برغم ما يمتلكه العراق من موارد نفطية ومالية وطبيعية وبشرية، لا تزال انعكاسات هذه الإمكانات على حياة المواطنين، دون مستوى ما يفترض أن توفره دولة غنية بالموارد، وهو ما تعكسه المرتبة 125 عالمياً في مؤشر التقدم البشري وجودة الحياة لعام 2026.
وبين حجم الإنفاق العام واتساع الموازنات من جهة، ومستوى الخدمات والقدرة الشرائية وفرص العمل والاستقرار المعيشي من جهة أخرى، تبرز تساؤلات بشأن أسباب اتساع الفجوة بين موارد البلاد وما يحصل عليه المواطن فعلياً، وما إذا كانت المشكلة تكمن في حجم الموارد أم في كفاءة إدارتها وتحويلها إلى نتائج ملموسة.
التقدم البشري وجودة الحياة وحلّ العراق في المرتبة 125 عالمياً من أصل 196 دولة ضمن مؤشر التقدم البشري وجودة الحياة لعام 2026 الصادر عن مجلة (CEOWORLD) الأميركية، مسجلاً 70.58 نقطة، ليصنف ضمن فئة المستوى "المتوسط".
وعربياً، تصدرت الإمارات الترتيب في المرتبة 31 عالمياً، تلتها قطر (47)، والبحرين (54)، والسعودية (60)، والكويت (64)، وسلطنة عُمان (71). فيما جاءت ليبيا (89)، والجزائر (90)، والأردن (98)، ولبنان (102)، وتونس (105)، ومصر (109)، والمغرب (117)، بينما حل العراق في المرتبة 125، تلته سوريا (153)، والسودان (165)، واليمن (185).
ويستند المؤشر إلى 23 مؤشراً فرعياً موزعة بالتساوي على ثلاثة أبعاد رئيسية هي الاستقرار والرضا والتوازن، وتشمل معايير مرتبطة بالنمو الاقتصادي والدخل والسكن والتوظيف والصحة والتعليم والأمن والحوكمة والفساد والبنية التحتية والحقوق والحريات والبيئة والتوازن بين العمل والحياة.
ولا تقتصر مؤشرات جودة الحياة على قياس مستوى الدخل والنمو الاقتصادي، وإنما تشمل مجموعة من العوامل المرتبطة برفاه السكان ومستوى الخدمات والبيئة والأمن والقدرة على الوصول إلى فرص العمل. وفي الحالة العراقية، تتداخل هذه العوامل مع تحديات اقتصادية وخدمية وبيئية وبنية تحتية متفاوتة بين المحافظات.
مشكلة هيكلية مزمنة
وفي هذا الشأن، قال أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي إن حلول العراق في المرتبة 125 من أصل 196 دولة في مؤشر جودة الحياة لعام 2026 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد ترتيب دولي، وانما مؤشراً على فجوة بين الإمكانات الاقتصادية التي يمتلكها العراق والنتائج التي تنعكس فعلياً على حياة المواطن.
وأضاف السعدي في حديث مع "طريق الشعب"، أن العراق لا يعاني من نقص الموارد، في ظل امتلاكه موارد نفطية وطبيعية وإيرادات عامة كبيرة، مبيناً أن السؤال الاقتصادي الأهم لا يتعلق بحجم الموارد التي يمتلكها البلد، وإنما بمقدار ما يتحول منها إلى رفاه حقيقي للمواطن.
وأوضح أن المشكلة لا تكمن فقط في حجم الإيرادات العامة، وإنما في كفاءة تحويلها إلى خدمات وفرص وأمن اقتصادي واستقرار مؤسسي، لافتاً إلى أن توجيه نسبة كبيرة من الإنفاق نحو الأجور والرواتب والنفقات الجارية، مقابل استمرار الحاجة إلى إصلاحات عميقة في قطاعات الكهرباء والصحة والتعليم والنقل والبيئة والخدمات البلدية، يجعل ارتفاع الإنفاق غير كافٍ بالضرورة لتحسين جودة الحياة.
وأشار إلى أن المرتبة التي حققها العراق لا تعكس بالضرورة تراجعاً مفاجئاً في مستوى معيشة العراقيين، بقدر ما تكشف عن مشكلة هيكلية مزمنة، موضحاً أن المؤشر يعتمد مجموعة واسعة من المعايير المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي والدخل والسكن والأمن والصحة والتعليم والحوكمة والفساد والبنية التحتية والحقوق والبيئة، وبالتالي فإن موقع العراق يعكس تراكم نقاط ضعف متعددة وليس مؤشراً واحداً.
وبيّن السعدي أن كفاءة المؤسسات والخدمات العامة تمثل جانباً أساسياً في تفسير هذه المشكلة، موضحاً أن العراق يستطيع تحقيق إيرادات مرتفعة عندما تكون أسعار النفط مرتفعة، لكن التحدي يتمثل في قدرة الدولة على تحويل تلك الإيرادات إلى تعليم نوعي، ورعاية صحية فعالة، وكهرباء مستقرة، ونقل حديث، وبيئة أفضل، وفرص عمل منتجة، وحماية اجتماعية حقيقية.
وأكد أن مستوى الدخل وحده لا يكفي لقياس جودة الحياة، موضحاً أن المشكلة الأعمق تتمثل في قدرة الاقتصاد على تحويل الدخل الوطني إلى رفاه اجتماعي، إذ يقيس المواطن قوة الاقتصاد من خلال مؤشرات ملموسة، بينها استقرار الكهرباء، وكلفة السكن، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وفرص العمل، والقدرة الشرائية، وأمنه الشخصي، وكفاءة المؤسسات الحكومية، ونظافة المدن.
ولفت إلى أن القدرة الشرائية تبقى عاملاً مهماً، لكنها ليست العامل الوحيد، مبيناً أن ارتفاع دخل الفرد اسمياً قد لا ينعكس بالضرورة على مستوى معيشته إذا كان مضطراً إلى تحمل نفقات إضافية للحصول على الكهرباء أو التعليم أو العلاج أو النقل والخدمات المختلفة، ما يعني أن جزءاً من دخله يُستنزف نتيجة ضعف الخدمات العامة.
وفي ما يتعلق بحجم الإنفاق الحكومي، قال السعدي إن استمرار التحديات المرتبطة بجودة الحياة، رغم إنفاق الدولة مبالغ كبيرة خلال السنوات الماضية، يرتبط بدرجة كبيرة بكفاءة الإنفاق وليس بحجمه فقط، موضحاً أن الإنفاق العام لا يتحول تلقائياً إلى تنمية، وأن هناك فرقاً بين صرف الأموال وتحقيق نتائج تنموية قابلة للقياس.
وأضاف أن المشروع الناجح لا يُقاس باستكمال موازنته المالية، وإنما بالنتائج التي يحققها، مثل خفض كلفة النقل، أو توفير مياه صالحة للشرب، أو تحسين التعليم، أو خفض البطالة، أو رفع إنتاجية الاقتصاد، داعياً إلى الانتقال من السؤال عن حجم الإنفاق إلى قياس النتائج المتحققة مقابله.
معالجة كفاءة الإنفاق
وأشار إلى أن إصلاح المالية العامة يتطلب كذلك معالجة كفاءة الإنفاق، إلى جانب إصلاح فاتورة الأجور، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين الحوكمة، ومكافحة الفساد، وإصلاح قطاع الكهرباء.
وشدد السعدي على أن رفع موقع العراق في مؤشرات جودة الحياة لا يتحقق من خلال إضافة مشاريع خدمية متفرقة فقط، وإنما يتطلب إعادة تعريف مفهوم التنمية، بحيث يرتبط توفير فرص العمل بالإنتاجية، ويرتبط التعليم بإنتاج رأس مال بشري قادر على المنافسة، وتقاس الخدمات الصحية بجودتها ونتائجها، وتعمل قطاعات الكهرباء والماء والنقل والاتصالات بكفاءة.
وأكد أن التحدي الأساسي يتمثل في بناء مؤسسات قادرة على تحويل الموارد إلى نتائج ملموسة، مبيناً أن التعامل مع جودة الحياة باعتبارها ملفاً للخدمات والمشاريع فقط يترك جوانب أخرى مؤثرة في حياة المواطن، من بينها جودة المؤسسات، والثقة بالدولة، والأمان الاقتصادي، والعدالة في الحصول على الفرص، والتعليم والصحة والبيئة، وفرص الشباب في القطاع الخاص، والقدرة على التخطيط للمستقبل.
وختم بالقول إن العراق بحاجة إلى الانتقال من مفهوم "دولة الإنفاق" إلى "دولة النتائج"، بحيث لا يقتصر تقييم الأداء على حجم الموازنات والمشاريع، وإنما يمتد إلى قياس مدى تحسن التعليم، واستقرار الكهرباء، وجودة الخدمات الصحية، ودخل الأسر الحقيقي، والبطالة، والبيئة، وقدرة القطاع الخاص على توفير فرص العمل.
أموال تنفق بلا أثر تنموي
من جهته، اكد الخبير الاقتصادي علي دعدوش، أن حلول العراق في المرتبة 125 من أصل 196 دولة في مؤشر التقدم البشري وجودة الحياة لعام 2026، وبدرجة 70.58 نقطة، هي اوضح دليل على ضعف قدرة الاقتصاد والدولة على تحويل الموارد إلى رفاه فعلي للمواطن.
وقال في حديث مع "طريق الشعب، أن المؤشر لا يقيس مستوى الدخل فقط، وإنما يتناول مجموعة من الجوانب المرتبطة بجودة الحياة، من بينها الدخل والسكن والتوظيف والصحة والتعليم والأمن والحوكمة والبنية التحتية والبيئة والحقوق.
وبين أن المشكلة الأساسية في العراق لا ترتبط بالضرورة بقلة الإيرادات أو انخفاض الإنفاق العام، بل بالفجوة الممتدة بين الإيراد والإنفاق وكفاءة التنفيذ وجودة الخدمة ومستوى معيشة المواطن.
وأضاف أن الدولة قد تنفق مليارات الدولارات، لكن إذا ذهبت نسبة كبيرة من الإنفاق إلى الرواتب والنفقات الجارية أو إلى مشاريع منخفضة الكفاءة، فإن الأثر التنموي لكل دينار أو دولار يُنفق يبقى محدوداً، وقد ينعدم في بعض الحالات.
وأشار إلى أن المؤشر الأكثر تعبيراً عن المشكلة العراقية يتمثل في القدرة الفعلية للمواطن على تحويل دخله إلى مستوى معيشي مستقر، وليس مستوى الدخل الاسمي وحده، موضحاً أن ارتفاع الدخول الحكومية قد يترافق مع تراجع القوة الشرائية، نتيجة ارتفاع الأسعار وضعف الخدمات العامة وارتفاع كلف الكهرباء والنقل والسكن والصحة والتعليم.
وبيّن أن هذه العوامل تفسر عدم شعور المواطن بتحسن يتناسب بالضرورة مع حجم الإنفاق الحكومي، مؤكداً أن المرتبة التي حققها العراق تكشف بدرجة أكبر عن مشكلة في كفاءة المؤسسات وجودة الخدمات وقدرة الدولة على تحويل الإنفاق العام إلى نتائج ملموسة، وليس عن مشكلة مالية فحسب.
ولفت دعدوش إلى أن جودة الحياة لا تُبنى بالمشاريع الخدمية وحدها، وإنما تشمل أيضاً فرص العمل والاستقرار الاقتصادي والبيئة والأمن والصحة النفسية والاجتماعية وجودة التعليم ووقت المواطن والعدالة في الوصول إلى الخدمات.
وقال إن العراق لا يعاني من فقر الموارد بقدر ما يعاني من ضعف في تحويل موارده إلى إنتاجية وخدمات وفرص وحياة أفضل، مشيراً إلى أن هذه الفجوة ينبغي أن تكون محوراً أساسياً في السياسة الاقتصادية، من خلال الانتقال من قياس حجم الموازنة وما أُنفق منها إلى قياس النتائج التي يحصل عليها المواطن مقابل كل دينار يُنفق.
وأكد أن هذه النقطة تمثل، برأيه، الجانب الأكثر أهمية في قراءة مرتبة العراق في مؤشر جودة الحياة، باعتبارها مرتبطة بكفاءة استخدام الموارد العامة وتحويلها إلى نتائج تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.
أين المشكلة؟
الى ذلك، قال الكاتب والباحث السياسي د. قاسم السلطاني، إن حلول العراق في المرتبة 125 في مؤشر جودة الحياة يعكس واقعاً مؤسفاً، ولا سيما أن البلاد تمتلك موارد مالية وطبيعية وبشرية كبيرة، إلى جانب الكفاءات والعقول القادرة على الإسهام في التنمية، إلا أن هذه الموارد لم تنعكس بصورة ملموسة على مستوى حياة المواطن.
واضاف السلطاني لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة تتمثل في عدم توظيف الموارد المتاحة بالشكل الذي يخدم المواطن، ما أدى إلى استمرار مشكلات تتعلق بدخل الفرد، ومستوى المعيشة، والبطالة، والخدمات، مؤكداً أن المواطن لم يلمس بصورة كافية أثر الثروات التي يمتلكها العراق.
وأشار إلى أن الجانب البيئي يمثل أحد العوامل المؤثرة في جودة الحياة، في ظل ارتفاع مستويات التلوث وتلوث مصادر المياه، مبيناً أن هذا الأمر ينعكس بصورة خاصة على المناطق الجنوبية، التي تشهد مشكلات صحية مرتبطة بتلوث المياه والبيئة، وفق ما أشار إليه.
وتابع أن مسؤولية معالجة هذه الملفات لا تقع على عاتق المواطن وحده، وإنما تتحمل المؤسسات الحكومية جانباً أساسياً منها، خصوصاً في ما يتعلق بحماية الموارد المائية والحد من مصادر التلوث ومعالجة آثاره الصحية والبيئية.
وفي الجانب المعيشي، قال السلطاني إن ارتفاع الأسعار والتضخم وتأثر السوق بحركة سعر الصرف تمثل عوامل إضافية تضغط على مستوى معيشة المواطن، مبيناً أن وجود سعر صرف موازٍ للدولار وما يرافقه من ارتفاع في أسعار عدد من السلع والمواد ينعكس بصورة مباشرة على القدرة الشرائية.
ولفت إلى أن التداعيات الاقتصادية المرتبطة بالتطورات الإقليمية، ومنها ما يتعلق بمضيق هرمز، تزيد من الضغوط على الاقتصاد العراقي والأسواق المحلية، مشيراً إلى أن الإجراءات الحكومية المتخذة حتى الآن لم تقدم، برأيه، حلولاً جذرية لهذه المشكلات أو لمعالجة الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي.
وأكد السلطاني أن جوهر المشكلة يرتبط أيضاً بضعف التخطيط، ولا سيما في ما يتعلق بدور وزارة التخطيط باعتبارها الجهة المعنية بالتخطيط العام للمشاريع والبرامج الاقتصادية والتنموية، مشيراً إلى أن غياب التخطيط المتكامل ينعكس على إدارة المشاريع والإنفاق العام وسوق العمل والرواتب.
وزاد بالقول أن الحكومات المتعاقبة لم تتمكن من معالجة هذه الملفات بصورة جذرية، مبيناً أن بعض الفترات شهدت تحسناً في بعض المؤشرات الاقتصادية، إلا أن السياسات الحالية، بحسب رأيه، لا تزال تعتمد في جوانب منها على حلول مؤقتة لمعالجة الأزمات بدلاً من وضع معالجات طويلة الأمد.
وأشار إلى أن ملف البطالة يمثل أحد أبرز مظاهر أزمة جودة الحياة، موضحاً أن مطالبات المواطنين بفرص العمل تعكس حاجة فعلية إلى معالجة بنيوية لسوق العمل، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة الظرفية للمطالب.
وفي ما يتعلق باستمرار انخفاض جودة الحياة رغم إنفاق الدولة مبالغ كبيرة، عزَا السلطاني ذلك بصورة أساسية إلى ضعف التخطيط، مبيناً أن جزءاً من المشاريع الخدمية المنفذة في قطاعات المدارس والبنى التحتية والجامعات والصحة لا يزال، بحسب تقييمه، دون مستوى احتياجات المواطنين وطموحاتهم.
وأوضح أن حجم الإنفاق لا يكفي وحده لتحقيق تحسن في جودة الحياة، ما لم يقترن بمشاريع متكاملة ذات أثر مباشر وقابل للقياس، مشيراً إلى أن بعض المشاريع تُنفذ بصورة جزئية أو لا تعالج أصل المشكلة، الأمر الذي يحد من أثر الموازنات الكبيرة التي تُخصص لها.
وختم السلطاني بالقول إن تحسين جودة الحياة في العراق يتطلب الانتقال من معالجة الأزمات بصورة مؤقتة إلى التخطيط طويل الأمد، وتوجيه الموارد نحو مشاريع وخدمات قادرة على إحداث تغيير فعلي في حياة المواطنين، بما يضمن أن تنعكس الثروة والموارد التي يمتلكها العراق على مستوى المعيشة بصورة ملموسة.