اخر الاخبار

يواصل القطاع الصناعي العراقي تراجعه منذ أكثر من عقدين، وسط إغلاق مئات المصانع وتوقف آلاف خطوط الإنتاج، في ظل منافسة السلع المستوردة وغياب الحماية للمنتج المحلي، وضعف الدعم الحكومي وتراكم مشكلات الفساد وسوء الإدارة.

يقول مختصون أن استمرار هذا الواقع حرم عشرات اللاف من فرص العمل، وأضعف قدرة الصناعة الوطنية على الإسهام في تنويع الاقتصاد، مؤكدين أن إنقاذ هذا القطاع يتطلب إصلاحات جذرية تتجاوز الوعود إلى تنفيذ سياسات حقيقية لإعادة تشغيل المصانع ودعم الإنتاج المحلي.

فساد منهجية التفكير الإداري

يرى عامر الجواهري، الخبير في التنمية والاستثمار، أن تراجع القطاع الصناعي بعد عام 2003 لم يكن حدثاً مفاجئاً أو وليد تلك المرحلة وحدها، بل نتيجة مسار طويل من الإهمال والضعف بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يتفاقم بصورة أكبر بعد التغيير السياسي وفتح الأسواق على نحو غير منظم.

ويقول الجواهري، الذي واكب القطاع الصناعي منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وعمل في وزارة الصناعة خلال التسعينيات، إن المؤشرات المبكرة للتراجع كانت واضحة منذ ذلك الوقت، إذ شهدت المؤسسات الصناعية استمرار تقادم المعدات وتهالك البنى الإدارية، من دون أن يقابل ذلك أي تطوير حقيقي أو تحديث لآليات الإنتاج، فضلاً عن غياب البحث والتطوير والتوسع في الطاقات الإنتاجية.

ويضيف في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن ما جرى بعد عام 2003 عمق الأزمة بشكل كبير، إذ اتجهت السياسات العامة، بحسب وصفه، إلى إضعاف الصناعة الوطنية بدل إنعاشها. فالعراق فتح أسواقه بالكامل أمام السلع المستوردة من دون حماية كافية للمنتج المحلي، في وقت لم يحظَ فيه القطاع الخاص الصناعي بالدعم أو التمكين اللازمين لممارسة دوره، بل واجه على العكس، عراقيل متزايدة وتحديات مركبة حدّت من قدرته على العمل والاستمرار.

ويشير الجواهري إلى أن جزءا من هذه التحديات كان مرتبطا بظروف موضوعية، مثل أزمة الكهرباء وغياب المنهجية الإدارية الواضحة في إدارة الموارد البشرية والمؤسسات، إلا أن العامل الأكثر تأثيرا، برأيه، كان تصاعد مستويات الفساد بعد 2003، سواء الفساد المالي أو الإداري أو حتى ما يسميه بـ"فساد منهجية التفكير الإداري"، وهو ما انعكس سلباً على أداء القطاع الصناعي وإمكانات إصلاحه.

ويحمل الجواهري الجهات المسؤولة عن إدارة الملف الصناعي، وفي مقدمتها وزارة الصناعة والمعادن، جزءاً كبيراً من مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، لافتاً إلى أن الوزير هو من يدير هذا القطاع عملياً، وهو أيضاً من يترأس مجلس التنسيق الصناعي، ما يعني أن القرارات والسياسات المرتبطة بالصناعة تنطلق من هذا الموقع بشكل مباشر. ويؤكد أن الخلل لا يقتصر على ضعف الإمكانات، بل يمتد إلى طبيعة الإدارة نفسها، مستشهداً بتصريحات سابقة لبعض وزراء الصناعة الذين تحدثوا عن شركات الوزارة بوصفها خاسرة من دون تقديم قراءة دقيقة لأسباب الخسائر أو حجم الأرباح الممكنة أو آفاق المعالجة.

وبحسب الجواهري، فإن هذه المنهجية أسهمت في وقف إمكانيات التطوير، وأدت إلى تعطيل قطاع يتميز أصلاً بقدرته على خلق سلاسل قيمة واسعة ومتشابكة أفقياً وعمودياً، بما ينعكس على تشغيل الأيدي العاملة وتقليل البطالة وفتح المجال أمام رواد الأعمال والمستثمرين الصغار والحرفيين. فالصناعة، من وجهة نظره، ليست مجرد معامل تنتج سلعة، بل منظومة اقتصادية متكاملة قادرة على تحريك قطاعات عديدة وتوليد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة. ولذلك، فإن تراجعها يعني بالضرورة تراجع فرص التشغيل واتساع الاعتماد على النشاط التجاري والاستهلاك بدلاً من الإنتاج.

ضرورة تنشيط مجلس التنسيق الصناعي

وفي حديثه عن الحلول، يدعو الجواهري إلى إعادة تنشيط مجلس التنسيق الصناعي على أسس مختلفة، تقوم على إشراك ممثلي القطاع الخاص الصناعي في رسم السياسة الصناعية منذ مرحلة التخطيط وحتى التنفيذ، بحيث يكون هذا القطاع شريكاً فاعلاً لا مجرد متلقٍ للقرارات. كما يشدد على ضرورة توافر الإرادة والقدرة والتمكين، لكن ضمن إدارة حقيقية للملف الصناعي تتجاوز الوعود إلى التنفيذ والمتابعة والمحاسبة.

ويلفت إلى أن حجم المعاناة التي يعيشها الصناعيون بات واضحا من خلال احتجاجات وتحركات غرف الصناعة في عدد من المحافظات، من الموصل إلى الناصرية، ما يعكس وجود أزمة ممتدة من شمال البلاد إلى جنوبها، سببها كثرة التعهدات الحكومية غير المنفذة.

ويخلص الجواهري الى أن إنقاذ الصناعة يتطلب تغييرا جذريا في الإدارات واليات العمل، وربط هذا المسار بجهود مكافحة الفساد الجارية في البلاد، لأن أي حديث عن نهوض صناعي، من دون معالجة الفساد المالي والإداري وفساد التفكير الإداري، سيبقى مجرد كلام يتكرر مع كل حكومة جديدة وكل وزير جديد يبدأ من نقطة الصفر.

أين هويتنا الصناعية؟

وفي السياق، اشار الخبير الصناعي عبد الحسن الشمري الى ان المصانع في العراق تعرضت إلى "تخريب كبير، سواء من خلال القوانين التي وضعتها الدولة أو بسبب عدم متابعة الدولة للمعامل والمصانع الكبيرة والصغيرة والمتوسطة".

وقال الشمري لـ"طريق الشعب"، أن واقع الصناعة في العراق يكشف تراجعا واضحا، مشيرا إلى أن زيارة أي منطقة صناعية في بغداد تظهر حجم هذا التراجع، إذ تبدو المناطق الصناعية فارغة من العمال ورؤوس الأموال والصناعيين.

وأضاف أن البضاعة الأجنبية التي تدخل إلى العراق غالبا ما تكون رديئة، لكنها في الوقت نفسه رخيصة الثمن، ما يجعلها منافسا كبيرا للمنتج العراقي، لافتا إلى وجود مشكلة في البيع والشراء أثرت بشكل مباشر على الصناعة المحلية.

وأكد الشمري أن الحكومة مطالبة بتغيير سياستها بما يصب في مصلحة الإنتاج الوطني، لأن أي دولة يجب أن تكون لها هوية في الصناعة التي تقوم بها.

وبين أن الصناعة في العراق شهدت تراجعا مستمرا منذ عام 2003 وحتى الآن، مشيرا إلى أن أغلب المعامل المسجلة في التنمية الصناعية واتحاد الصناعات متوقفة عن العمل.

ديالى.. 60 ألف عامل فقدوا مصادر رزقهم

أما الناشط العمالي في محافظة ديالى، سجاد مغامس، فيؤكد ان القطاع الصناعي في محافظته تعرض لانهيار بعد تحول أكثر من 400 معمل ومنشأة صناعية إلى خردة حديد، ما تسبب بفقدان 60 ألف عامل لمصادر رزقهم.

ويقول مغامس في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن تلك المصانع كانت تنتج أكثر من 100 منتج متنوع يلبي احتياجات الأسواق، إلا أن توقفها انعكس سلباً على الواقع الاقتصادي والاجتماعي في المحافظة، وزاد من معدلات البطالة والفقر.

ويضيف لـ"طريق الشعب"، أن من أبرز أسباب تراجع الصناعة مرتبط بغياب حماية المنتج المحلي، وانتشار المنافذ غير الرسمية، والفساد الإداري، وضعف الدعم الحكومي للقطاع الصناعي الخاص، فضلا عن نقص المشتقات النفطية، ولا سيما مادة الكاز اللازمة لتشغيل المولدات وغياب القروض الداعمة للمشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب ضعف البنية التحتية.  ويرهن إعادة احياء المصانع بـ"تنفيذ قرارات دعم القطاع الصناعي على أرض الواقع، وتوفير الوقود وحماية المنتج المحلي وتسهيل الإجراءات الإدارية بما يسهم في إعادة تشغيل المعامل وخلق فرص عمل جديدة".