تعرف الموازنة بأنها عبارة عن بيان تقديري لنفقات وايرادات الدولة عن مدة مستقبلية تكون عادة سنة. ويتطلب تقديمها من الحكومة التي تعدها إلى البرلمان ورئيس الجمهورية للمصادقة عليها. وهي أداة رئيسة من أدوات السياسة المالية تعكس رؤية الحكومة الاقتصادية والاجتماعية وتعمل على تحقيق أهدافها. وبناء على ذلك فإن الموازنة العامة للدولة ما هي الا خطة مالية يتم على أساسها اتخاذ القرارات الخاصة بالنفقات العامة للدولة وايراداتها لفترة لاحقة، أي انها تمثل برنامجا ماليا يتضمن السياسات المالية والأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها.

كان المفروض أن تقدم حكومة الكاظمي موازنة 2021 لإقرارها واصدار قانونها. لم تقدم الحكومة السابقة التي أجبرت على الاستقالة الموازنة لعام 2020 إلى البرلمان يعود إلى وجود نسبة عجز كبيرة تصل إلى نحو (48) تريليون دينار عراقي، وهذا الرقم كبير جدا وغير مسموح به لأن قانون الإدارة المالية للدولة العراقية لسنة 2019 وفي المادة (6) / رابعا قد نصت على أن لا يزيد العجز في الموازنة التخطيطية على 3 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي وهي قاعدة مهمة لكبح الانفاق العام المتضخم على حساب الاقتراض وتراكم الدين العام. بينما يشير العجز في مشروع موازنة 2021 إلى أكثر من 71 ترليون دينار وتصل نسبة العجز الحالية إلى أكثر من 30 في المائة من الموازنة وهذا مخالف لقانون الإدارة المالية الذي نص على أن تكون نسبة العجز 3 في المائة، فلماذا إذن يتم تشريع القوانين ولا يلتزم بها أحد؟ وكما هو معلوم فإن الحكومة العراقية ليست لها منافذ لتغطية هذا العجز الكبير وليست لديها مصادر داخلية للتمويل ولذلك ستلجأ إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي لسد العجز وعندها سيفرض الصندوق شروطه المجحفة ووصفته الجاهزة وسيخضع الاقتصاد العراقي إلى توجيهات الصندوق. وقد أكد مشروع قانون الموازنة على الاستمرار بالاقتراض، ويعزو خبراء اقتصاديون ونواب أسباب العجز الكبير في موازنة 2020 إلى قضية التعيينات العشوائية التي أطلقها عبد المهدي والبالغة (200) ألف درجة وظيفية جديدة لإسكات المتظاهرين الذين يطالبون بحقهم في العمل. وهي وسيلة فاشلة لمداراة عجز الحكومة عن ايجاد سبل كفيلة للنهوض بالاقتصاد العراقي ومعالجة مشكلة البطالة المتفشية بين الشباب والخريجين وأصحاب الشهادات العليا. إلا أن وعود عبد المهدي في التعيين لم تنطل على المتظاهرين الذين شبعوا من وعود الحكومات السابقة التي لم ينفذوها، وهذا ما دعا المتظاهرين السلميين إلى رفع سقف مطالبهم حيث دعوا إلى اسقاط النظام السياسي الطائفي والفاسد والذي تسبب في كل الكوارث التي حلت بالبلاد وبالشعب العراقي، فالتعيينات الجديدة لم تراع الإيرادات المخمنة لعام 2020 .ويشير خبراء قانونيون إلى أنه لا يمكن الاستمرار في تنفيذ تعليمات موازنة 2019 إلى العام الذي يليه 2020 لأن قانون الموازنة نافذ لمدة سنة واحدة، ويترتب على ذلك آثار قانونية كاملة سواء على مستوى الانفاق أو تنفيذ الموازنة . وفي كل الأحوال فإن التأخير في إقرار موازنة 2020 يعني توقف المشاريع الحكومية وعدم إنجازها (إن كانت هناك مشاريع غير وهمية)، إضافة إلى أن العراق قد خرج من حرب شرسة ومكلفة ضد داعش الإرهابي أفرزت تحديات صعبة ينبغي مواجهتها في إطار البنى التحتية التي تضررت كثيرا وفي مقدمتها قطاعات الصحة والتعليم والمواصلات خاصة في المدن المتضررة من الاحتلال كالأنبار والموصل وصلاح الدين.

أبرز التحديات لموازنة 2021:

1) العجز المالي الكبير الذي يعانيه العراق بسبب انخفاض أسعار النفط عالميا وبسبب اعتماده على الاقتصاد الريعي الوحيد الجانب وتهميش القطاعات الانتاجية الاخرى حيث قدر العجز في الموازنة بأكثر من 71 ترليون دينار.  ونفقات ضخمة مبالغ فيها قدرت بأكثر من 164 ترليون دينار في حين ان الايرادات تبلغ أكثر من 93 ترليون دينار وهي تعتمد كليا على تصدير النفط الخام.

2) التأخير في اقرار الموازنة يؤدي إلى تأخير عملية الصرف وتنفيذ المشاريع وإعادة إعمار المدن المحررة من داعش واعادة المهجرين إلى ديارهم. وقد يكون التأخير بسبب المناكدات السياسية والابتزازات السياسية التي تحصل عند اقرار كل موازنة لتثبيت الكتل السياسية مغانمها وشروطها.. ولذلك كان المفروض اقرار الموازنة خلال شهر كانون الأول لعام 2020 وبدء العمل بموازنة 2021 في 1/1/2021 وهذا لم يحصل حيث أن القانون ما يزال لدى اللجنة المالية النيابية للمناقشة.

3) الفساد الكبير المتفشي في أجهزة الدولة المختلفة المدنية والعسكرية والذي يقضم جزءا كبيرا من موارد الموازنة العامة.

4) معالجة البطالة المتفشية حيث تشير الأرقام إلى وجود أكثر من مليون عامل أجنبي يعملون في قطاعات حيوية من الاقتصاد العراقي أبرزها الصناعات النفطية وهم قد حلوا محل العراقيين العاطلين عن العمل وبإمكان الحكومة العراقية وبموجب عقود العمل مع الشركات الأجنبية إذا كانت جادة في معالجة البطالة أن تلجأ إلى فرض قيود على الشركات الأجنبية ترغمها على تسريح نصف عدد العمالة الأجنبية وتعيين عمال عراقيين بدلا عنهم. كما يحق للحكومة العراقية أن تستقطع مبالغ محددة من هذه الشركات إضافة إلى جميع شركات القطاع الخاص العراقية لأجل توفير تقاعد لكل العاملين فيها مما سيكون عامل جذب كبير للأيدي العاملة العراقية التي ستتجه إلى القطاع الخاص بدلا من القطاع العام طالما كان هناك ضمان لمستقبلهم وعوائلهم بمنح الراتب التقاعدي، ويمكن تضمين هذه الفقرة في العقود التي توقعها الحكومة مع الشركات المستثمرة وإصدار قانون بمنح التقاعد للعمال العراقيين العاملين في القطاع الخاص العراقي. وفيما يتعلق بموازنة 2021 فقد تضمنت المادة (12/ثانيا / أ) ايقاف التعيينات وحذف الدرجات الوظيفية ضمن الملاك عند شغورها بسبب النقل أو الإحالة للتقاعد أو الاستقالة أو الوفاة ومنعت ايضا التعيين بأسلوب التعاقد مما يعني زيادة جيش العاطلين وسيلتحق بهذا الجيش الجبار خريجو المعاهد والجامعات والدراسات العليا لعام 2021، وسيعززون زملاءهم في ساحات الاحتجاج المطالبين بتوفير فرص العمل ولتواجههم السلطة بالقمع المفرط.

5) المنافذ الحدودية وعدم الاستفادة من وارداتها: حيث تشير التقارير إلى أن واردات المنافذ الحدودية تصل إلى أكثر من 15 تريليون دينار سنويا وهو مبلغ كبير لكن ما يصل إلى الحكومة من مجموع هذه الواردات لا يتجاوز (1) تريليون دينار إذ يتسرب الجزء الأكبر منها إلى جيوب الفاسدين.

6) زيادة النفقات العسكرية والفضائيين إضافة إلى القرارات الاقتصادية غير المدروسة.

7) سوء الادارة والتخطيط.

8) حجم الديون الخارجية الكبير وفوائدها المتزايدة: فقد كشفت اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي عن حجم الديون الخارجية المترتبة على العراق والبالغة نحو 125 مليار دولار محذرة من خطر يهدد مستقبل البلاد، وان بقاء هذه الديون وفوائدها الكبيرة التي تتزايد باستمرار ينذر بوجود خطر على المستقبل الاقتصادي للبلاد،

9) زيادة الانفاق الحكومي بشكل خيالي حيث تقضم تخصيصات الرئاسات الثلاث وإيفاداتهم أكثر من ربع الموازنة. اذ يتقاضى العاملون في الرئاسات الثلاث رواتب خيالية غير موجودة في الدول المتقدمة وهم خارج قواعد الخدمة المدنية.

10) التخلص من الاقتصاد الريعي الوحيد الجانب والعمل على تنويع مصادر الدخل القومي من خلال تفعيل قطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والتعدين والنقل والتجارة وغيرها، وبالتالي يمكن إضافة مصادر مالية جديدة إلى جانب عائدات النفط الكبيرة.

11) عدم حرق الغاز الطبيعي المصاحب واستيراد بديل عنه من إيران فهذا سوء ادارة بامتياز. فاستيراد الغاز يكلف ميزانية الدولة أموالا طائلة في الوقت الذي هو موجود لدينا ويحتاج إلى من يستثمره.

12) ضخامة بند المرتبات الذي يلتهم أكثر من نصف الموازنة بينما جاء نصيب معظم القطاعات الاخرى خاصة الصناعة والزراعة والتعليم والصحة وغيرها ضعيفا، فكيف سنتمكن من النهوض بهذه القطاعات؟

إذن يمكن مواجهة العجز الكبير في موازنة 2021 من خلال تقليل النفقات الحكومية وضغطها بشكل كبير إذا كانت الحكومة الجديدة جادة وتريد النهوض باقتصاد البلاد ومعالجة مشاكلها. كما يمكن تقليص العجز عن طريق تعظيم الموارد للموازنة من خلال تفعيل القطاعات الانتاجية غير النفطية وتفعيل الضرائب العادلة والزام إقليم كردستان بتسليم حصته من بيع النفط البالغة ( 250 ) ألف برميل يوميا إلى الحكومة المركزية، اضافة إلى السيطرة على المنافذ الحدودية ومكافحة الفساد فيها ومحاربة الفساد في مؤسسات الدولة المختلفة المدنية والعسكرية وفرض الرقابة المشددة على الوزارات لمنع المشاريع الوهمية التي تضم جزءا كبيرا من موازنة الدولة العامة، مع ضرورة التخلي عن نهج المحاصصة الطائفية الذي يأتي بأشخاص غير مؤهلين في قيادة مرافق اقتصادية مهمة مما يؤدي إلى سوء الادارة والتخطيط وتفشي الفساد. هذه تحديات كبيرة امام الحكومة الجديدة التي تحاول الكتل السياسية المتضررة والتي تريد الابقاء على امتيازاتها ومصالحها ومشاريعها عرقلتها. فهل تستطيع الحكومة مواجهة ذلك.؟ اشك في ذلك.

13) ومن الجوانب السلبية في موازنة 2021 أنها اخضعت اجمالي الدخل الشهري للمتقاعدين المدنيين والعسكريين إلى ضريبة دخل شهرية وهذا ليس من حقها وهو مخالف تماما لقانون ضريبة الدخل رقم 113 لسنة 1982 النافذ حاليا حيث ورد في المادة (7) من القانون فقرة (6): ((تعفى من الضريبة المدخولات الآتية: ((مدخولات المتقاعدين او عيالهم الخلف الناجمة من المصادر الآتية: أ- الراتب التقاعدي. ب- المكافئة التقاعدية. ج- مكافئة نهاية الخدمة. د- رواتب الاجازات الاعتيادية.

فالضريبة تفرض على دخل الفرد في حين أن الرواتب التقاعدية ليست مدخولات وانما هي مدخرات تقطع شهريا من راتب الموظف بنسبة معية كل شهر وطيلة خدمته الوظيفية لغاية التقاعد وبعد التقاعد يسترجع الموظف المتقاعد مدخراته من صندوق التقاعد الذي تم تحديد آلياته بموجب قانون التقاعد رقم 9 لسنة 2014.

لقد اعتمدت موازنة 2021 في تمويلها على الموظفين والمتقاعدين مع اهمال المصادر المالية الاخرى.