منذ تشكيل العصبة الشيوعية في لندن (1847) أكد  ماركس وانجلز على ضرورة وجود حزب موحد للطبقة العاملة ينظم نشاطاتها ويوجه اعمالها  كشرط ضروري لتحقيق هدف  الاطاحة بسلطة البورجوازية وديكتاتوريها القمعية، وبشرط ان يكون هذا التنظيم واعيا فكريا  ومستقلا ومتميزا عن الاحزاب الأخرى برؤيته الطبقية المستقبلية وبشعاراته واليات عمله واهدافه النهائية في تحقيق الحلم الاشتراكي عبر توحيد جميع افراد الطبقة العاملة الاكثر وعيا وبغض النظر عن انتماءاتهم المذهبية والقومية. 

ومن شروط نجاح هذا التنظيم هو أن يتوفر لدى اعضاء هذا الحزب مستوى معين من الكفاءة النظرية لتحليل الظواهر الاجتماعية الاقتصادية والخروج باستنتاجات تترجم كبرامج عمل ملموسة وخبرات عملية في التنظيم وقيادة وادارة الانشطة الجماهيرية مثل التظاهرات والاعتصامات وغيرها من الفعاليات الجماهيرية التي كانت سائدة آنذاك، محذرا من ضم اعضاء قلقين نظريا ومتذبذبين فكريا ومن منحدرات طبقية غير مستقرة، مع العمل على تقوية النواة العمالية في داخل التنظيم وتوسيع الديمقراطية الداخلية  التطوير الذاتي لأعضاء الحزب. 

وكانت عصبة الشيوعية التي لخص برنامجها البيان الشيوعي الشهير اهدافها التنظيمية والسياسية النواة الجنينية للتنظيم الحزبي الشيوعي والذي نجد بصماته في برامج الاحزاب الشيوعية واليسارية الى هذا اليوم. وقام ماركس وانجلز بعدها بجمع التنظيمات الشيوعية والعمالية في منظمة واحدة سميت بالأممية الأولى (1866-1877) وكان مقرها لندن. 

فمثلا نجد ان الصراعات السياسية الحادة في داخل الاممية الثانية (١٨٩٨-١٩١٦) التي تأسست في باريس من احزاب شيوعية وعمالية ادت الى تفتتها قضايا الثورة والاصلاح او العلاقة ما بين هو وطني واممي والتي كان بعضها يشمل اشكال التنظيم أيضا وانتهت بتصويت التيار اليميني الاصلاحي الى جانب اعتمادات الحرب في المانيا لخوض الحرب العالمية الاولى  في 1914.

اما في روسيا فقد شكل لينين اول تنظيم شيوعي بعنوان(من اجل النضال لتحرير الطبقة العاملة). ولم يمتلك آنذاك نظاما داخليا او قيادة سياسية بل سادت التيارات الفكرية المختلفة المتصارعة. ولمعالجة ذلك بدأ لينين مسيرته بإصدار جريدة (الشرارة) كأداة دعاية للفكر الشيوعي وتحريض ضد البرجوازية والاقطاع في روسيا والاضطهاد القومي وايضا من اجل تنظيم  العناصر الواعية من الطبقة العاملة والمثقفين الثوريين في تنظيم موحد والذي من اجله خاض نضالات فكرية لخصها في مقاله (من أين نبدأ)  في كتابه المعروف باسم (ما العمل)، الصادر عام ١٩٠٢ في التصدي للأفكار التي كانت تطالب بعفوية النشاط الجماهيري والسياسي وتندد بالدعوات الى التنظيم. وتناول فيه مفهوم ودور ومكانة الحزب في العمل السياسي وطبيعة التنظيم وشكل العلاقة مع الجماهير والطبقة العاملة والذي ادى الى تمايز حاد وانقسم التنظيم الى جناحين ثوري وإصلاحي. 

و يعتبر هذا الكتاب من أهم كلاسيكيات الماركسية في موضوع بناء الحزب، وهو أيضا النص الأكثر تعرضا للانتقاد من قبل الإصلاحيين والأكاديميين المعاديين للشيوعية لربطهم فشل المسار الاشتراكي واخطاء الحزب الشيوعي في الاتحاد  السوفيتي بالسياسة و التنظيم ودور لينين وبشكل خاص كونه لم يهتم بدمقرطة الحزب وضعف الثقة بالجماهير، لذا كان نموذجة في التنظيم نخبويا وتآمريا ومروجا لاستخدام  العنف، من قبل ثوريين محترفين متشددين، يفعلون حرفيا ما يطلب منهم كي تتم الاطاحة بالرأسمالية.

ولتفهم هذا الكتاب يجب قراءته ارتباطا بالظروف التي سادت قبل اكثر من مئة عام خاصة في سيادة العفوية وضعف انتشار النظرية  الثورية وعدم وجود وضوح نظري وعملي في مفهوم بناء الحزب الذي على حد توصيف جورج لوكاش الفيلسوف والماركسي المجري 

(١٨٨٥-١٩٧١) الوسط  الذي يربط النظرية بالممارسة، ومهمة الحزب هو ليس لخلق فئات اجتماعية ثورية بل لتحقيق وحدتها. وهذا أيضا ما عبر عنه نيكولاي بوخارين الماركسي والمنظر الاقتصادي الروسي (١٨٨٨-١٩٣٨) عندما كتب ان الحزب لا يخلق الطبقة العاملة بل يضمن وحدتها وقيادتها فكريا وعمليا وهو جزء ضروري لانضاج العوامل الداخلية للثورة في مواجهة تيار الاقتصاديين اليمينيين الذين نفوا اهمية التنظيم ودافعوا عن العفوية في نشاط الطبقة العاملة الروسية.

وبعد مسيرة ١٥٠ عاما من الانتصارات والاخفاقات نجد ان هذا النموذج النظري للتنظيم بمواصفات ماركس وانجلز والتي طورها لينين قد استمر وامتد حتى الى خارج الاحزاب الشيوعية من التنظيمات اليسارية الى اليمينية وحتى القومية والإسلامية في الوطن العربي  ولكن بصياغات مست جوهر الموقف الماركسي من التنظيم وابقت على الهيكلية والاليات. 

لقد كان كتاب (ما العمل) انعكاسا للتركيبة الطبقية آنذاك وشكل ومحتوى الصراع الطبقي وطبيعة الدولة والياتها القمعية، وهو ما فرض ضرورة وجود منظمة سرية محترفة ونوعية مكافحة للتصدي لديكتاتورية النظام القيصري وارهابها الذي تطلب وجود منظمة سرية محترفة تركز على النوع وليس العدد. 

ولكن مع استمرارية وتوسع نضال الأحزاب الشيوعية وظهور طيف واسع من اليسار العالمي في العقدين الأخيرين من القرن العشرين تطورت صيغ تنظيمية تلاءمت مع المرحلة بما فيها من توازن للقوى الطبقية ومتطلباتها في كسب الجماهير وفي اشكال النضال السائدة وبروز افاق واعدة للتطور السلمي البرلماني في عدد من البلدان. و حفزت التطورات اللاحقة بعد انهيار نموذج الاشتراكية القائمة بروز حركة مراجعة فكرية ونظرية واسعة شارك فيها حزبنا  منذ البداية والتي انعكست في وثيقة الخيار الاشتراكي التي أقرها المؤتمر الثامن (2007) وامتد الجدل ليشمل الفلسفة والسياسة التنظيمية للحزب التي اعتبرها البعض احد اسباب عدم ارتفاع  الحزب الشيوعي  العراقي الى مستوى التحديات التي واجهته في مقابل نجاحات التيارات القومية والاسلامية الانقلابية للسيطرة على السلطة، وادراك أن التحديث هو عبر  بناء قوى اليسار العريض مقابل الموقف الكلاسيكي في  بناء الحزب.

وقد كرس المؤتمر الوطني الخامس للحزب ( عقد في 1993) و الذي سمى بمؤتمر الديمقراطية والتجديد وقتا ضافيا  لمناقشة مسودة النظام الداخلي ولكن بالاعتماد على الاساس النظري الماركسي بضرورة وجود حزي شيوعي عراقي تعكس وثيقته التنظيمية  الشكل الرئيس للنضال السياسي والظروف الملموسة التي يناضل في اجوائها والتي كانت العمل من اجل اسقاط الدكتاتورية واعتماد طريق النشاط المسلح كأسلوب رئيسي باعتبار النظرية هي تعميم للتجارب الماضية للحزب ودليل للعمل وليس توصيفا اكاديميا للتصدي لدعاة العفوية في التنظيم. 

ويطرح ذات الامر مع اقتراب المؤتمر الحادي عشر للحزب ونشر مسودة الوثيقة التنظيمية.  فالنقاشات يجب ان تدرس هيكلية واشكال التنظيم في الواقع العراقي اليوم الذي يمر بمرحلة انتقالية تسودها نماذج مشوهة لنظام علاقات رأسمالية تابعة تهيمن عليها احزاب جوهرها برجوازي طفيلي او كمبرادوري متحالفة مع برجوازية بيروقراطية تعتمد الانتهازية والمخاتلة في سياساتها التنظيمية المأزومة ودكتاتورية في ممارساتها داخل احزابها او على صعيد المجتمع العراقي. 

وفي الوقت الذي يتبنى الحزب الطريق البرلماني السلمي الذي يتطلب ان تعكسه الاليات التنظيمية الا انها أيضا تتطلب صياغات ترسم الطريق في حالة تدهور الوضع السياسي،  كونها مرحلة محفوفة بالمخاطر بسبب احتدام التدخلات الخارجية وإصرار الأحزاب المتسلطة على العملية السياسية على التمسك بالسلطة وفرض واقع شمولي ودفع المجتمع العراقي الى متاهات تسودها الممارسات الفاشية نتيجة العدد الكبير من الميليشيات المسلحة.  

وهناك جانب اخر سيتوجب على المؤتمر الحادي عشر تفحصه هو واقع التنظيم في ظروف الثورة العلمية والتكنولوجية الرقمية التي تفتح آفاقا على صعيد اليات واشكال التنظيم التي يمكن اعتمادها وأيضا كأداة لنشر الفكر الماركسي وزيادة جماهيرية وعضوية الحزب وفي النشاط الدعائي والتحريضي  تشكل عامل قوة للحزب الشيوعي العراقي لتحقيق أهدافه الحالية والمستقبلية.

عرض مقالات: