اخر الاخبار

في وقت تتصاعد فيه حدة المواجهة الإقليمية وتتسع دائرة الاستهدافات المتبادلة، عاد العراق إلى واجهة الصراع بعد الاعتداءات التي طالت مواقع تابعة للحشد الشعبي في عدد من المحافظات، وما أعقبها من تداعيات سياسية وأمنية، تنتظر حسم ملف السلاح خارج إطار الدولة، وتمكين الحكومة من حماية السيادة ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً لعمليات عسكرية ضد دول الجوار.

وأدى التصعيد العسكري إلى تعليق زيارة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي إلى الرياض، فيما برزت دعوات سياسية إلى تحييد العراق وتجنيبه الانزلاق إلى حرب جديدة، وسط تحذيرات من أن استمرار غياب الاحتكار الكامل لقرار السلم والحرب قد يحول البلاد مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات.

وفي ظل تضارب الروايات بشأن الجهات المسؤولة عن الهجمات التي سبقت الضربات العسكرية الاخيرة، تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيقات الرسمية، وإلى قدرة الدولة على فرض سلطتها وحصر السلاح بيد مؤسساتها الدستورية، بما يحفظ أمن المواطنين ويمنع تعريض العراق لمزيد من الاستهداف والتصعيد.

وشهدت العلاقات العراقية السعودية توترا، إثر الغارات الجوية المشتركة التي نفذتها القوات الأمريكية والسعودية فجر الأربعاء، ضد مواقع تابعة للحشد الشعبي في 7 محافظات عراقية. وجاءت هذه الضربات رداً على اتهام الرياض لفصائل عراقية بإطلاق أكثر من 30 طائرة مسيّرة استهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية والرياض على مدار الأيام الماضية.

وقبل وقوع الاستهداف بـ 48 ساعة، كان الزيدي قد وجّه الأجهزة الأمنية بفتح تحقيق عاجل وفوري للتحقق من الأدلة والاتهامات السعودية بشأن انطلاق المسيّرات من الأراضي العراقية. واعتبرت أوساط سياسية عراقية أن لجوء الرياض لخيار القصف المباشر يمثّل تسرعا وتجاوزاً لنتائج هذا التحقيق الرسمي وإجهاضاً لجهود الدبلوماسية العراقية لتطويق الأزمة

وتبيّن التطورات الأخيرة أن عجز الدولة الكامل عن ضبط ملف "السلاح المنفلت" يجعل من العراق ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. إذ أن تكرار إطلاق الصواريخ والمسيّرات عبر الحدود يعطي الدول المجاورة ذريعة لتنفيذ ضربات داخل العمق العراقي تحت بند "حق الدفاع عن النفس"، مما يقوّض السيادة الوطنية ويعرض المنشآت الرسمية للخطر.

الصدر يدعو إلى تحييد العراق

ودعا زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، أمس الأربعاء، الحرس الثوري الإيراني والفصائل المسلحة إلى عدم إقحام العراق في الصراع الإقليمي، مطالباً الحكومة العراقية بفرض سيادة الدولة، وضبط الأمن، وحماية البلاد من تداعيات التصعيد العسكري المتصاعد في المنطقة.

وقال الصدر، في بيان، إن العراق يمثل “أرض المقدسات”، داعياً الحرس الثوري الإيراني إلى عدم استهداف الأراضي العراقية، ما دامت لا تُستخدم منطلقاً لشن هجمات ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

كما طالب ما وصفها بـ“الميليشيات المنفلتة” بعدم القيام بأي أعمال قد تمنح دول الخليج العربي ذريعة لاستهداف العراق أو توسيع نطاق المواجهة على أراضيه.

وأكد الصدر ضرورة تحلي جميع الأطراف بـ“روح الأخوة والسلام”، والابتعاد عن الانجرار إلى ما وصفه بـ“مخططات العدو الصهيوأميركي”، الهادفة إلى دفع الأطراف نحو الاقتتال والتناحر، محذراً من أن استمرار التصعيد قد يجر العراق إلى مواجهات جديدة لا تخدم مصالح شعبه ولا أمنه واستقراره.

واستنكر استهداف الأراضي العراقية من قبل مختلف الدول والجهات، كما انتقد ما وصفها بـ“أفعال الميليشيات”، التي قال إنها تسهم في جر العراق إلى حرب “لا طائل منها”، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى الاستقرار وتجنب المزيد من الصراعات.

كما دعا إلى توخي الحذر من تحركات “خلايا الإرهاب النائمة” داخل البلاد وخارجها، معتبراً أنها قد تستغل الخطابات والانقسامات الطائفية لزعزعة الأمن وإثارة الفوضى.

واختتم الصدر بيانه بالتأكيد على أهمية تعزيز السلام مع دول الجوار، والابتعاد عن القواعد العسكرية والتطبيع والهيمنة الاستعمارية، بما يحفظ سيادة العراق ويصون مصالحه الوطنية.

"أنصار الله" تتبنى قصف السعودية

من جهته، اتهم عضو المكتب السياسي في جماعة "أنصار الله" اليمنية، الحوثيين، عبدالله النعمي، السعودية بمحاولة تحميل فصائل الحشد الشعبي مسؤولية هجمات لم تنفذها، واصفاً موقف الرياض بـ"المرتبك والضعيف".

وقال النعمي، إن الحشد الشعبي نفى في أكثر من مناسبة تنفيذ هجمات ضد السعودية، فيما أعلنت جماعة "أنصار الله" بصورة واضحة مسؤوليتها عن عمليات سابقة استهدفت موانئ ومنشآت سعودية، بينها مواقع في ينبع وجيزان.

وأضاف أن السعودية "لا تريد الاعتراف" بتبني الجماعة لتلك العمليات، واتهمها بالبحث عن "أعداء وهميين" في المنطقة، نتيجة ما وصفه بحالة من التخبط والارتباك.

العراق ليس ساحةً لحروب الآخرين

من جانبه، أعرب التيار الديمقراطي العراقي عن قلقه البالغ إزاء التصعيد العسكري الأخير الذي طال الأراضي العراقية، وما رافقه من استهداف مواقع تابعة للحشد الشعبي، مجدداً دعوته إلى تحييد العراق وإبعاده عن الصراعات الإقليمية والدولية، ومنع تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.

وقال المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي، في بيان تلقته "طريق الشعب"، إن التيار أكد منذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة موقفه الثابت الرافض لزج العراق في أتون النزاعات، مشدداً على أن الشعب العراقي سيكون المتضرر الأول من أي مواجهة لا تخدم مصالحه الوطنية ولا تراعي أمن البلاد واستقرارها.

وحذر البيان من أن استمرار استخدام الأراضي العراقية منطلقاً أو ساحة للعمليات العسكرية يعرّض سيادة العراق وأمنه واستقراره لمخاطر جسيمة، ويزيد احتمالات انزلاق البلاد إلى صراع لا مصلحة للعراقيين فيه.

ودان التيار الديمقراطي جميع الانتهاكات التي تستهدف السيادة العراقية، مؤكداً أن حماية البلاد وصون استقلال قرارها يتطلبان بناء دولة قوية وقادرة، تحتكر استخدام القوة، وتحصر السلاح بيد مؤسساتها الدستورية، بما يضمن أن يكون قرار السلم والحرب من صلاحيات الدولة وحدها، ووفقاً للدستور والمصلحة الوطنية العليا.

ودعا البيان الحكومة العراقية إلى تبني موقف وطني مسؤول يحفظ سيادة البلاد، ويمنع استخدام الأراضي أو الأجواء العراقية في أي أعمال عسكرية، إلى جانب تفعيل القنوات الدبلوماسية والقانونية، والعمل على تجنيب العراق مزيداً من التصعيد والتوتر.

وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب التحلي بأعلى درجات الحكمة والمسؤولية الوطنية، وتغليب مصلحة العراق على مختلف الاعتبارات الأخرى، فضلاً عن تعزيز وحدة الصف الداخلي، بما يسهم في حماية أمن المواطنين والحفاظ على سيادة الدولة واستقرارها.

وقدم المكتب التنفيذي للتيار الديمقراطي في بيانه، التعازي إلى ذوي ضحايا الأحداث، متمنياً الرحمة والمغفرة لشهداء العراق والشفاء العاجل للجرحى.

قرار السلم والحرب بيد من؟

وفي السياق، أكد الخبير الأمني صفاء الأعسم أن الاعتداءات الأخيرة وما تبعها من تطورات تعكس "مؤشراً خطيراً على هشاشة المشهد الأمني في العراق"، مبيناً أن غياب الاحتكار الكامل لقرار السلم والحرب من قبل الدولة أسهم في زج العراق ضمن دائرة الصراع الإقليمي.

وقال الأعسم في تعليق لـ"طريق الشعب"، إن المزاعم التي تحدثت عن انطلاق الهجمات من الأراضي العراقية جاءت في وقت لم يصدر فيه أي تبنٍ رسمي من الفصائل المسلحة داخل العراق، لافتاً إلى أن الحكومة العراقية كانت تستعد لزيارة رسمية إلى المملكة العربية السعودية، الأمر الذي يجعل من الضروري انتظار نتائج التحقيقات قبل اتخاذ أي مواقف أو إجراءات.

وأضاف أن الرد على تلك الادعاءات، والذي استهدف مواقع في عدة محافظات، وأسفر عن عشرات الضحايا بين شهيد وجريح، يعكس خطورة المرحلة الحالية، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد ينعكس سلباً على علاقات العراق مع دول الجوار ويفتح الباب أمام مزيد من التصعيد الإقليمي.

وأشار إلى أن إعلان الجانب السعودي موقفه قبل انتهاء التحقيقات العراقية يثير تساؤلات بشأن عدم منح بغداد الوقت الكافي لاستكمال إجراءاتها وكشف ملابسات الحادث، معتبراً أن التريث كان سيمنح فرصة لمعالجة الأزمة عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، ولا سيما مع اقتراب موعد الزيارة الرسمية لرئيس مجلس الوزراء إلى الرياض.

ولفت الأعسم إلى أن بيان زعيم التيار الوطني الشيعي السيد مقتدى الصدر، الذي دعا إلى عدم التدخل في الشأن العراقي، وحمّل الحرس الثوري الإيراني مسؤولية ما جرى، قد يسهم في تهدئة الأوضاع إذا ما جرى استثمار المواقف السياسية باتجاه احتواء الأزمة.

وبيّن أن العراق يقف أمام مرحلة مفصلية، خاصة مع اقتراب انتهاء المهلة المحددة لوجود القوات الأجنبية على الأراضي العراقية، موضحاً أن بعض فصائل المقاومة كانت قد أعلنت في أكثر من مناسبة أن انتهاء هذا الوجود سيفضي إلى حصر السلاح بيد الدولة، باعتبار أن استمرار نشاطها ارتبط بوجود القوات الأجنبية، فضلاً عن طبيعة ارتباطها بمحور المقاومة والدعم اللوجستي الذي تتلقاه من إيران.

وختم الأعسم بالقول إن التعامل مع الأزمة كان يتطلب قدراً أكبر من التريث، محذراً من أن أي خطوات متسرعة قد تترك تداعيات سلبية على العراق، سواء على مستوى أمنه الداخلي أو علاقاته الإقليمية.

وكان الزيدي أعلن خلال زيارته لواشنطن عن وضع حد زمني نهائي ينتهي في أواخر أيلول 2026، لإنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة. ومع ذلك، فإن فرص الالتزام بهذه المهلة تبدو غير سلسة، لأن الضربات السعودية، منحت الفصائل ذريعة سياسية وشعبية للمطالبة بـ "الرد العسكري" والتمسك بسلاحها بذريعة حماية البلاد.

حصر السلاح وتعزيز سلطة الدولة

وعدّ الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي، الاستهدافات الأخيرة التي طالت مواقع داخل العراق، وما سبقها من هجمات استهدفت دولاً مجاورة انطلاقاً –بحسب الاتهامات– من الأراضي العراقية، "تطوراً بالغ الحساسية والخطورة، وتكشف حجم التعقيدات الأمنية والسياسية التي تواجهها الدولة العراقية".

وقال التميمي لـ"طريق الشعب"، إن الحكومة لا تزال تجري تحقيقات بشأن تلك الحوادث، في ظل تبادل للاتهامات حول الجهات المسؤولة عنها، مشيراً إلى أن الملف لم يعد شأناً داخلياً فحسب، إذ أصبح جزءاً من صراع إقليمي متشابك تتداخل فيه أطراف ومصالح متعددة، الأمر الذي يجعل معالجته تتجاوز قدرة الحكومة وحدها.

وأضاف أن الأزمة تفرض على القوى السياسية، ولا سيما الأطراف المؤثرة في المشهد الأمني، بلورة موقف واضح يدعم حصر السلاح بيد الدولة، ويعزز سلطة القائد العام للقوات المسلحة، بما يسهم في منع انزلاق العراق اكثر في الصراع الإقليمي، الذي لا تخدم مصالحه الوطنية.

ورأى أن الضربات السعودية الأخيرة زادت من تعقيد المشهد الأمني والسياسي، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً متسارعاً، مؤكداً أن العراق يبقى الطرف الأكثر عرضة لتداعيات هذا الصراع بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الإقليمية، فضلاً عن محدودية قدرته على احتواء جميع التطورات الأمنية بمفرده.

وفي ما يتعلق بتزامن الضربات مع الزيارة التي كانت مقررة لرئيس مجلس الوزراء إلى المملكة العربية السعودية، أشار التميمي إلى تعدد الروايات والتفسيرات بشأن توقيت تلك الأحداث، مؤكداً أن حسم المسؤوليات يبقى مرهوناً بنتائج التحقيقات الرسمية، وأن إصدار استنتاجات نهائية في هذه المرحلة سيكون سابقاً لأوانه.

وشدد على أهمية أن تفضي التحقيقات العراقية إلى نتائج مهنية وموثوقة تحظى بالقبول لدى مختلف الأطراف، بما يسهم في احتواء الأزمة ومنع انعكاساتها على علاقات العراق الإقليمية، ولا سيما مع دول الخليج التي تمثل شريكاً مهماً لبغداد في عدد من الملفات الاقتصادية والاستثمارية.

وشدد التميمي على أهمية حماية الاستقرار الداخلي وتحييد البلاد عن الصراعات الإقليمية، لافتاً إلى أن المواطنين يترقبون معالجة التحديات الاقتصادية والمعيشية، وفي مقدمتها ضمان الاستقرار المالي والوفاء بالالتزامات الحكومية، بعيداً عن تداعيات الأزمات الأمنية والسياسية.