بعد الأزمة الحكومية، والسياسية بشكل عام في إيطاليا، بعدم حصول الحكومة على ثقة البرلمان بسبب موقف حركة 5 نجوم،
وعدم مشاركة قوى اليمين في عملية التصويت داخل البرلمان، وصعود رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي إلى قصر
الرئاسة وتقديم استقالة حكومته في الحادي عشر من شهر تموز الماضي، بدأت التحركات والمناورات واللقاءات، بل
والحملة الإنتخابية ذاتها بكل غرائبها وألعابها، كما هي العادة في التاريخ السياسي الإيطالي.
ويمكن إيراد أبرز الكتل والأحزاب التي هي في حكم المحسومة مشاركتها في هذه الممارسة الديمقراطية الايطالية الجديدة:
• الحزب الديمقراطي (ويعتبر من أبرز قوى يسار الوسط أو وسط اليسار). وعقد هذا الحزب قبل ايام قلائل اجتماع المجلي
القيادي وجرى الاتفاق على برنامج الحزب واقر تحالفاته، وأضيف لرمزه التقليدي عبارة “إيطاليا ديمقراطية وتقدمية”.
وسبق وأن أعلن تحالفه الانتخابي مع قوتيّ، اليسار الإيطالي وحزب الخضر. كما شكل كتلة أوسع ضمت قوى وسطية وبينها
الحزب الاشتراكي الايطاليى برآسة ابن رئيس الوزراء الأسبق، والمتوفي بينيتو كراكسي، وحركة ديموس، وقوى صغيرة
أخرى.
• التحالف التقليدي لليمين ووسط اليمين وأبرز قواه: حزب رابطة الشمال – ليغا، بزعامة ماتّيو سالفيني الذي بدأ حملته
بالعودة إلى موضوعة الأمن وربطها بالهجرة غير الشرعية، إلى جانب دغدغة مشاعر الايطاليين وضيقهم المعاشي-
الاقتصادي بطرح الحاجة الى نظام ضرائبي اكثر انصافاً. وحزب “ايطاليا إلى الأمام” بزعامة ملك التلفزيونات الملياردير
سيلفيو بيرلسكوني، الذي أبدى تردداً قبل اعلانه الترشيح لمجلس الشيوخ، وهو يتطلع للحصول على منصب رئيس
الجمهورية بعد اجراء الاصلاح وجعل النظام السياسي رئاسياً. وثم الحزب الأكثر يمينياً “أخوان إيطاليا” بزعامة المرأة
المتطلعة لأن تصبح رئيسة للحكومة القادمة في حالة فوز اليمين في هذه الانتخابات، وهي جورجا ميلوني. ثم هنالك أحزاب
وكتل أخرى صغيرة تقع في الوسط وإلى يمين هذه القوى.
• حركة 5 نجوم الايطالية والتي واجهت انشطارات مختلفة، بعد تسببها باستقالة حكومة دراغي، ويرأسها رئيس الوزراء
الأسبق جوزيبّي كونتي، ويبقى زعيمها الممثل الكوميدي بيبّو غريلّو.
• وسيدخل هذه الإنتخابات أيضاً، ما أطلق عليه مؤسساه، القطب الثالث، وهو مكون من حزب “حركة” بزعامة الخارج عن
قيادة الحزب الديمقراطي كارلو ليندا والمنشق قبله ورئيس الوزراء الأسبق، ماتّيو رينزي زعيم حزب “ايطاليا تحيا”. وهما
يتحدان من أجل عودة رئيس الحكومة المستقيل ماريو دراغي، الى الحكم وللمضي قدماً في طريق حل الأزمة الاقتصادية
المستفحلة.
(الاتحاد الشعبي)، قائمة يسارية موحدة:
• والشيء، ربما المميز في هذه الجولة من الصراع السياسي بين اليمين واليسار، نزول قائمة يسارية جديدة إلى الحلبة باسم
“الإتحاد الشعبي” وفي القلب منها حزب اعادة التأسيس الشيوعي إلى جانب قوى يسارية وعلى رأسها عمدة نابولي السابق،
اليساري المعتدل لويجي دي ماجيستريس. وفي حملة اعلانه تحدث القائمون عليه بأنه يحمل برنامجاً متميزاً، يبدأ من مشاكل
البيئة، مروراً بمعالجات أزمة أكداس الزبالات في الشوارع، ومن إعادة تنظيم تقديم الخدمات العامة والصحية والإجتماعية،
وأوضاع المدارس والجامعات والسكن الشعبي، والنقل، وصولاً الى ترسيخ ثقافة السلام وضيافة المهاجرين. كما أكد
المتحدثون باسم هذا التحالف اليساري الجديد عن تقليص النفقات العسكرية، وتقليص الفارق الشاسع بين الغنى والفقر، في
ظروف اتسعت فيها باحات الفقراء والجماهير المنكوبة بالجوع ودعم الحروب.
• كما ستشارك قوى أخرى صغيرة إلى اليمين واليسار أو الوسط ومن بينها أوروبا، الثورة الصحية، من أجل إيطاليا،
الحزب الليبرالي الإيطالي وثم الحركة المشتركة للايطاليين في الخارج. وكذلك قوى يسارية ويمينية متطرفة ومن أبرزها ما
يسمى الحزب الشيوعي الإيطالي بقيادة ماركو ريتسو، والجماعة اليمينية الفاشية بيت باوند- casa Baund)، وستنزل هذه
المرة باسم (البديل من أجل ايطاليا).
قانون انتخابي مختلط:
ستجري الانتخابات في ظل نفس القانون الذي جرت على اساسه انتخابات عام 2018، وهو يعرف باسم (روزاتيللّوم-
Rosatellum)، وحسب هذا القانون فإن 37% من المقاعد (147 في النواب و 74 للشيوخ)، يحسم بنظام الأغلبية وبجولة
واحدة وهو يسمى أيضاً بنظام المجمع الفردي. بينما تحسب نسبة الـ 61% من المقاعد (245 للنواب، و 122 للشيوخ)، وفقاً
للنظام النسبي بين التحالفات والقوائم الفردية التي تمكنت من تجاوز نسبة الحاجز التصويتي، وهي 3 %. وأن النسبة الباقية
2% (8 لمجلس النواب، و4 لمجلس الشيوخ)، مخصصة لانتخابات الايطاليين في الخارج. كثيرة هي المناورات، ومتنوعة
أشكال التأثير على الراي العام وآخرها وليس أخيرها حركة اليميني زعيم رابطة الشمال، سالفيني الذي أعلن على التويتر
عنواناً لحملته وهو “أنا أؤمن” وهو اشارة مخادعة للدين، والى جانبه شعار “فلات تاكس”، أي تحديد نسبة ضريبة واحدة
ونسبية بالنسبة للمدخولات دون استثناء لأي من الفئات المساهمة في دفع الضرائب، وهو أمر ذو حدين، والقصد العام منه
هو أن يدفع الجميع الضريبة على وحسب، مدخولاتهم، ولمحاربة التهرب الضريبي، ومشكلة الهجرة. وبدأت في اطار
الحملة الحديث عن توجهات تتعلق بتقليص الضغط الضريبي وزيادة الرواتب لفئات محددة. وستستمر هذه الحمى الانتخابية،
حتى موعد الصمت الانتخابي قبل 48 ساعة من موعد التصويت.
من متابعاتي لمسيرة العمليات الانتخابية في هذا البلد الصارخ بالمتناقضات السياسية والاجتماعية، أرى كأن شيئاً لم يتغير،
فسادة السياسة يواصلون نهوجهم في طرح أكبر وأدق البرامج، وحين استلام السلطة يبدأ صراع المتحالفين قبل صراعهم مع
منافسيهم، وتضيع البرامج، وتتأكد مرة ومرات خطل أنظمة ديمقراطيات التمثيل، وتتأكد أهمية ايجاد سبل واقعية وعملية
للجوء إلى ديمقراطيات المشاركة الشعبية.
هنا تأتي أهمية وحدة اليسار الحقيقي، وخاصة الشيوعي، الذي تحقق جزء منه باعلان كتلة (الاتحاد الشعبي). والأمل أن
يحقق هذا دخولاً مناسباً الى قبتي البرلمان بغرفتيه النواب والشيوخ، وهو سبيل لمراقبة أجدى للقاعدة الجماهيرية ولقوى
التصويت الشعبي. وعسى وأن تخطوا ايطاليا خطوات جادة نحو التغيير والاقتراب من مشاركة أوسع للمواطنين في رسم
وتحديد مشاريع المستقبل الذي تطمح اليه الفئات الشعبية الايطالية بعد عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم ...!!!

عرض مقالات: