هل من تداعيات لانسحاب القوات؟!
لموقع المونيتور الأمريكي، كتبت الصحفية شيلي كيتلسون مقالًا حول انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، ربطت فيه بين متطلبات المرحلة الجديدة، والتنسيق بين بغداد وأربيل، ومدى الثقة بالقوات الأمنية العراقية، ومخاطر استغلال الجماعات المسلحة لأي فراغ أمني، مشيرةً إلى أن نجاح الانسحاب العسكري الأمريكي لا يُقاس فقط بخروج القوات، بل بقدرة الدولة العراقية على حماية المواطنين، ومحاسبة قواتها، ومنع عودة الإرهاب.
بداية أم مصادفة؟
وأشارت الكاتبة إلى أن قيادة جهاز مكافحة الإرهاب أعلنت عن مقتل شخصين مرتبطين بتنظيم داعش في كركوك، قبيل رحيل قوات التحالف، مما أثار تساؤلات بشأن مدى قدرة الإرهاب على معاودة نشاطه، ومدى صحة اللغط المثار حول ارتكاب أفراد من الجهاز خطأً أدى إلى مقتل شخصين بريئين اشتُبه بهما، وبالتالي قدرة الدولة على محاسبة أي جهة تنتهك حقوق المدنيين، لا سيما أن 71 في المائة من الشباب المتورطين في الانتماء إلى الجماعات الإرهابية ادّعوا أن التعامل الفظ من جانب قوات الأمن معهم كان عاملاً في انضمامهم إلى العنف. وتوقعت الكاتبة أن تساعد سرعة التحقيقات، ومعاقبة المسؤولين عند ثبوت المخالفات، وإطلاع الجمهور على نتائجها، في منع تآكل الثقة بالدولة.
التنسيق بين بغداد وأربيل
ولفتت الكاتبة الانتباه إلى أن عدم اتفاق الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان على التنسيق الأمني المطلوب سيضعف قدرات مواجهة الإرهاب، ولا سيما في المناطق المتنازع عليها، حيث يمكن أن تتداخل المسؤوليات الأمنية وتظهر ثغرات تستغلها الجماعات الإرهابية. وحذّرت من افتراض وجود علاقة بين انسحاب القوات وانتهاء مخاطر الإرهاب، مؤكدةً أن النشاط الدوري لبقايا التنظيم، وصعوبة ضبط المناطق المعقدة جغرافياً، وتشابك القوى الأمنية والمسلحة الموجودة فيها، كلها ظروف تستدعي سدّ أي ثغرات أمنية قد يستغلها الإرهابيون.
اختبارات ثلاثة
ولصحيفة لوموند الفرنسية، كتب صموئيل فوري مقالًا حول دلالات انتهاء الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف الدولي في العراق، وما يتركه ذلك من أسئلة أمنية وسياسية مفتوحة، معتبراً الانسحاب إنجازًا رمزيًا للسيادة احتفت به الحكومة العراقية، وقدّمه ترامب باعتباره انتصاراً للبلدين.
وبعد أن استعرض المقال الانسحاب الأمريكي السابق عام 2011، وعودة تنظيم داعش عام 2014، وصولاً إلى سيطرته على الموصل، شدّد الكاتب على ضرورة الاستفادة من هذه التجربة التاريخية عبر تعزيز قدرات القوات العراقية على مواجهة الإرهاب، وحصر السلاح بيد الدولة، وحماية أمن إقليم كردستان وحقوق جميع الأطياف العراقية، متسائلًا عن مدى قدرة بغداد على تنفيذ هذه المهام بدقة ونجاح.
واستبعد الكاتب وقوع انهيار أمني بسبب انسحاب قوات التحالف، مستدركاً بأن هناك ثلاثة اختبارات مترابطة: أولها قدرة القوات العراقية على منع عودة داعش دون الإسناد العسكري المباشر للتحالف؛ وثانيها قدرة الحكومة على حصر السلاح بيد الدولة ومنع تعدد مراكز القوة؛ وثالثها وجود خطة لحماية إقليم كردستان والأقليات في ظل استمرار التحولات الإقليمية.
المشكلات أعمق مما تبدو عليه
ولموقع ميدل إيست مونيتور البريطاني، كتب جانيوس سياهان مقالًا ذكر فيه أن اقتراب العراق من اختبار حاسم لسيادته، بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، لا يضع أمام حكومته قضية التصدي للمهام الأمنية ومنع عودة النشاطات الإرهابية فحسب، بل يطرح أيضًا تحدي حصر السلاح بيد الدولة وتوحيد القرار.
وأشار إلى أن رفض بعض القوى تسليم السلاح لا يتعلق فقط برفض حلفائها في طهران ذلك، بل يكشف عن مشكلة أعمق، تتمثل في أن هذه القوى باتت جزءاً لا يتجزأ من النظام السياسي الذي تسعى إلى إصلاحه؛ إذ تحظى باعتراف رسمي، وإمكانية الوصول إلى الموارد العامة، ونفوذ سياسي، فضلًا عما تعكسه حساباتها من تنافسات إقليمية ومصالح داخلية.
ولذلك، لا يقتصر التحدي الرئيسي الذي يواجه العراق على جمع الأسلحة، بل يشمل تفكيك الترتيبات السياسية والمؤسسية والاقتصادية التي تسمح لقوى مسلحة بالاحتفاظ بسلطة مستقلة داخل الدولة. ومن دون ذلك، قد يغيّر نزع السلاح مظهر المؤسسات الأمنية، مع الإبقاء على التوزيع الأساسي للسلطة فيها سليماً إلى حد كبير.
كما أن مجمل التعقيدات التي أفرزتها سياسات الحكومات المتعاقبة في هذا المجال تجعل نزع السلاح القسري مكلفاً سياسياً، في حين يمنح احتمال فقدان النفوذ القوى المسلحة حوافز قوية لمقاومة الإصلاحات التي تهدد استقلاليتها. وهذا ما يستدعي معالجة الترتيبات السياسية التي تكافئ امتلاك القوة المسلحة المستقلة؛ وإلا، فإن الدولة تخاطر بمواجهة فصائل منفردة، مع الإبقاء على النظام الذي يتيح ظهور مراكز جديدة للسلطة.
واختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن الاختبار الحقيقي يكمن في السلوك، لا في الإجراءات الإدارية؛ إذ يجب على الدولة أن تبرهن على أن أوامرها ملزمة، وأن ضوابطها المالية فعالة، وأن قوانينها تُطبَّق بالتساوي على الجميع.