بعد ثلاث سنوات يكون قد مر حوالي ثلاثة عقود على مؤتمر الحزب الخامس، مؤتمر الديمقراطية والتجديد، الذي انعقد في عام 1993. وقد خطا الحزب فيه خطوات مهمة نحو التجديد سياسياً وفكريا وتنظيمياً انعكس ذلك بوضوح في تجديد مرجعيته الفكرية وبرنامجه وخطابه السياسي وقيادته وكذلك بعض مواد نظامه الداخلي. وانطلاقاً من ذلك اتسم نهجه الفكري والسياسي ولايزال، بشكل عام، بعيداً عن الجمود العقائدي، فتمكن من مواجهة التحديات والصعوبات التي واجهته وتواجهه بواقعية ويواصل كفاحه من أجل إقامة نظام ديمقراطي اتحادي بأفاق اشتراكية. أما من الناحية التنظيمية فلم يتطور، بعد المؤتمر الخامس، لا نظامه الداخلي ولا أساليب عمله بما يتناسب مع تطور برنامجه الجديد ونهجه السياسي، واللذين اتسما بالواقعية، كما أسلفت. وإن كان ذلك مبرراً نسبياً في ظل نظام فاشي، فلم يكن مفهوما ومبرراً بعد سقوط النظام وتمتع الحزب بالنشاط العلني، فحصلت فجوة بين برنامج الحزب ونهجه المتطورين، وبين بُنية الحزب وحياته الداخلية وبعض اساليب عمله التنظيمية المشدودة إلى الماضي.

وتعمقت الفجوة المذكورة أعلاه مع ظاهرة العزوف عن العمل والنشاط الحزبي من جهة، والاتساع المتسارع لبيئة الرقمنة ومريديها من جهة أخرى، كظاهرتين عالميتين معاصرتين، وهما من أكبر التحديات التي تواجه نمو الحزب وتجديد شبابه.

فمع حلول قرننا الراهن نقلت الرقمنة العالم إلى عصر جديد، وأخذت تتغلغل في كل شيء من لعـب الأطفــال إلى المؤسســـات ووسائل الإنتاج وحكومـات الـــدول التي “تتَرَقمَن” وقامت الرقمنة بتغيير الطريقة التي يعيش فيها العالم من معظم جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

فقد وفرت الرقمنة للإنسان، بيئة اجتماعية وفكرية جديدة، تختلف نوعياً عن سابقاتها، إذ تتسم بتمتعه بحرية واسعة في التعبير، ومكنته من الحصول السريع على مختلف المعلومات ونشرها، والتفاعل السريع مع الآراء والأحداث، في لحظة وقوعها في الزمان والمكان، والمشاركة فيها وفي قيادتها، وتوسعت معارفه وإدراكه. إن الشبيبة التي نشأت في هذه البيئة، وخاصة تلك التي فتحت أعينها على الحالة الجديدة، تشعر بالغربة، بهذه الدرجة أو تلك، في بيئة الأحزاب، التي يكون فيها المرء متلقياً بالدرجة الرئيسية للسياسات والأفكار وليس مشاركاً حقيقيا وفعالا في صياغتها وهؤلاء يشكلون أكثر من نصف المجتمع العراقي.

 ولذا يتطلب ذلك التفكير جدياً بالظاهرة المذكورة وطرق التعامل معها لتجديد شباب الحزب وضمان مستقبله بالاستفادة من ايجابيات عصر الرقمنة، وهذه باعتقادي مهمة تواجه المؤتمر الحادي عشر للحزب الذي تجري تهيئة وثائقه في الوقت الحاضر، وبالدرجة الأولى نظامه الداخلي.

لقد ساهمت بالتصويت على التعديلات المقترحة من قبل المنظمة، وبودي أن أتوقف عند بعض النقاط ذات العلاقة بحقل التجديد التي لم تنال الأغلبية أو لم يجر التطرق لها وهي:

أولاً: إضافة كلمة المثقفين بعد مصالح الطبقة العاملة والفلاحين قي بداية المادة الأولى من النظام الداخلي، نظراً لوزن ودور هذه الفئة المتعاظم في مختلف مناحي الحياة في عصرنا الراهن.

ثانياً: تخفيض عمر العضو الجديد من 18 إلى 16 سنة، هذا التخفيض يأخذ بنظر الاعتبار اختلاف جيل العقدين الأخيرين عن الأجيال السابقة من حيث وعيه ومعارفه، فهو وليد عصر الرقمنة، ويتمتع بكل ايجابياتها وهو يساعد والديه وربما الأكبر منهما للتعامل مع تقنيات الرقمنة وقد يصحح بعض معلومتهم ومعارفهم. وقد لاحظنا مشاركة هذا الجيل النشطة والواسعة في انتفاضة تشرين والحركة الاحتجاجية الجارية.

ثالثاً: العضو المؤازر الذي يعفى من أحد شروط العضوية. إن هذه الإضافة ضرورية فهي تأخذ بنظر الاعتبار الحالة النفسية والفكرية التي خلقتها بيئة الرقمنة المعاصرة.

رابعاً: تبديل اسم الحزب. مع الأسف لم يجر التوقف عندها في مناقشات المنظمة. ويبدو لي أن هنالك خشية كبيرة من طرح هذه المسألة، وتأتي الخشية من أن تبديل اسم الحزب قد يعني التنكر لتاريخ الحزب وتضحياته الجسام وللقيم ألأساسية في الشيوعية، في حين لا يعني الأمر كذلك على الاطلاق. إذ أن المهمة الأساسية المطروحة أمامنا هي استعادة هذه القيـم في صيغ معاصرة وبأفكار جديدة وبمهمات واقعية والتخلص من الأساليب القديمة المرتبطة بهذا الاسم. وهذا ما جرى في برنامج الحزب ومرجعيته الفكرية في المؤتمر الخامس للحزب ورفض المؤتمر تغيير اسم الحزب، بما يتناسب مع هذا التجديد. وبقي نظامه الداخلي وبنيته التنظيمية وأساليب عمله مشدودة إلى حد ما باسمه، ولذا نعاني وستبقى من القديم. وباعتقادي إن تبديل أسم الحزب إلى “الحزب الاشتراكي العراقي” هو ما يتناسب مع برنامج الحزب ونهجه السياسي والفكري الراهن عموماً ويساعد  على تجديد بنية الحزب ونظامه الداخلي. 

ومن دواعي تبديل اسم الحزب هو أن انهيار التجربة الاشتراكية بعد تلك العقود الطويلة وبما ترتبت على ذلك الانهيار بسبب الخلل البنيوي فيها، فإن الاستمرار في الحديث عن الشيوعية لم يعد ملائما للعصر الراهن. وقول بعض قادة الحزب في وسائل الاعلام “انني كاشتراكي” بدلاً من القول: “إنني كشيوعي” له دلالته في هذا المضمار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أُلقيت في موسع منظمة الدانمارك - 20 كانون الأول 2020

عرض مقالات: