اخر الاخبار

تتسع الفوارق الاجتماعية والاقتصادية في العراق، في وقت تواجه فيه الطبقة الوسطى تراجعاً متواصلاً في قدرتها على الحفاظ على مستوى معيشي مستقر، بفعل ارتفاع تكاليف الحياة وتراجع فرص العمل وضعف الخدمات. وبينما استطاعت فئات محدودة تحقيق ثراء واسع بفعل الارتباط بالسلطة والنفوذ، انزلقت قطاعات أخرى نحو الفقر والحاجة، ما يعكس اختلالاً في توزيع الثروة والفرص.

ويرى باحثون أن معالجة هذا التفاوت لا تتوقف عند دعم الفئات الفقيرة، بل تتطلب سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة تعيد بناء الطبقة الوسطى، وتعزز المواطنة والمساواة، وتوفر فرص العمل والسكن والخدمات، بما يحد من اتساع الفجوة الطبقية ويعيد للدولة دورها في تحقيق العدالة الاجتماعية.

الطبقة الوسطى فقدت الكثير من مقوماتها

يرى الباحث الاجتماعي يوسف كمال، أن الحديث عن الطبقية في المجتمع العراقي يقود إلى التوقف عند التحولات التي طرأت على بنية الطبقات الاجتماعية، ولا سيما الطبقة الوسطى التي كانت تمثل حلقة وصل بين الطبقة العليا والطبقات الأدنى.

ويقول كمال لـ"طريق الشعب"، إنّ المجتمع العراقي عرف ـ الى جانب الطبقات الاقتصادية ـ أنماطاً من الطبقات الاجتماعية المغلقة، كما هو الحال في المجتمع الإيزيدي؛ حيث تتوزع الجماعة إلى طبقات محددة، ويكون الزواج في الغالب داخل كل طبقة، ومنها طبقة المير، التي ارتبطت بالعائلة الحاكمة، وطبقة بابا الشيخ ذات المكانة الدينية، إلى جانب طبقات أخرى. كما عُرفت في المجتمع العراقي تصنيفات اجتماعية أخرى، مثل طبقة الشيوخ وطبقة العوام.

أما الطبقة الوسطى، أو ما كان يُطلق عليها في بعض الأدبيات اسم الطبقة البرجوازية، فكانت تتميز بقدر من الاستقرار الاقتصادي والاكتفاء الذاتي، مع القدرة على تأمين بعض الكماليات؛ كامتلاك وسيلة نقل، والقدرة على السفر، واقتناء ملابس خاصة بالمناسبات، فضلاً عن امتلاك قدر محدود من المدخرات. وفي المقابل، لم تكن هذه الطبقة تمتلك عادةً وسائل إنتاج كبيرة، وإن امتلكتها فكانت في حدود ضيّقة.

غير أن هذا التصنيف النظري، بحسب كمال، يصطدم بالواقع السياسي والاجتماعي الذي مر به العراق. ففي العهد الملكي، برزت طبقة من أصحاب النفوذ ارتبطت مصالحها بالاحتلال البريطاني، واستمدت جانباً من نفوذها وثروتها من علاقتها بالسلطة والقوى الأجنبية، ما جعلها من أكثر الفئات تأثيراً في المجتمع.

وجاءت ثورة 14 تموز 1958، وفق قراءة الباحث، لتحدث تغييرات جذرية في البناء الاجتماعي العراقي. وكان الإصلاح الزراعي أحد أبرز الإجراءات التي استهدفت تفكيك نفوذ الشيوخ وكبار ملاك الأراضي، من خلال إعادة توزيع الأراضي الزراعية ومنح الفلاحين مساحة أكبر من الاستقلال الاقتصادي. إلا أن تطبيق الإصلاح، كما يرى كمال، لم يكن عملياً بالقدر الكافي إذ تزامن مع موجات هجرة واسعة من الريف إلى المدن.

وتوجه كثير من الفلاحين إلى بغداد، حيث استقر قسم كبير منهم في مناطق سكنية فقيرة عُرفت لاحقا بمدن الصفيح، وكانت خارج الحدود الإدارية للبلديات وتفتقر إلى كثير من الخدمات والشروط الصحية. وكانت مدينة الثورة، التي عرفت لاحقاً بمدينة الصدر، أحد أبرز مناطق استقرار هذه الفئات.

وبذلك، ترك الفلاح جزءا كبيرا من ارتباطه بالأرض، واتجه إلى أعمال حضرية بسيطة وهامشية بحثاً عن مصدر دخل يومي. وفي الوقت نفسه، دخل أبناؤه المدارس واكتسبت الأسرة أنماطاً جديدة من الحياة الحضرية، الأمر الذي ساهم تدريجياً في إعادة تشكيل موقعها داخل السلم الاجتماعي.

لكن التحولات الأشد قسوةً، بحسب كمال، ظهرت بعد عام 2003، عندما تعرضت الطبقة الوسطى العراقية الى ضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة أفقدتها الكثير من مقوماتها. فارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتزايد الاعتماد على الأعمال غير المنتجة، جعلت قطاعات واسعة من هذه الطبقة عاجزة عن الحفاظ على المستوى الذي كانت تتمتع به سابقاً.

يقدّم كمال مثالاً على ذلك بارتفاع كلفة الخدمات الأساسية؛ فبعد أن كان المواطن يحصل على الكهرباء والماء بأسعار زهيدة، أصبح مضطرا إلى تحمل أعباء إضافية، مثل دفع أجور الكهرباء الحكومية إلى جانب أجور المولدات الأهلية، فضلا عن تكاليف الوقود وغيرها من المصاريف اليومية. كما امتدت الأعباء إلى التعليم، بعدما أصبحت الأسر تتحمل تكاليف الدراسة الأهلية والبحوث والمستلزمات التعليمية، في وقت كان التعليم الحكومي المجاني يمثل في السابق أحد أبرز وسائل الحراك الاجتماعي.

ولم تتوقف الضغوط عند الخدمات والتعليم، بل شملت أيضاً الاتصالات والإنترنت وغيرها من الحاجات التي أصبحت جزءا من الحياة اليومية. ومع تراكم هذه النفقات، تراجعت قدرة الأسرة على الادخار، وأصبح الراتب يُستهلك في تأمين الاحتياجات الأساسية، بدلاً من أن يسمح ببناء قدر من الأمان الاقتصادي.

ويضيف أن التغيير لم يقتصر على الآباء، بل امتد إلى الأبناء؛ ففي السابق، كان الشاب يستطيع العثور على عمل، حتى وإن كان هامشياً أو محدود الدخل. أما اليوم، فإن الحصول على شهادة جامعية لا يعني بالضرورة العثور على وظيفة. وأصبحت المنافسة على فرص العمل أكثر صعوبة، في ظل زيادة أعداد الخريجين وتنوع مصادر العمالة، بما فيها العمالة الأجنبية والعربية.

وبذلك، وجدت الطبقة الوسطى نفسها، خلال نحو عقدين، أمام واقع جديد أفقدها كثيرا من خصائصها القديمة؛ فبعض أفرادها تمكنوا من الصعود عبر الارتباط بالسياسة والسلطة والنفوذ، بينما انزلق آخرون نحو الفقر والعجز عن تلبية الاحتياجات المتزايدة.

ويرى يوسف أن هذا التحول جعل الحدود بين الطبقات الاجتماعية أكثر ضبابية فلم تعد الطبقة الوسطى قادرة على أداء دورها التقليدي بوصفها طبقة مستقرة تفصل بين الأغنياء والفقراء. وبينما تمكنت فئات محدودة من الوصول إلى الثروة والنفوذ، وجدت قطاعات واسعة من المجتمع نفسها أمام ضغوط اقتصادية متزايدة، لتصبح صورة المجتمع أكثر انقساماً بين من يمتلكون معظم مقومات الحياة ومن يكافحون لتأمين أبسط احتياجاتهم.

التنوع الاجتماعي ثروة حضارية

وقال الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي محمد الربيعي، إن التنوع الاجتماعي في العراق يمثل ثروة حضارية ومصدر قوة للمجتمع، لكنه تحول في مراحل مختلفة إلى عامل للتوتر والانقسام نتيجة توظيفه في الصراع السياسي.

وأضاف الربيعي، أن العراق يتميز بتعدد قومي وديني ومذهبي واسع، جعله عبر تاريخه ملتقى للحضارات والثقافات، مبينا أن هذا التنوع لا يشكل بحد ذاته مشكلة، وإنما تكمن الإشكالية في طريقة إدارة الاختلافات واستثمارها سياسيا.

وأشار إلى أن النظام السياسي الذي تشكل بعد عام 2003 اعتمد بصورة واسعة على المحاصصة الطائفية والقومية في توزيع المناصب والسلطة، الأمر الذي عزز التكتلات الفئوية وأضعف مفهوم المواطنة والهوية الوطنية الجامعة.

وأضاف أن الصراعات الطائفية والقومية، إلى جانب التدخلات الخارجية والأزمات الاقتصادية والسياسية، أسهمت في تعقيد المشهد العراقي وأثرت في الاستقرار وبناء الدولة، محذرا من استمرار استخدام الانتماءات المذهبية والقومية وسيلة للحصول على النفوذ والمكاسب السياسية.

وأكد الربيعي أن معالجة هذه الإشكالات تتطلب إصلاح النظام السياسي والانتقال من المحاصصة إلى الكفاءة والمواطنة، فضلا عن تعزيز الحوار الوطني والتعليم والإعلام المسؤول والتنمية الاقتصادية المتوازنة.

وشدد على أن العراق قادر على تحويل تنوعه إلى عامل للتعايش والاستقرار، إذا ما جرى بناء دولة قوية تضمن المساواة في الحقوق والواجبات وتحترم جميع مكونات المجتمع.

مطلوب سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة

من جانبه، حذر الباحث في الشأن الاقتصادي عبد السلام حسن حسين من اتساع الفجوة الطبقية في العراق، مؤكداً أن تعاقب الحكومات والأحزاب لم ينعكس بصورة ملموسة على مستوى معيشة المواطنين، رغم أن الدستور العراقي نص على جملة من الحقوق المرتبطة بالعيش الكريم والعدالة الاجتماعية.

وقال حسين لـ"طريق الشعب"، إنّ المواد الدستورية من 28 إلى 31، تتضمن حقوقا تتعلق بالحياة الكريمة والضمان الاجتماعي والصحة والسكن وغيرها، إلا أن الواقع، بحسب رأيه، لا يزال بعيدا عن تحقيق هذه الحقوق، في ظل وجود أعداد كبيرة من المواطنين تحت خط الفقر، مقابل طبقات تتمتع بمستويات مرتفعة من الرفاه والامتيازات.

وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على التفاوت في الدخل، بل تمتد إلى ما وصفه بـ"الطبقات المترفة" التي استفادت من مواقعها ونفوذها داخل مؤسسات الدولة، مشيرا الى ان بعض المسؤولين والمديرين العامين وأصحاب الدرجات الخاصة يحصلون على رواتب وامتيازات كبيرة.

وانتقد حسين ما اعتبره استغلالا للمنصب العام، سواء من خلال تعيين الأقارب أو الحصول على امتيازات وسلف ومخصصات لا تتناسب مع أوضاع المواطن البسيط، مؤكدا أن هذه الممارسات، إذا ثبتت، تمثل شكلا من أشكال الفساد الذي يفاقم عدم المساواة الاجتماعية.

وأشار إلى أن الدولة تمتلك مؤسسات إحصائية، بينها هيئة الإحصاء التابعة لوزارة التخطيط، قادرة على تحديد مستويات دخل الأسر وأوضاعها المعيشية، داعياً للاستناد الى البيانات في وضع سياسات حقيقية لمعالجة الفقر والفوارق الاجتماعية.

وأكد أنّ تحقيق العدالة الاجتماعية لا يعني الاكتفاء بمنح الفقير راتب أو إعانة، بل يتطلب توفير السكن الآمن، وفرص العمل، والخدمات الأساسية، وضمان حياة كريمة تمكن المواطن من تحسين وضعه الاقتصادي، والزواج، وامتلاك مسكن ووسائل نقل، بدلاً من إبقائه في دائرة الحاجة.

كما انتقد واقع الخريجين الذين يضطر بعضهم إلى العمل في مهن، لا تتناسب مع سنوات دراستهم، بسبب غياب فرص التعيين، قائلاً إنّ حصول شخص على شهادة جامعية ثم اضطراره للعمل في أعمال شاقة أو خدمية نتيجة البطالة، يعكس خللاً في سياسات التخطيط والتوظيف.

وحذر حسين من أن استمرار الفقر والبطالة والتفاوت الطبقي قد ينعكس سلبا على علاقة المواطن بالدولة، مبيناً أن المواطن الذي يشعر بأنه حُرم من حقوقه في مقابل تمتع فئات أخرى بالامتيازات قد يفقد ثقته بمؤسسات الدولة.

وتابع بالقول إن معالجة هذه الاختلالات تحتاج لحكومة جادة وسياسات اقتصادية واجتماعية واضحة، تقوم على توزيع أكثر عدالة للثروة، ومكافحة الفساد، وربط الامتيازات بالاستحقاق، وتوجيه موارد الدولة نحو تحسين مستوى معيشة المواطنين، بما ينسجم مع الحقوق التي كفلها الدستور العراقي.