اخر الاخبار

بالتزامن مع شهر أكتوبر الوردي، تتجدد الدعوات في العراق إلى تعزيز الكشف المبكر عن سرطان الثدي، في ظل أرقام معلنة عن الإصابات ومطالبات بإقرار نظام وطني للفحص وتطوير قاعدة بيانات شاملة ترصد الحالات ومراحل تشخيصها. وبين أهمية الفحوصات الدورية وضرورة توحيد الإحصاءات الصحية، يشدد مختصون على أن التشخيص المبكر وتوسيع الخدمات الطبية وتوفير الدعم النفسي عوامل تسهم في تحسين فرص العلاج والتعافي، فيما تثير ممارسات تسويقية مرتبطة بالمناسبة تساؤلات بشأن مدى الالتزام بأهداف التوعية الصحية.

حملة وطنية

وأطلقت وزارة الصحة، حملة وطنية للكشف المبكر عن سرطان الثدي وعنق الرحم، تحت شعار «عيشيها بأمان»، بالتزامن مع شهر تشرين الأول/أكتوبر، المخصص عالمياً للتوعية بسرطان الثدي، بهدف تعزيز الوعي بأهمية الفحوصات الدورية وتشجيع النساء على مراجعة المؤسسات الصحية وإجراء الفحوصات اللازمة.

وفي سياق متصل، دعا قسم مكافحة مرض السرطان في وزارة الصحة بإقليم كردستان إلى إقرار نظام وطني منظم للكشف المبكر عن سرطان الثدي في العراق، مؤكداً الحاجة إلى تعزيز برامج الوقاية والتشخيص المبكر.

وبحسب أرقام أعلنها القسم خلال العام الماضي، سُجلت أكثر من 9 آلاف إصابة بسرطان الثدي سنوياً في عموم العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، فيما أشارت البيانات إلى أن 2 في المائة فقط من الحالات تُكتشف في المرحلة الأولى، مقابل تشخيص بقية الحالات في المراحل الثانية والثالثة والرابعة، التي تكون أكثر صعوبة في السيطرة عليها.

وفي تصريح آخر نُشر الأسبوع الماضي، أُعلن تسجيل 2180 إصابة بسرطان الثدي، فيما تراوحت نسب الإصابات المسجلة في محافظات وسط العراق وجنوبه بين 20 و30 في المائة، مع التأكيد على ضرورة تعزيز برامج الوقاية والكشف المبكر.

وتقول الشابة ملاك (30 عاماً) إنها تحرص على إجراء الفحوصات الدورية للكشف عن سرطان الثدي سنوياً، برفقة أفراد عائلتها، منذ وفاة إحدى قريباتها قبل خمس سنوات، بعد اكتشاف إصابتها بالمرض في مرحلة متأخرة. وتوضح أن هذه التجربة تركت أثراً عميقاً في العائلة، وجعلت أفرادها أكثر إدراكاً لأهمية الكشف المبكر وعدم إهمال الفحوصات، خشية تكرار التجربة مع امرأة أخرى من الأسرة.

وتضيف ملاك، في حديثها لـ"طريق الشعب"، أن الفحص السنوي أصبح جزءاً من اهتمام العائلة بصحتها، إذ تحرص أفرادها على تشجيع بعضهم بعضاً على مراجعة المؤسسات الصحية وإجراء الفحوصات اللازمة. وتؤكد أن فقدان قريبتها غيّر نظرتها إلى الكشف المبكر، وجعلها تنظر إليه بوصفه خطوة ضرورية للاطمئنان على الصحة والتعامل مع أي تغيرات في وقت مبكر.

وفي المقابل، تلفت ملاك إلى ما تصفه باستغلال تجاري لحملات التوعية بسرطان الثدي التي تتكرر سنوياً خلال شهر أكتوبر، مشيرة إلى أن بعض المطاعم والمراكز التجارية، وحتى بعض الأطباء، يستثمرون المناسبة لأغراض ترويجية وتسويقية بدلاً من التركيز على التوعية الصحية وأهمية الكشف المبكر. وتؤكد أن التوعية ينبغي أن ترتبط بتقديم معلومات طبية موثوقة وتشجيع النساء على إجراء الفحوصات اللازمة، لا أن تتحول إلى مجرد حملة دعائية تستفيد من اهتمام النساء بالمرض.

سرطان الثدي يصيب أغلب الأعمار

من جانبه، يقول طبيب الأشعة والسونار غسان باسل الجلبي إن الكشف المبكر عن سرطان الثدي يسهم في زيادة فرص العلاج، ويقلل من احتمالات انتشار المرض إلى أعضاء أخرى من الجسم، مشدداً على أهمية الفحوصات الدورية، ولا سيما لدى النساء اللواتي تجاوزن سن الأربعين.

ويوضح الجلبي، في حديثه لـ"طريق الشعب"، أن فحوصات الكشف المبكر تشمل التصوير بالماموغرام والسونار، مبيناً أن الماموغرام يُستخدم للكشف عن التغيرات المشبوهة، فيما يُلجأ إلى السونار عند وجود كتلة أو مؤشرات تستدعي مزيداً من الفحص والتقييم الطبي.

ويشير إلى أهمية الفحص الذاتي للثدي، داعياً النساء إلى الانتباه لأي تغيرات غير طبيعية، مثل ظهور كتلة جديدة، أو احمرار الجلد وتغير لونه، أو تراجع الحلمة، أو خروج إفرازات منها، ومراجعة الطبيب فور ملاحظة أي من هذه العلامات.

ويضيف الجلبي أن اكتشاف المرض في مراحله الأولى قد يجعل العلاج أقل تعقيداً، وقد يتيح، بحسب طبيعة الحالة، الاكتفاء بتدخل جراحي محدود لإزالة الكتلة، مع تقليل الحاجة إلى علاجات أخرى، مثل العلاج الكيميائي والإشعاعي. وفي المقابل، فإن إهمال الأعراض وتأخير التشخيص قد يؤديان إلى انتشار المرض إلى الغدد اللمفاوية أو العظام أو أعضاء أخرى من الجسم، وقد تستدعي الحالة تدخلاً جراحياً أوسع، يصل أحياناً إلى استئصال الثدي.

ويؤكد الجلبي ضرورة عدم اقتصار الاهتمام بالكشف المبكر على النساء فوق سن الأربعين، لافتاً إلى أن سرطان الثدي قد يصيب أيضاً النساء في أعمار أصغر، بما فيها العشرينات والثلاثينات، الأمر الذي يستدعي الانتباه إلى التغيرات التي تطرأ على الثدي ومراجعة الطبيب عند ملاحظتها.

ويختتم حديثه بالتأكيد على أهمية التوعية بسرطان الثدي، خصوصاً خلال شهر أكتوبر المخصص سنوياً للتوعية بالمرض، داعياً النساء إلى الاهتمام بصحتهن وعدم إهمال الفحوصات والمراجعات الطبية.

تسهيل وصول النساء إلى الفحص التشخيصي

من جانبها، تؤكد الدكتورة حنين الياسري، اختصاصية الأورام والجراحة، أهمية تعزيز برامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي في العراق، مشيرة إلى أن التشخيص المبكر يسهم في زيادة فرص العلاج والشفاء، ويحد من احتمالات انتشار الورم ومضاعفاته.

وتوضح الياسري، في حديثها لـ"طريق الشعب"، أن مواجهة المرض تتطلب جهوداً متكاملة تشمل نشر الوعي الصحي، وتسهيل وصول النساء إلى الفحوصات التشخيصية، وتطوير الخدمات المتخصصة، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات وطنية دقيقة وشاملة تسجل أعداد الإصابات وتوزيعها الجغرافي ومراحل التشخيص، بما يساعد الجهات الصحية على تحديد الاحتياجات ووضع الخطط المناسبة لمكافحة المرض.

وتشير إلى أن نقص البيانات الموحدة أو عدم اكتمالها يحد من القدرة على تحديد الأعداد الفعلية للإصابات وتقييم حجم المشكلة الصحية، الأمر الذي يستدعي توحيد آليات تسجيل الحالات في المؤسسات الصحية الحكومية والأهلية ضمن نظام إلكتروني مركزي يخضع للتحديث المستمر، مع ضمان دقة المعلومات وحماية خصوصية المرضى.

وتؤكد ضرورة أن تتولى وزارة الصحة تنظيم عملية جمع البيانات ومراجعتها بصورة دورية، بما يشمل الحالات المشخّصة في المستشفيات والمراكز التخصصية والعيادات الأهلية، لتجنب تكرار تسجيل الحالات أو استبعاد بعضها من الإحصاءات الوطنية، فضلاً عن توفير معلومات موثوقة عن أعمار المصابات ومراحل المرض والتوزيع الجغرافي للحالات.

الفحص السريري والتصوير الطبي

وفي ما يتعلق بالكشف المبكر، توضح الياسري أن الفحص الذاتي يساعد النساء على ملاحظة التغيرات غير الطبيعية في الثدي، لكنه لا يغني عن الفحص السريري والتصوير الطبي، مبينة أن الفحوصات المطلوبة تختلف بحسب عمر المرأة وتاريخها الصحي والعائلي وتقييم الطبيب، وقد تشمل التصوير بالماموغرام والسونار.

وتلفت إلى أن ظهور كتلة جديدة في الثدي، أو تغير شكل الجلد ولونه، أو تراجع الحلمة، أو خروج إفرازات غير طبيعية، ولا سيما الإفرازات الدموية، يستدعي مراجعة الطبيب لتقييم الحالة. وتؤكد أن هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود سرطان، لكنها تستوجب الفحص وعدم إهمالها.

وتضيف أن تشخيص المرض في مراحله المبكرة يتيح فرصاً أفضل للعلاج، وقد يساعد على تقليل حجم التدخلات العلاجية المطلوبة، وفقاً لنوع الورم ومرحلته، في حين أن التأخر في اكتشافه قد يؤدي إلى وصوله إلى الغدد اللمفاوية أو أعضاء أخرى من الجسم، ما يجعل العلاج أكثر تعقيداً.

وتشدد الياسري على أهمية عدم الاعتماد على الفحص الذاتي وحده، وضرورة التوعية بوسائل الكشف المعتمدة ومواعيد الفحوصات المناسبة لكل فئة عمرية، مع إيلاء اهتمام خاص للنساء اللواتي لديهن تاريخ عائلي للإصابة أو عوامل تستدعي المتابعة الطبية، وعدم تجاهل الأعراض حتى لدى النساء الأصغر سناً.

كما تؤكد أن برامج التوعية ينبغي ألا تقتصر على شهر أكتوبر، بل أن تستمر على مدار العام، من خلال المحاضرات والورش التثقيفية وتوسيع خدمات العناية بالثدي في مراكز الرعاية الصحية الأولية، ولا سيما في المناطق البعيدة عن المراكز التخصصية، بما يسهل وصول النساء إلى المعلومات والفحوصات اللازمة.

وتلفت إلى أهمية توفير الدعم النفسي والاجتماعي للنساء المصابات، ومساعدتهن على التعامل مع الخوف والقلق المرتبطين بالتشخيص والعلاج، مشيرة إلى أن المساندة النفسية، إلى جانب الرعاية الطبية، تمثل جانباً مهماً من رحلة العلاج والتعافي، وتساعد المريضة على التكيف مع ظروفها ومواصلة حياتها.

وتختتم الياسري حديثها بالتأكيد على أن الحد من آثار سرطان الثدي يتطلب تعاون المؤسسات الصحية والجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، والعمل على تطوير منظومة الكشف المبكر، وتحسين دقة الإحصاءات الوطنية، وتوفير الخدمات العلاجية والنفسية، بما يضمن استجابة صحية تستند إلى بيانات موثوقة وتلبي احتياجات النساء الفعلية..