تتسع دائرة الاحتجاجات في عدد من المحافظات، مع استمرار تراكم المطالب المعيشية والاقتصادية والخدمية، من مستحقات الفلاحين والرواتب المتأخرة وفرص العمل والتعيينات، إلى الكهرباء والسكن والصناعة والخدمات. فيما تواجه قطاعات واسعة من المحتجين إجراءات أمنية تتراوح بين التضييق والمنع والملاحقة والاعتقال، وصولاً إلى استخدام القوة في تفريق بعض التظاهرات.
وفي مقابل اتساع المطالب وتنوع الجهات المحتجة، تبرز مخاوف متزايدة من تحول التعامل مع الاحتجاجات من الاستجابة للمشكلات ومعالجة أسبابها إلى مقاربتها بوصفها ملفاً أمنياً، الأمر الذي يفاقم الاحتقان ويعمق فجوة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وبينما تتواصل الدعوات إلى تظاهرات جديدة خلال الأيام المقبلة، تؤكد القوى المدنية والنقابية والشبابية أن الاحتجاج السلمي حق دستوري ووسيلة مشروعة للمطالبة بالحقوق، وأن معالجة الأزمات لا تكون بمحاصرة المتظاهرين أو ملاحقتهم، وإنما بالاستماع إلى مطالبهم ووضع حلول فعلية للمشكلات المتراكمة.
قمع وتنكيل
وقال الرفيق علي صاحب ، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، ان ممارسات قوى السلطة في التعامل مع الاحتجاجات تندرج في خانة القمع والتنكيل، معتبرا ان مشاهد ملاحقة القوات الامنية للمتظاهرين في ناحية الطار جنوب الناصرية، ومنع الخريجين القدامى من دخول العاصمة بغداد، تمثل مشاهد للقمع والتضييق على الحريات.
وقال صاحب "ان استخدام القوات الامنية لمنع الاحتجاجات السلمية، تكرر في مناسبات عدة، وهي باتت وسيلة مرفوضة لمنع تنظيم احتجاجات مركزية في بغداد، حيث تسخر القوات الامنية لهذا الغرض، بما يمثل انحرافا عن الوظيفة الطبيعية لها، وتحويلا للمطالب الاجتماعية والاقتصادية الى قضايا امنية".
واضاف ان الاحتجاج ليس مشكلة امنية، بل هو نتيجة لمشكلة اجتماعية او اقتصادية قائمة، مبينا ان مواجهة العامل او الموظف الذي يطالب بأجره او بحقه بالقوة، بدلا من معالجة اسباب احتجاجه، تعني ان الحكومة والقوى الداعمة لها اختارت مواجهة النتائج وترك جذور الازمة.
واشار الرفيق علي صاحب الى ان قيام مؤسسات الدولة بمنع المواطنين من التعبير عن مطالبهم، يحول تلك المؤسسات يفترض ان تكون في خدمة المجتمع الى ادوات لحماية مصالح السلطة والفئات المستفيدة منها، مؤكدا ان الديمقراطية تشمل حرية التنظيم والتظاهر والتعبير والمطالبة بالحقوق، ولا يمكن بناء دولة مستقرة عبر اسكات المحتجين او تخويفهم.
تظاهرة واسعة للخريجين
وتظاهر الالاف من الخريجين العاطلين عن العمل بالقرب من المنطقة الخضراء، للمطالبة بالتعيين وتوفير درجات وظيفية ضمن الموازنة الاتحادية، فيما قطعت القوات الأمنية الطرق المؤدية الى المنطقة في محاولة لاحتواء الاعداد الكبيرة التي وصل عدد منها من محافظات الوسط والجنوب.
وحاولت القوات الامنية قطع الطرق الرئيسية المؤدية الى العاصمة بغداد، في السريع المؤدي الى محافظة بابل، ما دفع المتظاهرين الى السير على الاقدام ومن ثم قطعوا الطريق الحيوي، للاحتجاج على منعهم بصورة استفزازية.
"الشبيبة" يدين العنف ضد المجموعة الطبية
واعتدت القوات الأمنية على المتظاهرين من خريجي المجموعة الطبية، الذين احتشدوا امام مبنى وزارة الصحة، للمطالبة بإنصاف الخريجين المتبقين من دفعات الأعوام 2023–2025.
ودان اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي بأشد عبارات، في بيان صحفي، تلقته "طريق الشعب"، الاعتداء الذي طال المتظاهرين الذين خرجوا بشكل سلمي.
وذكر البيان، إن "حق التظاهر والتعبير عن المطالب هو حق دستوري لا يمكن مواجهته بالعنف أو القمع وإن استخدام القوة ضد المتظاهرين السلميين أمر مرفوض تماماً ولا يسهم في معالجة المطالب أو حل المشكلات.
واعتدت القوات الأمنية - التي يفترض ان تقوم بحماية التظاهرة -، على المتظاهرين الذين حاولوا الاعتصام امام الوزارة، ما أدى الى جرح عدد منهم، فيما حاول افراد آخرون صعق المتظاهرين بواسطة العصي الكهربائية.
وسبق لوزير الصحة عبد الحسين الموسوي، قد اكد في بداية تسلمه المنصب، انه يسعى لإيجاد معالجات حقيقية وعاجلة لملف تعيينات ذوي المهن الطبية والتمريضية، لكن وزارته لم تقم باللازم منذ ذلك الحين.
اعتداءات ضد المطالبين بالكهرباء!
واعتقلت القوات الأمنية عددا من متظاهري منطقة العمارات الصناعية وسط ميسان، بعد خروجهم في تظاهرة غاضبة للاحتجاج على سوء التيار الكهربائي. وشهدت التظاهرة قطع الطرق الرئيسية وتصادما مع القوات الأمنية.
وقطع المحتجون الطرق باستخدام الإطارات المحترقة، ما أدى الى التصادم مع قوات الأمن. فيما لاحقت القوات الأمنية في ناحية الطار بمحافظة ذي قار المتظاهرين الذين يطالبون بتوفير التيار الكهربائي، الى منازلهم، واعتقلت عددا منهم. وشهدت المحافظة تظاهرة أخرى غاضبة أخرى نظمها مواطنون من ناحية الفضيلية بالقرب من محطة الكهرباء، وطالبوا بتحسين التيار الكهربائي. وفي المثنى جدد عدد من أهالي منطقة الهويشلي تظاهراتهم الرافضة لتذبذب تجهيز الكهرباء، فيما قطعوا الطريق بالإطارات المحترقة. وذكر المحتجون انهم يطالبون بتحسين واقع تجهيز الكهرباء، التي تسببت بقطع المياه عنهم.
احتجاج أمام وزارة التعليم
وتظاهر عدد من الموظفين، امام وزارة التعليم العالي للمطالبة بإلغاء القرار الذي يمنع الموظفين، بينهم ذوو الإعاقة، من إكمال دراساتهم العليا بسبب وجود تقاطع في البيانات، وطالبوا والسماح لهم بمواصلة دراستهم.
وذكرت المتظاهرة زهراء فاضل، انه "جرى تخصيص مقعدين دراسيين للموظفين من ذوي الإعاقة، وانها اجتازت الامتحان التنافسي بنجاح، قبل أن يتم استبعادها من إكمال الدراسة عقب صدور القرار الحكومي". وأوضحت أنها لم تتمكن من الحصول على عدم التعارض بين الدراسة والوظيفة، بسبب قصر المهلة الزمنية المتاحة مقارنة بالإجراءات الروتينية والمخاطبات الرسمية، ما أدى إلى ضياع فرصة إكمال دراستها.
موت الصناعة الوطنية
ونظم اتحاد الصناعات العراقية في مقره بالعاصمة بغداد، وقفة احتجاجية، حضرتها "طريق الشعب"، وشارك فيها مدراء الغرف الصناعية وأصحاب المصانع من مخلف المحافظات، وطالبت برفع العراقيل التي تقف بوجه القطاع الصناعي وتسهيل إجراءات إدخال المواد الأولية ومعالجة الأزمات المرتبطة بالكمارك والمنافذ الحدودية، وخدمات الكهرباء والماء.
ودعا المشاركون في الوقفة، السلطات التنفيذية الى التدخل لحل المشكلات المتراكمة، وقدم رئيس الاتحاد استقالته احتجاجاً على عدم الاستجابة لمطالب الصناعيين.
وصدر بيان عن الوقفة شدد على ضرورة تطبيق القوانين والقرارات الحكومية النافذة لدعم الصناعة الوطنية، وتسهيل معاملات أصحاب المصانع، ومحاسبة الجهات المعطلة لمصالحهم.
توفير السكن المناسب
كما شهدت بغداد، تظاهرة نظمها موظفون قرب مؤسسة الشهداء، للمطالبة بتخصيص قطع الأراضي السكنية في منطقة الدهنة، التي سبق تخصيصها لهم منذ عام 2016، من دون استكمال إجراءات التخصيص حتى الآن.
وطالب المتظاهرون الجهات المختصة بالتدخل العاجل لإنهاء ملف الأراضي وإنصاف الموظفين، مؤكدين أن "استمرار تأخر حسم التخصيص، رغم مرور سنوات على صدور قرار تخصيص القطع، ألحق بهم أضراراً ومشكلات كبيرة"، داعين الى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتسوية الملف، مؤكدين استمرارهم في المطالبة بكافة الطرق القانونية.
ثلاث تظاهرات في البصرة
وشهدت محافظة البصرة، ثلاث تظاهرات طالبت بتوفير الخدمات الأساسية وصرف المستحقات المالية، حيث طالب اهالي ناحية السيبة باختيار مدير للناحية من الكفاءات المحلية الساكنة فيها.
واكدوا في وقفة احتجاجية ضرورة اختيار شخصية إدارية من أبناء الناحية سيسهم بشكل مباشر في تذليل العقبات الخدمية والإدارية، لكونهم الأكثر إدراكاً لتفاصيل الحياة المعيشية والتحديات التي تواجه المنطقة جنوبي المحافظة.
وفي تظاهرة أخرى، نظم سائقو السيارات العاملة بمنظومة الغاز وقفة احتجاجية أمام محطة تعبئة الغاز في البصرة، احتجاجاً على انقطاع وقود الغاز وعدم توفره.
وذكر المحتجون، انهم "اقتنوا هذه السيارات المرتفعة الأسعار كونها تعمل بنظام اقتصادي مناسب للبيئة، إلا أن انعدام الغاز أدى إلى توقف أعمالهم، مؤكدين وجود التزامات مالية عليهم، وتحدثوا عن توفر الغاز في المحافظات الأخرى وانعدامه في البصرة، ما يضطر بعض السائقين إلى استخدام قناني الغاز المنزلي للتعبئة، في عملية وصفوها بالخطرة وغير الآمنة.
وتظاهر متعاقدو الـ 19 ألف والصادق، مجدداً امام مبنى مديرية تربية البصرة للمطالبة بصرف رواتبهم المتأخرة منذ 9 أشهر.
واكد المشاركون في الوقفة، انهم يطالبون بصرف الرواتب باعتبارهم من الحاصلين على الاوامر الادارية لكن هناك غموضا في قضية اصدار الماستر كارد لصرف الرواتب حيث ان المستلمين للماستر هم فقط 7 الاف من أصل 19 ألف.
وفي السماوة والسليمانية
وشهدت السماوة، تظاهرة جديدة لخريجي هندسة النفط، أمام مصفى نفط السماوة، للمطالبة بتوفير فرص للتعيين.
وقال المتظاهرون، ان "مطالبهم هي الحصول على فرص عمل في المواقع النفطية"، مشيرين إلى أنهم حصلوا على الشهادة من كليات من اختصاصات مهمة، لكنهم فوجئوا بعدم الحصول على حقهم في التعيين.
وفي محافظة السليمانية، طالب أصحاب محال الحلاقة في المحافظة، السلطات المحلية بتنظيم ساعات عمل محالهم وتحديد موعد موحد للإغلاق.
واكدوا في وقفة احتجاجية أن "تنظيم ساعات العمل يهدف إلى ضمان حق أصحاب المهنة في الراحة بعد ساعات طويلة من العمل، والحد من المنافسة غير المتكافئة، ودعوا الى تمديد مدة صلاحية رخصة مزاولة المهنة إلى عامين بدلاً من عام واحد، فضلاً عن تمديد صلاحية إجازة السلامة الصحية من ستة أشهر إلى عام كامل، شريطة أن يتم ذلك وفق الضوابط القانونية والصحية المعتمدة من الجهات المختصة.