عاد ملف القطاع المصرفي العراقي إلى الواجهة مع تصاعد الجدل بشأن واقع المصارف المحلية ومستوى الثقة بها، بالتزامن مع إجراءات البنك المركزي بحق عدد من المؤسسات المالية، وفي مقدمتها فرض الوصاية على مصرف الطيف الإسلامي لمدة 18 شهراً، وما رافق ذلك من احتجاجات لمودعين في بغداد والبصرة للمطالبة بأموالهم.
وفيما يؤكد البنك المركزي أن القطاع المصرفي يمضي في مسار إصلاحي يستهدف رفع كفاءته وتعزيز انفتاحه على النظام المالي الدولي وحماية أموال المودعين، يختلف خبراء اقتصاديون في توصيف المرحلة، بين من يراها عملية فرز وإعادة تشكيل ضرورية، ومن يركز على تشديد الرقابة والعقوبات، وآخر يحذر من استمرار القيود والضغوط الخارجية على المصارف العراقية.
المركزي: إصلاح القطاع مستمر
وأكد محافظ البنك المركزي العراقي نزار ناصر حسين استمرار البنك في تنفيذ برنامج إصلاح القطاع المصرفي بالتنسيق مع شركة «أوليفر وايمان»، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التطورات الإيجابية وتعزيز انفتاح القطاع المصرفي على النظام المالي الدولي.
وقال حسين، خلال حوار مع عدد من المختصين في الشأن الاقتصادي، إن «الثقة الدولية بالبنك المركزي العراقي كبيرة جداً»، مؤكداً أهمية تعزيز الرقابة الداخلية واتخاذ الإجراءات الوقائية تجاه المؤسسات المالية والمصرفية.
وفي ما يتعلق بأموال المودعين، أكد المحافظ أن «جل أموال الودائع في القطاع المصرفي مضمونة»، مبيناً أنه في حال وجود أي خلل أو عجز، فإن البنك المركزي سيتدخل وفق صلاحياته ومسؤولياته، مطمئناً الجمهور على قدرة البنك على إدارة الأزمات بما يمتلكه من احتياطيات وأدوات مالية وخطط لمواجهتها.
وبشأن الكتلة النقدية، أوضح حسين أن إجمالي العملة المصدرة للتداول يبلغ نحو 107 تريليونات دينار عراقي، مشيراً إلى أن تغيير العملة سيسهم في معرفة الكتلة النقدية الحقيقية المتداولة في الأسواق.
وأكد أهمية دور الإعلام في دعم الإصلاحات الاقتصادية والمصرفية والمساهمة في تحسين صورة العراق وتعزيز الثقة به على المستوى الدولي، مشيراً إلى أن الحكومة الحالية تدار برؤية تستند إلى فكر القطاع الخاص ودوره في التنمية الاقتصادية.
وكشف المحافظ عن مبادرات إقراضية جديدة يعتزم البنك المركزي إطلاقها لدعم المشاريع المهمة والحيوية، بما يسهم في تحفيز الاستثمار والإنتاج وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.
وشدد على أن الإصلاح المصرفي يمثل مساراً مستمراً يهدف إلى بناء قطاع مصرفي أكثر كفاءة وتنافسية وتعزيز علاقته بالنظام المالي الدولي، بما يخدم الاستقرار المالي والاقتصادي في العراق.
فرز وإعادة تشكيل
رأى الخبير الاقتصادي منار العبيدي أن القطاع المصرفي العراقي لا يمر بمرحلة انهيار، وإنما بعملية «فرز وإصلاح وإعادة تشكيل» قد تكون قاسية، لكنها ضرورية لتهيئة القطاع لمرحلة نمو أكبر.
وقال العبيدي إن متابعته لبيانات المصارف العراقية ومؤشراتها لأكثر من خمس سنوات أظهرت أن القطاع المصرفي ينقسم عملياً إلى ثلاث فئات، في مقدمتها المصارف القيادية التي استطاعت تطوير أنظمتها وإدارتها وخدماتها والاقتراب من المعايير الدولية، وبناء ثقة حقيقية لدى الزبائن والمودعين، مشيراً إلى أن عددها لا يتجاوز نحو خمسة مصارف.
وأوضح أن الفئة الثانية تتمثل بالمصارف المتوسطة، التي يمتلك بعضها فرصة للنمو والانتقال إلى الفئة القيادية، شرط تطوير الحوكمة ورأس المال والأنظمة التقنية وإدارة المخاطر والامتثال، فيما قد يتراجع بعضها الآخر إذا لم يتحرك بالسرعة المطلوبة.
أما الفئة الثالثة، بحسب العبيدي، فهي المصارف الصغيرة، التي تعد الحلقة الأضعف والأكثر عرضة للتغيير خلال المرحلة المقبلة، مرجحاً أن تواجه بعض هذه المصارف خيارات محدودة تشمل الاندماج أو إعادة الهيكلة أو الخروج من السوق.
وأكد أن هذه التطورات لا تمثل بالضرورة مؤشراً على انهيار القطاع، مبيناً أن العمل المصرفي لم يعد يقتصر على الإجازة والفروع واستقبال الودائع، بل يتطلب رأس مال حقيقياً وحوكمة وإدارة مخاطر وامتثالاً وبنية تقنية متطورة وقدرة على حماية أموال المودعين والتعامل مع نظام مالي أكثر ارتباطاً بالأسواق الدولية.
وأشار إلى أن الأزمات التي تواجه بعض المصارف قد تؤثر في ثقة الجمهور على المدى القصير، إلا أن جوهر ما يحدث هو عملية «فرز وإصلاح وإعادة تشكيل للسوق المصرفية العراقية».
وأضاف أن بعض المؤسسات «لن تستطيع الاستمرار بالشكل الحالي»، لكن القطاع المصرفي نفسه مقبل، برأيه، على مرحلة نمو كبيرة مدفوعة بتزايد حاجة الاقتصاد العراقي إلى الخدمات المالية.
ولفت إلى أن قطاعات التجارة والاستيراد والمدفوعات والتحويلات وخدمات الشركات وإدارة السيولة والاعتمادات والضمانات والخدمات الرقمية، جميعها تحتاج إلى قطاع مصرفي أكثر كفاءة وتطوراً، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً في الثقة من المصارف الأضعف إلى الأقوى، ومن الخدمات التقليدية إلى الرقمية.
وختم العبيدي بالقول إن العراق سيبقى بحاجة إلى المصارف الحكومية والتجارية والإسلامية، «لكن ليس بالضرورة إلى جميع المصارف الموجودة اليوم بالشكل والحجم والنموذج نفسه»، مؤكداً أن السؤال الحقيقي للمرحلة المقبلة هو «أي المصارف ستكون قادرة على البقاء وكسب ثقة السوق؟».
تشديد الرقابة وحماية المودعين
وكشف الخبير الاقتصادي أحمد هذال تفاصيل اللقاء الذي جمع محافظ البنك المركزي العراقي بعدد من الخبراء الاقتصاديين، مشيراً إلى أن الاجتماع تناول جملة من الملفات المتعلقة بالسياسة النقدية والمصارف والاحتياطيات والدين الداخلي.
وقال هذال إن العلاقة بين البنك المركزي والحكومة ينبغي أن تكون منسقة، وفقاً لتوصيات صندوق النقد الدولي، مع الحفاظ على استقلالية كل سياسة في تحديد أهدافها، بما يضمن الاستقرار المالي والنقدي ويحافظ على الاحتياطيات، إلى جانب ضرورة وضع سقف واضح لسندات الدين الداخلي.
وبشأن القطاع المصرفي، أوضح هذال أن بعض المصارف تستخدم أساليب احتيالية بحق المواطنين، مبيناً أن البنك المركزي بادر إلى فرض الوصاية على مصرف الطيف بهدف حماية إيداعات المواطنين، وأن هذا الإجراء يعد من الإجراءات الروتينية في عمل البنك المركزي، فيما لا ترتبط العقوبات المفروضة على المصرف بأي جهة خارجية، بحسب قوله.
وأضاف أن بعض المواطنين قد ينجذبون إلى ارتفاع أسعار الفائدة من دون الالتفات بصورة كافية إلى المخاطر المرتبطة بالإيداعات، مشيراً إلى أن البنك المركزي، بعد فرض الوصاية، سيستخدم مجموعة من السياسات والإجراءات للوصول إلى ثروات وممتلكات مالكي المصرف، ولا سيما أن المصرف تعهد مؤخراً بتسديد 60 بالمئة من حجم الإيداعات.
وأكد هذال أن ردة فعل البنك المركزي تجاه مصرف الطيف كانت قوية، وستكون أقوى تجاه أي مصرف آخر لا يلتزم بالضوابط والتعليمات، لافتاً إلى أن توجه البنك في المرحلة الحالية يتجه نحو توسيع إجراءات العقوبات المالية، في ظل وجود معرفة بحالات الاحتيال المصرفي وغسل الأموال.
وفي ملف التحويلات الخارجية، أشار إلى أن أي مصرف يمتلك القدرة على المراسلة المصرفية سيدخل إلى المنصة، مؤكداً أن البنك المركزي في وضع مريح من ناحية تلبية طلبات الحوالات النظيفة، ولديه الاستعداد لعزل المصارف المخالفة أو المتورطة في تحويلات غير سليمة، مع وجود بدائل يمكنها تعويض حصتها في السوق.
وكشف هذال عن توجه لتعديل بعض فقرات شركة ضمان الودائع، ولا سيما بعد عدم قيامها، بحسب رأيه، بدور كاف في دق جرس الإنذار تجاه بعض المصارف المخالفة، باتجاه اعتماد إجراءات أكثر استباقية للكشف عن المخاطر المصرفية قبل تفاقمها.
وفي السياق ذاته، ذكر أن البنك المركزي فرض عقوبات على ثلاث شركات تحويل مالي بسبب مخالفات تتعلق بـ«بوردنك» المسافرين، مؤكداً اتخاذ الإجراءات اللازمة بحق أي شركة أخرى لا تلتزم بالضوابط والتعليمات.
وفيما يتعلق بالاحتياطيات الخارجية، أوضح هذال أن الهدف الأساسي من استثمارها هو المحافظة عليها وتنميتها، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تعمل على حمايتها من الدعاوى القضائية الخارجية، وأن البنك المركزي تمكن من التصدي لبعض الحالات وحماية الاحتياطيات.
وبشأن الدين الحكومي، قال هذال إن آخر تسديد من وزارة المالية لصالح البنك المركزي كان قبل نحو ثلاث سنوات، وإن المالية لا تستطيع حالياً دفع مستحقات الدين، كاشفاً عن وجود عملية تسوية بطريقة الأصول لمعالجة الدين وخصمه بصورة عادلة، بهدف جعل الدين المقبل أكثر إنتاجية، مع عدم منح مرونة كبيرة في زيادة حجم الدين الداخلي.
القيود الأمريكية ما زالت قائمة
من جهته انتقد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي تصريحات محافظ البنك المركزي بشأن واقع القطاع المصرفي وعلاقته بالنظام المالي الدولي، معتبراً أن بعض التصريحات المقدمة للرأي العام تتضمن مبالغات وتحتاج إلى توضيح عدد من الحقائق.
وقال الهاشمي إن الحديث عن عدم وجود عقوبات دولية على القطاع المصرفي العراقي بعد اليوم لا يعكس، بحسب رأيه، الواقع الحالي، مشيراً إلى وجود قيود أمريكية فعلية وتشديد على عدد من المصارف، فضلاً عن مخاطر فرض عقوبات ثانوية في أي وقت، ولا سيما في سياق العقوبات الأمريكية على إيران.
واعتبر أن النظام المصرفي العراقي من أكثر الأنظمة المصرفية تعرضاً للعقوبات والقيود الأمريكية، مؤكداً أن وجود هذه القيود يجعل الحديث عن انتهاء العقوبات الدولية بحاجة إلى تدقيق.
وانتقد الهاشمي كذلك الحديث عن وجود «ثقة دولية كبيرة» بالبنك المركزي العراقي، متسائلاً عن كيفية توصيف مستوى الثقة في ظل وجود عقوبات على مصارف وتقييد أخرى وتشديد وتدقيق على عمليات وحوالات المصارف غير المعاقبة.
وقال إن الوصف الأدق، من وجهة نظره، هو وجود «رقابة وتشديد وضغط أمريكي كبير» على المنظومة المصرفية العراقية، وليس ثقة دولية واسعة بالقطاع المصرفي.
وتطرق الهاشمي إلى حديث المحافظ عن أهمية الإعلام في تحسين صورة العراق دولياً، معتبراً أن قدرة الإعلام على تغيير الصورة الخارجية للعراق تبقى محدودة إذا استمرت مشكلات أداء المؤسسات الرسمية.
وأشار إلى أن السياسات الخاطئة وضعف الإدارة وانتشار الفساد وسطوة الأحزاب والمكاتب الاقتصادية، بحسب رأيه، عوامل تؤثر في صورة الدولة العراقية خارجياً، معتبراً أن معالجة هذه المشكلات تتطلب إصلاحاً في أداء المؤسسات وليس الاكتفاء بتحسين الخطاب الإعلامي.
ورأى أن خطاب المحافظ الحالي يسير، بحسب تقديره، على نهج المحافظ السابق في تقديم ما وصفه بـ«حرف الحقائق» ونشر المبالغات، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أهمية وجود أصوات تراقب هذه التصريحات وترد عليها وتضع الحقائق أمام الجمهور.
قطاع أمام اختبار الثقة
وبينما يؤكد البنك المركزي أن إصلاح القطاع المصرفي يمضي نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة وتنافسية وتعزيز الارتباط بالنظام المالي الدولي، يرى العبيدي أن المرحلة الحالية تمثل عملية فرز ستعيد رسم خارطة المصارف، في حين يركز هذال على تشديد الرقابة وحماية المودعين وتنظيم التحويلات.
أما الهاشمي، فيضع الإصلاح المصرفي في سياق أوسع يرتبط بالقيود والضغوط الأمريكية، معتبراً أن استعادة الثقة لا تتعلق بالإجراءات الداخلية وحدها، وإنما أيضاً بقدرة النظام المصرفي العراقي على التعامل مع البيئة المالية الدولية.
وبذلك يواجه القطاع المصرفي العراقي مرحلة تتداخل فيها إجراءات الإصلاح والرقابة وحماية المودعين مع تحديات الثقة والامتثال والقيود الخارجية، فيما ستحدد قدرة المصارف على تطوير إدارتها وأنظمتها ومخاطرها مدى قدرتها على الاستمرار في السوق خلال المرحلة المقبلة.