تقديره، على توافق سياسي من القوى المشكلة لها للمضي في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة.
ويشير في حديثه مع "طريق الشعب"، إلى ان "الموعد سيكون الفيصل الحقيقي لاختبار هذه المبررات باستمرار وجود القوات الأجنبية في العراق، لاسيما مع انتهاء مهمة قوات التحالف الدولي وتحول الوجود الأمريكي إلى إطار استشاري، ما يضع الحكومة أمام اختبار حاسم بشأن قدرتها على فرض احتكار الدولة للسلاح".
ونبه الغرابي الى ان "معلومات تتداول عن موضوع تسليم جزء من الفصائل أسلحتها الى الجيش العراقي، اقتصرت على الأسلحة الخفيفة، مع بقاء بعض الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة والصواريخ خارج إجراءات التسليم". لذلك يرى أن "الحكومة مطالبة، بعد انتهاء ايلول، باتخاذ خطوات عملية تجاه الفصائل التي ترفض الانصياع لقرارات الدولة"، لافتاً إلى أن احتمال وقوع صدام أمني أو عسكري يبقى قائماً إذا استمر رفض تسليم السلاح.
ويصف الغرابي هذه المواجهة بأنها كانت مؤجلة منذ سنوات، لكنها قد تصبح أمرًا لا مفر منه إذا استمر وجود السلاح خارج سلطة الدولة.
ويؤكد أن الدولة العراقية تمتلك الإمكانات العسكرية والأمنية الكافية لتنفيذ عمليات حصر السلاح، سواء من خلال قواتها المسلحة أو أجهزتها الأمنية والاستخبارية، مشيرًا إلى أن المؤسسات المختصة تمتلك معلومات دقيقة عن أماكن وجود الأسلحة ومواقع الفصائل وأسماء قادتها، الأمر الذي يجعل تنفيذ أية إجراءات أمنية محتملة قائمًا على معلومات ميدانية واضحة.
ويشدد على أن العراق بحاجة إلى ترسيخ مفهوم الدولة ومؤسساتها، وإنهاء ظاهرة الجيوش والقوى الأمنية الموازية، معتبرا أن استمرار تعدد مراكز القوة والقرار لم يعد أمرا يمكن القبول به، وأن حصر السلاح بيد الدولة يمثل خطوة أساسية لبناء دولة مستقرة وقادرة على فرض القانون.
التأجيل يعقد المواجهة
من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، علي أغوان، أن الحكومة العراقية اعتمدت خطة متدرجة لمعالجة ملف السلاح خارج إطار الدولة، تبدأ بالضغط الأمني عبر إقناع الجماعات المسلحة بتسليم أسلحتها، سواء من خلال عمليات التفتيش، أو إخلاء بعض المواقع، أو التوصل إلى تفاهمات سياسية معها.
ويضيف اغوان في حديثه مع "طريق الشعب"، أن المرحلة التالية قد تتضمن إصدار مذكرات قبض أو إجراءات قضائية بحق بعض قادة تلك الجماعات أو المسؤولين عن مقراتها، بما يضيق من مساحة حركتها، وصولًا إلى تنفيذ إجراءات أمنية مباشرة، وربما عمليات عسكرية محددة، لوقف ما وصفه بالعبث الذي يطال مقدرات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
وبشأن تكرار استهداف مطار أربيل وقاعدة الحرير وعدد من المواقع الأخرى، يعتقد أغوان أن "هذه الهجمات تنسجم مع طبيعة التصعيد الإقليمي والضربات الموجهة إلى إيران".
ويؤكد أن مسؤولية الدولة العراقية تتمثل في فرض الأمن وترسيخ الاستقرار ومنع تكرار هذه الاعتداءات، بما يهيئ البيئة اللازمة لتنفيذ الاتفاقيات التي أبرمتها الحكومة مع الولايات المتحدة، ولا سيما في الجوانب الاقتصادية والاستثمارية، لافتًا إلى أن جذب الاستثمارات يتطلب بيئة آمنة ومستقرة.
وفي ما يتعلق بإمكانية مواجهة الجماعات التي ترفض تسليم سلاحها، يرى أغوان أن الملف “يحتاج إلى عملية جراحية”، محذرًا من أن تأجيل الحسم سيجعل المواجهة أكثر تعقيدًا في المستقبل.
ويشير إلى أن هذا الملف كان من الممكن معالجته بعد عام 2017، إلا أن اعتبارات سياسية مرتبطة بانتهاء الحرب على الإرهاب حالت دون ذلك.
ويضيف أن الذريعة الثانية التي استندت إليها تلك الجماعات، والمتمثلة بوجود القوات الأمريكية، ستفقد مبررها مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وتحول الوجود الأمريكي إلى مهمة استشارية، الأمر الذي يعني، من وجهة نظره، انتفاء الأسباب التي كانت تُستخدم لتبرير استمرار السلاح خارج سلطة الدولة.
وعن إعلان بعض الفصائل تخليها عن السلاح أو فك ارتباطها السياسي، يوضح أغوان أن الحكم على جدية هذه الخطوات لا يكون بالتصريحات، وإنما من خلال اختبارات عملية، أبرزها تراجع تأثير تلك الجماعات في الملفات الاقتصادية والسياسية والانتخابية، وانحسار قدرتها على التأثير في القرارات العامة أو توظيف السلاح لتحقيق مكاسب انتخابية، معتبرًا أن هذه المؤشرات هي المعيار الحقيقي لمعرفة ما إذا كان تسليم السلاح قد تم بصورة فعلية أم أنه مجرد إجراء شكلي.