اخر الاخبار

لم يعد تلوث نهر دجلة مشهدا عابرا يمكن تجاهله فعلى امتداد مجراه تتراكم النفايات البلاستيكية والمخلفات الاخرى، لتشوه ضفاف النهر وتثقل كاهل نظامه البيئي حيث الاكياس وقناني بلاستيكية تطفو على سطح المياه أو تستقر بين الأعشاب وعلى حواف النهر، فيما تجد مخلفات أخرى طريقها إلى المجرى، في مشهد يكشف اتساع أزمة النفايات وتعدد مصادرها.

قرار  حكومي مهم

يقول مدير بيئة المثنى د. أمير كاظم، أن المخلفات البلاستيكية تمثل تحديا بيئيا كبيرا، نظرا لعدم قابليتها للتحلل وبقائها في البيئة لسنين، الأمر الذي يسبب أضرارا بيئية متراكمة.

وقال كاظم لـ"طريق الشعب"، إن هناك توجيها وقرارا مصادقا عليه من قبل رئيس الوزراء جرى تعميمه من وزارة البيئة، يقضي بتحويل المعامل العاملة في إنتاج الأكياس البلاستيكية إلى إنتاج الأكياس الورقية، مبيناً أن تطبيق القرار سيكون في شهر تشرين الثاني من عام 2026، مؤكدا ان بعد هذا التاريخ لن يكون هناك نعامل او مخابز تستخدم الاكياس البلاستيكية.

واضاف أن الإجراءات تهدف إلى الحد من استخدام الأكياس البلاستيكية والقضاء تدريجيا على هذه الظاهرة التي تشكل مصدراً لتلوث البيئة، لافتاً إلى أن الأكياس الورقية تعد بديلاً قابلاً للتحلل وأكثر انسجاماً مع متطلبات حماية البيئة.

وأشار إلى استمرار الحملات التوعوية التي تنفذها الفرق المختصة في المحافظة، والتي تشمل المحال التجارية والمطاعم والجهات التي ما تزال تستخدم الأكياس والمواد البلاستيكية، بهدف حثها على الانتقال إلى استخدام الأكياس الورقية قبل بدء تطبيق القرار.

وزاد بالقول أن القرار يأتي ضمن توجه حكومي للحد من المخلفات البلاستيكية وتعزيز استخدام البدائل الصديقة للبيئة، مؤكداً أن الجهود التوعوية والتنفيذية ستتواصل وصولاً إلى تطبيق القرار بصورة شاملة.

قانون حماية وتحسين البيئة

وحذر الخبير البيئي جمعة الدراجي من خطورة تنامي النفايات البلاستيكية وتأثيرها في صحة الإنسان والحيوان والبيئة، مشيرًا إلى أن انتشار استخدام البلاستيك في تغليف المواد الغذائية والأدوية والمبيدات الحشرية، بسبب انخفاض كلفته، جعله من أبرز التحديات البيئية في الوقت الراهن.

وقال الدراجي لـ"طريق الشعب"، ان "النفايات البلاستيكية اصبحت مشكلة صعبة ليس فقط بسبب انتشارها، وإنما أيضا لصعوبة جمعها والتخلص منها بالطرق الصحيحة الأمر الذي يجعلها مصدر خطر مستمر على الإنسان والحيوان".

وأضاف أن تأثير البلاستيك "لا يقتصر على الإنسان، فهناك حيوانات تتناول هذه المواد مع غذائها، ما يؤدي إلى تراكمها داخل أمعائها والتسبب في نفوقها"، مبينا أنه شاهد حالات مماثلة لدى مربي الأبقار والأغنام.

وأوضح أن المواد البلاستيكية "حتى بعد تحللها وتحولها إلى حبيبات صغيرة، تبقى مصدر خطر، إذ يمكن أن تصل هذه الجزيئات إلى الإنسان والحيوان وتسبب أضرارًا صحية خطيرة"، داعيا إلى التعامل مع النفايات البلاستيكية وفق أساليب علمية ومدروسة، من خلال تخصيص مواقع للطمر الصحي والمعالجة الآمنة بعيد عن السكان ومصادر المياه.

وأشار الدراجي إلى أن "المشكلة لا تتعلق بنفايات المواطنين وحدهم، فهناك مؤسسات ودوائر حكومية كبيرة تطرح مخلفاتها في الأنهر"، ولفت إلى أن وزارات ومؤسسات مختلفة، بينها الصحة والزراعة والنفط والصناعة، تسهم، بحسب قوله، في زيادة حجم النفايات التي تصل إلى نهر دجلة.

وبين ان قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 لم ينجح حتى الآن في وضع حد لهذه الظاهرة، مؤكدا أن استمرار ضعف التطبيق وغياب العقوبات الفاعلة أسهما في بقاء المشكلة.

31 مكبا للنفايات السائلة على ضفاف دجلة

ولفت إلى أن لجنة البيئة النيابية سبق أن أجرت جولة ميدانية على نهر دجلة في بغداد، من شمال العاصمة إلى جنوبها، ورصدت 31 مكبا للنفايات السائلة على امتداد النهر، موضحا أن هذه المخلفات السائلة قد تحمل معها نفايات صلبة، من بينها البلاستيك، إلى مياه دجلة.

وانتقد الدراجي ما وصفه بـ"تشابك المسؤوليات بين الجهات المعنية"، مبينا أن وزارة الموارد المائية تعد الجهة المسؤولة عن حماية المياه الخام المستخدمة لأغراض الشرب والزراعة، فيما تمتلك وزارة البيئة قانون خاصا بحماية البيئة، إلا أن تداخل الصلاحيات والإجراءات بين المؤسسات والجهات القضائية، بحسب رأيه، أدى إلى استمرار المشكلة من دون معالجة حاسمة.

وشدد على أن الحد من تلوث دجلة "لا يمكن أن يتحقق بجهة واحدة"، داعيا إلى تضافر جهود مؤسسات الدولة والمواطنين والمجتمع، إلى جانب تنظيم ورش توعوية وحملات إعلامية وبرامج تدريبية للتعريف بمخاطر النفايات وطرق التخلص منها.

وأكد الدراجي أن حماية نهر دجلة "تتطلب انتقال الجهات المعنية من تشخيص المشكلة إلى اتخاذ إجراءات فعلية لمعالجتها"، محذرا من أن استمرار طرح النفايات في النهر يهدد البيئة وصحة الإنسان ويزيد من صعوبة معالجة التلوث مستقبلًا.

وقالت الناشطة البيئية نجوان علي إن نهر دجلة "لم يعد كما عرفناه سابقا، النهر الذي كان جزءا من تفاصيل بغداد وحياتها اليومية، اليوم أصبح يحمل على ضفافه وداخل مياهه كميات متزايدة من النفايات، ولا سيما الأكياس والقناني البلاستيكية، بجانب مخلفات أخرى تشوه مظهره وتهدد بيئته"، مضيفة أن "دجلة أكبر من مجرد نهر يمر وسط العاصمة، انما هو ذاكرة مدينة وحكاية أجيال وعلى ضفافه تشكلت ملامح بغداد الاجتماعية والاقتصادية، وله ارتباط ديني ببعض الاديان. ولهذا فإن ما يصيبه من تلوث لا يمكن النظر إليه باعتباره مشكلة بيئية فقط بل هو مساس بمشهد المدينة وهويتها".

وأوضحت علي لـ"طريق الشعب"، أن النفايات البلاستيكية "تبقى لفترات طويلة في البيئة وقد تتحول مع الوقت إلى أجزاء صغيرة تصل للمياه والكائنات الحية بينما تزيد المخلفات الصناعية ومياه الصرف من حجم الضغط على النظام البيئي للنهر. والمشكلة أن استمرار التلوث يجعل عمليات التنظيف تبدو كأنها معالجة للنتيجة، من دون الوصول إلى مصدر المشكلة".

وأشارت إلى أن حماية دجلة "تحتاج إلى عمل مستمر يبدأ من منع رمي النفايات ومراقبة مصادر التصريف جانب تطبيق القوانين وزيادة الوعي لدى المواطنين. فالنهر لا يحتاج إلى حملات تنظيف موسمية فقط، وإنما يحتاج إلى حماية حقيقية تمنع عودة النفايات بعد تنظيفه"، مشيرا الى مشاركته ضمن حملات لتنظيف نهر دجلة خلال السنوات السابقة، مبينا ان "هذه الحملات انطلقت بسبب الشعور بالمسؤولية تجاه هذا النهر، لكن هذه الحملات غير مستدامة بسبب جهودها الطوعية، وهذا ما يتطلب استدامة وعمل من قبل الجهات الحكومية المسؤولية".

وتابعت بالقول: "حين ننظر إلى دجلة اليوم، علينا ألا نرى فقط ما يطفو على سطحه بل أن نتذكر ما يمثله هذا النهر لبغداد والعراق الحفاظ عليه هو حفاظ على جزء من ذاكرتنا وعلى حق الأجيال القادمة في المياه".