في لحظات تفصل بين الحياة والموت، قد لا يحتاج المصاب في حادث سير سوى إلى شخص يمد له يد المساعدة في الدقائق الأولى. لكن هذه المبادرة الإنسانية تتراجع أحياناً أمام مخاوف قانونية وعشائرية تجعل بعض المواطنين يفضلون الابتعاد عن موقع الحادث، خشية أن يتحولوا من مسعفين إلى متهمين.
ورغم توجيه مجلس القضاء الأعلى في أيلول 2021 المحاكم إلى التعامل مع مسعفي حوادث السير والإصابات بما يجنبهم الاتهام بسبب تقديم المساعدة، لا تزال المخاوف من التحقيقات الأمنية أو المطالبات العشائرية حاضرة لدى المواطنين، في وقت لم يحسم فيه مجلس النواب تشريع قانون خاص بحماية المسعف، بحسب المعلومات الواردة في المادة.
وتكشف شهادات مواطنين ومسعفين وأطباء وخبراء قانونيين أن المشكلة لا ترتبط فقط بغياب التشريع، وإنما أيضاً بضعف الوعي بالإجراءات القانونية والإسعافات الأولية، فضلاً عن استمرار تأثير الأعراف الاجتماعية في التعامل مع حوادث السير.
الخوف يسبق المساعدة
يروي المواطن كرار رياض أنه صادف قبل أيام حادث سير في أحد شوارع بغداد خلال ساعة متأخرة من الليل، وكان المصاب بحاجة إلى المساعدة، لكنه تردد في التدخل خشية اتهامه بالتسبب في الحادث أو تعرضه لمطالبات عشائرية.
ويقول رياض إن «الخوف كان أكبر من رغبتي في المساعدة»، معتبراً أن هذا الشعور أصبح واقعاً يعيشه كثير من المواطنين بسبب ما قد يترتب على التدخل من تبعات قانونية أو عشائرية. أما الشاب حيدر أسعد، فيروي أنه شهد حادث سير أمامه، فيما كانت أعداد من المواطنين موجودة في المكان، لكن أحداً لم يجرؤ على إسعاف المصاب.
ويقول إن «الجميع كان يخشى أن يتحول من مسعف إلى متهم»، داعياً إلى الإسراع في إقرار قانون يوفر حماية قانونية واضحة لكل من يقدم المساعدة بحسن نية.
الدقائق الأولى حاسمة
ويحذر طبيب الطوارئ الدكتور جعفر الهلالي من خطورة تأخير إسعاف المصابين، مؤكداً أن الدقائق الأولى بعد الحادث تعد عاملاً حاسماً في إنقاذ حياة المصاب.
ويقول الهلالي إن معظم الحالات التي تصل إلى ردهات الطوارئ تعاني كسوراً أو جروحاً ونزيفاً حاداً، وإن أي تأخير في نقلها يمكن أن يؤدي إلى تدهور سريع في الحالة الصحية، وقد يصل الأمر إلى الوفاة قبل الوصول إلى المستشفى.
ويرى أن مواجهة المشكلة تتطلب نشر ثقافة الإسعافات الأولية بين المواطنين، بالتزامن مع توفير ضمانات قانونية واضحة تحمي من يقدم المساعدة بحسن نية.
كما يقترح توسيع استخدام كاميرات المراقبة في الطرق والشوارع لتوثيق الحوادث، بما يساعد على تحديد المسؤوليات ويحمي المسعفين من الاتهامات غير المستندة إلى أدلة.
التردد قد يضاعف الخطر
من جانبه، يقول الممرض محمد قاسم إن الخوف من المساءلة القانونية أو الفصل العشائري أصبح أحد الأسباب التي تؤخر إسعاف المصابين، موضحاً أن بعض المواطنين يتجنبون حتى الاتصال بالإسعاف أو المشاركة في نقل المصاب خشية إدراج أسمائهم ضمن التحقيقات.
ويشير إلى أن هذا التردد قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، بينها تفاقم الكسور والنزيف الداخلي وفقدان الوعي، وهي حالات يمكن أن تنتهي بإعاقات دائمة أو وفاة إذا لم تحصل على الرعاية الطبية في الوقت المناسب.
الأعراف العشائرية.. عائق إضافي
وترى الباحثة ريا القحطاني أن الأعراف العشائرية، رغم دورها الاجتماعي في بعض الملفات، قد تتحول إلى عائق أمام التدخل الإنساني في حوادث السير، بسبب خشية بعض المواطنين من التعرض لمطالبات عشائرية أو تحميلهم مسؤولية الحادث لمجرد أنهم كانوا أول من قدم المساعدة.
وتؤكد أن غياب الأدلة الواضحة يجعل توثيق الحادث أمراً مهماً للتمييز بين المسعف والمتسبب فيه، مشيرة إلى أهمية كاميرات المراقبة في حماية الأبرياء من التبعات القانونية والاجتماعية.
كما تلفت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تزيد أحياناً من تعقيد المشهد، من خلال تداول معلومات غير دقيقة أو اتهامات غير موثقة عقب الحوادث، الأمر الذي يضاعف الضغوط على الأشخاص الذين بادروا إلى تقديم المساعدة.
القانون لا يجرّم إنقاذ المصاب
وفي الجانب القانوني، يوضح الخبير القانوني حسن وليد المالكي أن القانون العراقي لا يتضمن نصاً يجيز احتجاز المسعف لمجرد نقله المصاب إلى المستشفى، مبيناً أن استدعاء المسعف قد يحصل في بعض الحالات التي تكون فيها الحادثة جنائية أو غامضة، بهدف الاستماع إلى إفادته كشاهد والتحقق من ملابساتها.
ويؤكد المالكي أن احتجاز أي شخص من دون مسوغ قانوني واضح قد يمثل انتهاكاً لحقوقه، خصوصاً إذا كان تدخله نابعاً من واجب إنساني وحسن نية.
ويضيف أن المخاوف التي تدفع المواطنين إلى العزوف عن إسعاف المصابين لا تتعلق بالإجراءات القانونية وحدها، وإنما تشمل أيضاً التخوف من التبعات العشائرية، مشيراً إلى أن بعض المسعفين تعرضوا لمطالبات عشائرية أو اتهامات رغم عدم وجود دليل قانوني يدينهم.
توجيه قضائي لم يبدد المخاوف
وأشار المالكي إلى أن مجلس القضاء الأعلى وجه في 8 أيلول 2021 المحاكم إلى التعامل مع مسعفي حوادث السير والإصابات المختلفة بما يجنبهم الاتهام، واعتبارهم منقذين إنسانيين لا تجوز محاسبتهم لمجرد تقديم المساعدة.
وجاء التوجيه، بحسب المالكي، بعد تزايد حالات الاقتصاص العشائري بحق المسعفين، وما نتج عنها من عزوف مواطنين عن تقديم المساعدة خشية التعرض للمساءلة أو المطالبات العشائرية.
قانون مؤجل وحاجة إلى حماية واضحة
وتبقى الدعوات إلى تشريع قانون خاص بحماية المسعف في صدارة المطالب المطروحة لمعالجة هذه الإشكالية، خصوصاً مع استمرار المخاوف من التبعات القانونية والاجتماعية للتدخل في حوادث السير.
ولا يتعلق الأمر، في جوهره، بتشجيع المواطنين على التدخل العشوائي في الحوادث، وإنما بتوفير إطار قانوني واضح يميز بين المتسبب بالحادث ومن يقدم المساعدة بحسن نية، إلى جانب نشر مبادئ الإسعافات الأولية وتفعيل خدمات الطوارئ وتوثيق الحوادث.
ففي حادث قد تحسم فيه دقائق قليلة مصير إنسان، فإن إزالة الخوف من يد المواطن الذي يريد المساعدة قد تكون، بحد ذاتها، جزءاً من منظومة إنقاذ الأرواح.