لذكرى الثالث من تموز كل عام، مذاقات مختلفة رغم تناغمها الجميل. ففي كل سنة أجد مذاق التحدي، الذي مكّن ثلة من جنود وضباط صف بسطاء، من إرتداء رتب عسكرية، والإستيلاء على أكبر معسكرات العاصمة بغداد، يوم كانت رازخة تحت حكم واحدة من أبشع الدكتاتوريات الفاشية التي عرفتها بلادنا في تاريخها الحديث. كما أجد مذاق الثقة الثورية، الذي مكّن تلك الثلة من الشيوعيين، أن يبادروا للعمل من أجل إزاحة الظلام وإعادة النور والسلام لوطنهم المستباح والعدل والحرية لأبنائه، رغم ما كان يعانيه حزبهم حينها من جراح عميقة، سببتها ضربات إنقلابي شباط الأسود، والتي أودت بحياة معظم قادته وكوادره وغيبت في السجون الآلاف من مناضليه.

ونجد أيضاً مذاق الوفاء للقيم، الذي منع أولئك الفتية من تصفية عدد من قادة الإنقلابيين، ممن وقعوا أسرى في أيديهم كحازم جواد وطالب شبيب والونداوي وغيرهم، والإصرار على محاكمتهم محاكمة عادلة وفي محكمة شعبية متخصّصة، فيما لم يراع أولئك “الأسرى” أية قيّم حين إستعادوا السلطة، فأقدموا على إعدام المنتفضين في محاكمة صورية من المحاكمات التي عُرفوا بها.

وهناك مذاق التواضع الشيوعي، حين قرر قائد الإنتفاضة، العريف حسن سريع، ورفاقه تشكيل حكومة، من خيرة الخبرات العراقية، دون أن يضعوا أسم أحد منهم في التشكيلة. ومذاق البطولة عند الظفر وفي ساعات المحنة، حين واجهت تلك المجموعة جلاديها بعنفوان، ورد قائدها على رئيس المحكمة الصورية قائلاً: ما أردت أن أكون رئيساً او ضابطاً، بل أردت أسقاط حكومتكم. إن الحياة حلوة، ولكن الموت في سبيل الشعب أحلى!

ولكن، من أين أتى هؤلاء العسكريون البسطاء، بكل هذه المذاقات، وهم من يفتقد، ككل كادحي ومعدمي بلادنا، الى التعليم والصحة والسكن اللائق والرفاهية، وكيف تمكّنوا من التخطيط والتنفيذ للإنتفاضة، في وقت ساد فيه إرهاب العفالقة وإنتشرت قطعانهم القمعية وحرسهم القومي؟

وتنير الأجابة على هذه التساؤلات، الفكرة التي تشير إن القيم الأصيلة لفقراء العراق قد تحولت لمنبع لكل هذه الأمجاد، مذ تلاقحت مع القيم الثورية للحزب الشيوعي العراقي، حيث أدرك الناس أن سبب شقائهم يكمن في الإستغلال الطبقي وأن لا خلاص لهم بدون إقامة مجتمع الحرية والعدالة. كما أدركوا أن تحقيق الحلم إنما يرتبط بالقدرة على الكفاح لنزع كل ما يشوب آدمية الإنسان من سخام الطبقية، فتفولذ إصرارهم وزادهم التحدي شموخاً.

وأثمر ذاك التلاقح أيضاً تواضعاً جماً، وأزاح رواسب التخلف الاجتماعي فأضاء سبل التعلم والبحث عن الحقيقة والتدبر ببساطة، فكان الجمع بين صلابة النسور ورقة الوردة. وأزهر في هذا التلاقح ما جُبل عليه الشيوعيون من وفاء وتضامن ومن قدرة على تمثيل مشرق لحزبهم إينما تواجدوا أو عملوا.

ومهما قيل عن أسباب فشل الإنتفاضة، فإني أجدها لحظة صدق متميز، صرخت فيها طلائع عراقية بوجه الطغاة، وقيثارة فرح جميل، عزف عليها فتية عراقيون نشيد الغد القادم، وصفحة أخرى ناصعة للفخر، في سفر مجيد لحزب متجدد العطاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* العنوان مقتبس من كتاب للراحل د. علي كريم سعيد، قيّم فيه بموضوعية، وهو المنتمي لضفة مخالفة، إنتفاضة معسكر الرشيد.

عرض مقالات: