يواجه العراقيون صيفا اكثر قسوة مع ارتفاع درجات الحرارة في بغداد، ما ينعكس على تفاصيل حياتهم اليومية، من الخروج والعمل إلى الاعتماد المتزايد على أجهزة التبريد والكهرباء. وبينما يحاول المواطنون التكيف مع الحر، تتفاقم المشكلة بفعل التوسع العمراني وتراجع المساحات الخضراء والانقطاع المستمر للكهرباء، ما يجعل المدن أكثر سخونة ويزيد من صعوبة الأجواء.
تقول فرح اياد، مواطنة من بغداد، إن ارتفاع درجات الحرارة اصبح يؤثر بشكل واضح في حياتها اليومية، موضحة أن الخروج من المنزل خلال ساعات الظهيرة بات صعبا ما يدفعها وعائلتها إلى تأجيل معظم مشاويرهم إلى ساعات المساء.
وتضيف اياد لـ"طريق الشعب"، أن "الاعتماد على أجهزة التبريد أصبح ضروريا لمواجهة ارتفاع الحرارة، إلا أن زيادة ساعات تشغيل المكيفات والمبردات ترفع من استهلاك الكهرباء، وتزيد الأعباء المادية، خاصة الكهرباء الوطنية تنقطع كثيرا".
وتشير إلى أن مواجهة موجات الحر أصبحت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، لافتة إلى أن ارتفاع الحرارة إلى جانب انقطاع الكهرباء وارتفاع كلفة تشغيل المولدات، يجعل الصيف أكثر صعوبة بالنسبة للعائلات.
وتوضح أن المشكلة لا تقتصر على المنزل، بل تواجهها أيضا في مكان عملها إذ تعمل في أحد المولات التي تعتمد بشكل كبير على الكهرباء الوطنية، مبينة أن تكرار انقطاع التيار الكهربائي خلال الأيام الماضية تسبب في ارتفاع درجات الحرارة داخل المول، ما جعل أجواء العمل مرهقة للغاية، وحول ساعات الدوام إلى أوقات يصعب تحملها، خصوصاً خلال ساعات الذروة".
تآكل الاحزمة الخضراء
من جانبها، قالت نجوان علي، ناشطة بيئية، إن موجات الحر التي تشهدها بغداد لم تعد ظاهرة موسمية عابرة بل أصبحت مشكلة بيئية ومناخية متكررة، مشيرة إلى ان الأسباب هي محلية وعالمية حيث يرتبط ارتفاع درجات الحرارة بالتغير المناخي العالمي، إلا أن طبيعة المدن والتغيرات التي طرأت عليها أسهمت في جعلها أكثر سخونة.
وتبين علي لـ"طريق الشعب"، أن التوسع العمراني على حساب الأراضي الزراعية والمساحات الخضراء، وتراجع أعداد الأشجار، وزيادة المباني والأسطح الإسفلتية والخرسانية من أبرز الأسباب التي تجعل المدن تحتفظ بكميات أكبر من الحرارة.
وتوضح أن هذه الأسطح تمتص الإشعاع الشمسي خلال النهار، ثم تطلق الحرارة تدريجياً، ما يؤدي إلى ارتفاع حرارة الهواء القريب من سطح الأرض.
وتشير إلى أن هذه الظاهرة تُعرف بالجزيرة الحرارية الحضرية، حيث تكون المناطق المكتظة بالمباني والطرق أكثر حرارة من المناطق المحيطة التي تتوافر فيها الأشجار والمساحات المفتوحة. كما أن استمرار التوسع العمراني وتراجع الغطاء النباتي جعل المدن أكثر قدرة على امتصاص الحرارة والاحتفاظ بها، وهو ما يزيد من شدة الإحساس بالقيظ، خصوصاً خلال موجات الحر.
ولفتت علي إلى أن ارتفاع الحرارة داخل المدن لا يرتبط فقط بالطقس، وإنما يتأثر بالأنشطة البشرية مثل زيادة أعداد السيارات، وكثافة الأبنية، وارتفاع استخدام أجهزة التبريد، فضلا عن مصادر التلوث المختلفة وهي عوامل تضيف حرارة إلى البيئة الحضرية وتزيد الضغط على السكان.
وواصلت حديثها، أن اثار هذه الزيادة لا تقتصر على ارتفاع درجات الحرارة بل تمتد لصحة السكان وارتفاع استهلاك الطاقة، وزيادة الاعتماد على أجهزة التبريد، فضلا عن صعوبة الظروف التي يعيشها العاملون في الأماكن المكشوفة.
واكدت أن جعل المدن أكثر قدرة على مواجهة الحرارة يتطلب حلولا طويلة الأمد، تبدأ من حماية ما تبقى من المساحات الخضراء، وزيادة التشجير، والحد من تجريف الأراضي الزراعية، وتطوير التخطيط الحضري، واعتماد تصاميم ومواد بناء تساعد على تقليل امتصاص الحرارة.
الأسطح الإسفلتية والخرسانية
ويرى المتنبئ الجوي صادق عطية ان ارتفاع درجات الحرارة لا يرتبط بالعوامل الجوية وحدها بل يتفاقم بفعل التغيرات التي طرأت على المدن والبيئة، ولا سيما في بغداد.
وقال عطية لـ"طريق الشعب"، أن تجريف الأراضي الزراعية وتراجع المساحات الخضراء وقلة المسطحات المائية، بالتزامن مع زيادة أعداد الأبنية والسيارات وارتفاع الكثافة السكانية كلها عوامل جعلت المدن العراقية أكثر قدرة على اكتساب الحرارة والاحتفاظ بها، موضحاً أن الأرض والأسطح الإسفلتية والخرسانية تمتص كميات كبيرة من الإشعاع الشمسي خلال ساعات النهار، ثم تعيد إطلاقها على شكل إشعاع تحت أحمر، ما يؤدي إلى إرتفاع درجة حرارة الهواء القريب من سطح الأرض.
كما يلفت إلى أن العراقيين يواجهون الحرارة في ظل عوامل إضافية تزيد من صعوبة الأجواء، من بينها التلوث الناتج عن الحرق العشوائي للنفايات والمخلفات، وزيادة استخدام وسائل التبريد، فضلاً عن ارتفاع أعداد السيارات.
وبحسب عطية، فإن استمرار هذه الظروف يعني أن ارتفاع درجات الحرارة سيبقى تحديا قائما خصوصاً في مدن الوسط والجنوب، وقد تستمر درجات الحرارة الخمسينية في الظهور ما لم تتم معالجة الأسباب البيئية والعمرانية التي تزيد من حدة الحرارة.
ويؤكد عطية أن التعامل مع ظاهرة ارتفاع الحرارة لا ينبغي أن يقتصر على مواجهة الموجات الحارة وقت حدوثها، بل يحتاج إلى معالجة الأسباب من جذورها، عبر وقف تجريف الأراضي الزراعية، وزيادة المساحات الخضراء، والحفاظ على المسطحات المائية، والحد من التلوث والتوسع العمراني غير المدروس.
أما في ما يتعلق بتعامل المواطنين مع موجات الحر، فقد حذر عطية من التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، التي تمتد تقريباً من الحادية عشرة صباحاً حتى الرابعة عصرا.