اخر الاخبار

هل يدرك العراقيون الأهمية الاستراتيجية لبلادهم؟

في سياق الاهتمام الإعلامي بزيارة رئيس الحكومة العراقية إلى واشنطن، وما تنتظره العلاقات الأمريكية العراقية من تطورات، ربما تكون عميقة، نشر موقع The Conversation دراسة للباحث جون كالابريس، ذكر فيها أن الزيارة تعد المحطة الأولى - وربما الأهم - في مسعى أوسع نطاقاً لإضفاء الشرعية الداخلية على حكومة الزيدي، وجذب الاستثمارات الأجنبية، فضلاً عن تعزيز مكانة العراق في الشرق الأوسط. ولهذا، يتوقع أن تُستكمل بزيارات أخرى إلى قطر والسعودية وتركيا وسوريا.

لعبة التوازن

وأضاف الباحث أن بغداد تأمل، إلى جانب سعيها لتوثيق العلاقات مع واشنطن، في الحفاظ على علاقاتها التاريخية مع طهران، في ظل تجدد المواجهة الأمريكية الإيرانية والصدمة الاقتصادية الناجمة عن الاضطرابات في مضيق هرمز. وقد يتسع هامش التفاؤل ليصبح العراق جسراً يربط بين البلدين، وربما مضيفاً للمفاوضات الإيرانية الأمريكية، مما سيساعد على ترسيخ مكانته في هذه المنطقة الحساسة.

واستدرك الباحث بالقول إن التنظيم الدقيق للزيارة، وما تضمنته من قمة أعمال رفيعة المستوى واجتماعات مع مسؤولين تنفيذيين أمريكيين في قطاع الطاقة في هيوستن، يعكس رغبة واشنطن في إدخال العراق بوصفه عنصراً أساسياً وحلقة وصل في الاستراتيجية الإقليمية الجديدة التي ستنفذها الولايات المتحدة في المنطقة، والتي ستركز على تفعيل شبكات الطاقة والتجارة والاستثمار في البنية التحتية.

أهمية العراق في مجرى الصراع

ورأى الباحث أن الأهمية المتزايدة للعراق كمركز محتمل للدبلوماسية والتجارة تتزامن مع إعادة تشكيل التوازن الإقليمي وتفكك شبكة النفوذ الإيرانية التقليدية، بعد سقوط النظام السوري، وتدهور قوة حلفاء إيران، مما يمنح العراق منصةً بالغة الأهمية للتنسيق العسكري والدبلوماسية الإقليمية والترابط الاقتصادي. وتوصلت الدراسة إلى أن زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة أكدت أن واشنطن تعيد تقييم دور العراق في وقتٍ ينحو فيه جميع الفاعلين الإقليميين الرئيسيين، تقريبًا، المنحى نفسه. فقد عززت إيران ودول الخليج العربي والصين علاقاتها مع بغداد، سعياً إلى تحقيق أهداف مختلفة، وإقراراً منها بما للعراق من أهمية استراتيجية استثنائية.

وتتمثل إعادة التقييم الأمريكية في استبدال مهمة مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار العسكري بشراكة أوسع، جسدتها الاتفاقيات الاقتصادية الجديدة في قطاع الطاقة، وتحديث البنية التحتية، وتوسيع استثمارات القطاع الخاص، مع بقاء التعاون الأمني.

بعيداً عن الدور الأمريكي

وبالنسبة إلى طهران، يُمثّل العراق، كما رأى الكاتب، محوراً أساسياً لاستراتيجيتها الإقليمية، في وقتٍ تواجه فيه بيئة أكثر صعوبة في أماكن أخرى. فهو يوفر لها منطقة عازلة استراتيجية، وعلاقات تجارية واسعة، وممراً حيوياً يربطها بشركائها في بلاد الشام. ومع تزايد الضغوط على حلفاء طهران الإقليميين، أصبح الحفاظ على موقعها في العراق أكثر أهمية.

وبالمثل، أعادت دول الخليج العربي تقييم نهجها. ورغم المخاوف الأمنية المرتبطة بعلاقة العراق بإيران، تنظر السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول الخليج الأخرى إلى مسار بغداد بوصفه فرصة للتعاون من خلال الاستثمار والبنية التحتية والتكامل الاقتصادي.

دور الصين

وذكر الباحث أن دور الصين يعكس بُعدًا آخر لأهمية العراق. فمع تحوّل بغداد إلى ساحة متزايدة الأهمية للمنافسة الجيوسياسية والتجارية، ستحتاج الشركات الصينية إلى التنافس بقوة أكبر على العقود، وستواجه بكين حوافز أكبر لتعميق انخراطها في العراق للحفاظ على نفوذها. كما أن العراق المستقر والقادر على تحقيق النمو الاقتصادي يُعدّ، بحد ذاته، ذا قيمة لبكين، بوصفه شريكاً موثوقاً في مجال الطاقة، ومركزاً محتملاً للترابط الإقليمي الأوسع.

موقع هام .. ولكن!

ووجد الكاتب أن ما يميز العراق ليس موقعه الجغرافي فحسب، بل التداخل غير المألوف في العلاقات، الذي لا تمتلكه سوى قلة من دول الشرق الأوسط، وهو ما يمنحه خصائص "الدولة الوسيطة"، أي الدولة التي تستمد نفوذها من قدرتها على البقاء في اتصال مع شبكات سياسية واقتصادية وأمنية متنافسة، والمساهمة في تشكيل آلية تفاعل هذه الشبكات.

ويعتمد نجاح بغداد في استثمار هذه الميزات على معالجة جملة مشاكل، منها هيمنة شبكات المحسوبية والفساد، وتعدد مصادر القرار، والفوضى التي يُدار بها الاقتصاد الداخلي، وضغوط القوى المتنافسة لتوجيه مسار البلاد وفق مصالح تحالفاتها الإقليمية والخارجية، واستمرار الحرب، وسعي المتصارعين لزج بغداد في أحد الخندقين المتقابلين. وعموماً يبقى تحويل الأهمية الاستراتيجية إلى قوة وطنية دائمة مرتبطاً بقدرة المؤسسات على إدارة الصراع والاستفادة من العلاقات الخارجية الداعمة.