اخر الاخبار

بعد مرور أكثر من 100 يوم على تشكيل حكومة رئيس الوزراء الزيدي، لا تزال الكابينة الوزارية بعيدة عن الاكتمال، مع استمرار شغور تسع وزارات وتولي إدارتها بالوكالة، في مشهد يعيد إلى الواجهة واحدة من أبرز أزمات النظام السياسي العراقي: إخضاع المناصب الوزارية للتوافقات والمحاصصة بدلاً من الاحتكام إلى الكفاءة والاستحقاق.

وبينما تتحدث مصادر حكومية عن إمكانية استكمال الكابينة خلال الأيام القليلة المقبلة، تبقى الخلافات السياسية تعرقل حسم عدد من الحقائب، ولا سيما الوزارات الأمنية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات عن قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها وإدارة الملفات التي عدتها أولوية، وفي مقدمتها مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة وتعزيز استقلالية القرار العراقي.

ولا تقف أزمة التشكيل عند حدود الوزارات الشاغرة، إذ تتحدث المعطيات عن استمرار التفاوض بشأن مناصب نواب رئيسي الوزراء والجمهورية، رغم التصريح برفضها، مع احتمال استحداث وزارة جديدة للحوكمة الإلكترونية، فيما تلوح المصادر الحكومية باحتمالية إجراء تغيير وزاري مرتقب، بضغوط خارجية.

صراع على المغانم

في هذا الصدد، أكد الاكاديمي والمحلل السياسي، د. عبد الجبار أحمد، أن تأخر استكمال الكابينة الوزارية لحكومة رئيس الوزراء علي الزيدي يمثل حالة سلبية، ولا يمكن تبريره بعد مرور أكثر من 100 يوم على تشكيل الحكومة، مشيراً إلى أن استمرار شغور عدد من الوزارات يعكس وجود صراعات سياسية داخلية تتجاوز مسألة اختيار الوزراء.

وقال أحمد لـ"طريق الشعب"، إن الحكومة حظيت، منذ تشكيلها، بدعم دولي وإقليمي وحتى محلي، إلا أن هذا الدعم لم ينعكس على سرعة استكمال الكابينة، مبيناً أن جوهر التعطيل يرتبط، بدرجة كبيرة، بالصراع بين قيادات محددة داخل الإطار التنسيقي، وأخرى ضمن تحالف إدارة الدولة.

وأضاف أن غياب وزيري الداخلية والدفاع يطرح تساؤلات جدية بشأن قدرة الحكومة على تنفيذ بعض الملفات الأساسية، ولا سيما ملف حصر السلاح بيد الدولة، موضحاً أن هذا الملف لا يرتبط بالجانب القانوني والتشريعي وحده، وإنما يحتاج إلى إدارة تنفيذية مكتملة تقودها وزارتا الداخلية والدفاع.

وأشار إلى أن استمرار تعطيل الوزارتين يعود، وفق تقديره، إلى "صراعات مبطنة داخل الإطار التنسيقي بشأن الجهة التي ستتولى إدارتهما"، لافتاً إلى أن الحديث عن وجود اشتراطات خارجية لا يمثل مبرراً كافياً، إذ إن المطلوب هو اختيار شخصيات تنسجم مع البرنامج الحكومي.

وشدد أحمد على أن الحديث عن إنجاز حكومي خلال الأشهر الأولى يصبح صعباً في ظل استمرار شغور تسع وزارات، مؤكداً أن تأخر استكمال الكابينة لا يمكن اعتباره أمراً طبيعياً أو مقبولاً سياسياً، لأن استمرار إدارة الوزارات عبر الوكلاء والمديرين لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن التشكيل الوزاري الكامل.

وحمّل أحمد رئيس الوزراء علي الزيدي المسؤولية الكبرى عن استمرار هذا التعثر، باعتباره المسؤول دستورياً عن قيادة الحكومة، مشيراً إلى أن عليه أن يتحرك باتجاه حسم الملف، وأن يوضح للرأي العام والبرلمان أسباب التأخير وموقفه من استمرار شغور الوزارات.

وقال إن توجيه وكلاء الوزارات بالحضور إلى جلسات مجلس الوزراء لا يمثل حلاً لأزمة الكابينة، وإنما إجراء إداري لمعالجة الفراغ، مؤكداً أن المسؤولية، إلى جانب رئيس الوزراء، تقع أيضاً على القوى السياسية المتنفذة، ولا سيما قيادات الإطار التنسيقي، التي ما زالت الخلافات بينها تعرقل حسم عدد من الحقائب.

وفي ما يتعلق بإمكانية استمرار الأزمة خلال الأشهر المقبلة، رأى أحمد أن المشكلة لا تكمن في عدم وجود أسماء قادرة على شغل الحقائب الوزارية، وإنما في طبيعة الصراع السياسي الدائر حولها، موضحاً أن "الأمر يتعلق بصراع على المغانم والعناد السياسي والسعي إلى الحفاظ على النفوذ".

وأضاف أن بعض الوزارات تحولت إلى "وزارات انتخابية"، إذ باتت القوى السياسية تنظر إليها من زاوية تأثيرها في الاستحقاقات الانتخابية ومواقع النفوذ، بدلاً من التركيز على تعزيز أداء الدولة وخدمة المواطنين.

الوزارات الشاغرة تعكس ضعف ارادة الحكومة

من جهته، قال المحلل السياسي داود سلمان إن حكومة الزيدي بدأت تجربتها بزخم وتفاؤل شعبي كبيرين، على خلفية خطواتها بمكافحة الفساد وتعهداتها بتعزيز استقلالية القرار العراقي وحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن مرور أكثر من 100 يوم أظهر تراجعاً واضحاً في مستوى تنفيذ تلك الأهداف.

واضاف سلمان لـ"طريق الشعب"، أن "الوهج الذي رافق انطلاقة الحكومة بدأ يتضاءل مع مرور الوقت، فيما أخذت بعض الملفات تعود تدريجياً إلى مسارات الحكومات السابقة"، مشيراً إلى أن مكافحة الفساد لم تحقق تقدماً بالمستوى الذي كان متوقعاً، في ظل استمرار رؤوس كبيرة في مواقع القرار والتأثير.

وتابع أن ما تحقق خلال المئة يوم الماضية لا يرقى إلى مستوى الوعود التي أطلقتها الحكومة في بدايتها، لافتاً إلى أن الخطوات الأولى في ملف حصر السلاح كانت موضع ترحيب، لكنها لم تفضِ حتى الآن إلى نتائج حاسمة، كما لم يتحقق تقدم واضح في ملف تعزيز السيادة والاستقلالية السياسية للعراق.

وانتقد سلمان استمرار بعض الشخصيات غير المؤهلة في مواقع حكومية، معتبراً أن جزءاً من الإشكالية يتمثل في وصول شخصيات إلى مواقع المسؤولية نتيجة الولاءات السياسية، وليس استناداً إلى الكفاءة والخبرة، محذراً من تأثير "الولاء المزدوج" لبعض المسؤولين على استقلالية القرار العراقي.

ورأى أن إبقاء الوزارات شاغرة لأكثر من 100 يوم يمثل مؤشراً سلبياً على أداء الحكومة وقدرتها على تنفيذ برنامجها، ويعطي انطباعاً بأنها غير قادرة على فرض إرادتها السياسية وتمرير قراراتها التي يفترض ان تكون مستقلة، خصوصاً في الملفات التي أعلنت أنها تمثل أولويات أساسية لحكومتها وفي مقدمتها مكافحة الفساد.

وزاد بالقول أن استمرار هذا الوضع قد يقود في النهاية إلى تمرير مرشحي القوى السياسية بدلاً من مرشحي الحكومة، وهو ما سيعني، بحسب رأيه، تراجعاً عن التعهد الحكومي بإدارة الدولة وفق معايير الكفاءة والاستقلالية.

وفي ما يتعلق بإمكانية استمرار تأخر استكمال الكابينة، قال سلمان إن المشكلة لا تبدو مرتبطة بعدم وجود كفاءات قادرة على شغل الوزارات، بقدر ارتباطها برغبة الأحزاب والقوى السياسية في الاحتفاظ بتأثيرها على عملية اختيار الوزراء، مشيراً إلى أن تجربة الحكومات السابقة أثبتت محدودية قدرة الترشيحات الحزبية على إنتاج وزراء يمتلكون المستوى المطلوب من الخبرة والكفاءة.

وأشار إلى أن الصراع الحالي قد يضع رئيس الوزراء أمام خيارات صعبة، إما الاستجابة لمطالب القوى السياسية، أو الدخول في مواجهة معها دفاعاً عن خياراته الحكومية، معتبراً أن العامل الأميركي قد يكون حاضراً في هذا المشهد باعتباره طرفاً يمتلك نفوذاً واسعاً في العراق.

واتم حديثه بالقول إن حسم ملف الكابينة يتطلب الوصول إلى حكومة تمتلك إرادة سياسية واضحة وقدرة فعلية على إدارة القرار العراقي، بعيداً عن المحاصصة والولاءات، مؤكداً أن استمرار الوزارات بالوكالة لا ينسجم مع هدف بناء حكومة قوية وقادرة على تنفيذ برنامجها وتحقيق الاستقلالية التي تعهدت بها.

الإطار التنسيقي يتحمل مسؤولية التأخير

الى ذلك، اكد الباحث في الشأن السياسي جعفر الكعبي أن استمرار شغور عدد من الوزارات بعد مرور أكثر من 100 يوم على تشكيل الحكومة يعكس استمرار الخلافات السياسية بشأن توزيع الحقائب الوزارية، ولا سيما الوزارات الأمنية.

وقال الكعبي في حديثه مع "طريق الشعب"، أن "الوزارات ما زالت خاضعة للمحاصصة، ولم تتفق القوى السياسية حتى الآن على مرشحي الوزارات الأمنية أو عدد من الوزارات الأخرى"، مشيراً إلى أن أهمية وزارتي الداخلية والدفاع تتضاعف في ظل طرح الحكومة ملف حصر السلاح بيد الدولة باعتباره أحد أبرز أهدافها.

وأضاف أن "من الصعب الحديث عن تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة، في ظل عدم حسم ملف وزارتي الداخلية والدفاع، إلى جانب استمرار إدارة الوزارات الأخرى بالوكالة"، لافتاً إلى أن الأمر لا يقتصر على الوزارات، ويمتد إلى عدد من الهيئات المستقلة التي ما زالت تدار بالوكالة أيضاً.

وحمّل الكعبي قوى الإطار التنسيقي المسؤولية الأساسية المباشرة عن هذا التعثر والتأخر في استكمال الكابينة الحكومية.

وقال إن "الإطار التنسيقي يتحمل كامل المسؤولية عن التأخير، لأن الاتفاق داخله على مرشحيه كان سيتيح تمرير بقية الوزارات"، موضحاً أن آلية تشكيل الحكومات في العراق تقوم عملياً على التوافق والمحاصصة، وبالتالي فإن التفاهم بين القوى السياسية يمكن أن يحسم ملف الحقائب الوزارية بصورة أسرع.

وأشار إلى أن الحديث عن اشتراطات أميركية بشأن عدم إسناد بعض الوزارات إلى شخصيات مرتبطة بفصائل مسلحة لا يُفسر، بحسب رأيه، استمرار التأخير، مؤكداً أن حسم الخلافات السياسية الداخلية يبقى العامل الأهم في استكمال الكابينة.

وفي ما يتعلق بالحديث المتكرر عن قرب حسم الوزارات الشاغرة، شكك الكعبي في وجود اتفاق نهائي بهذا الشأن، مرجحاً أن تكون هناك مفاوضات سياسية سرية وغير معلنة بشأن توزيع الحقائب.