ونحن نقترب من انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي الحادي عشر، تعود من جديد الدعوة من بعض الأصدقاء والرفاق المناضلين الشيوعيين، لتغيير اسم (الحزب الشيوعي) بدعوى الديمقراطية والتجديد، والملفت في هذا الأمر أن بعضهم، مناضلون لا غبار على أسمائهم وتأريخهم النضالي، بل كانوا معلمين ومرشدين لأجيال بصفاتهم النضالية وبسالتهم الشيوعية، إذ حملوا راية (الحزب الشيوعي) عاليا في مختلف الظروف في سوح النضال، في التظاهرات، السجون، كردستان وثم في المنافي.

ويحاول البعض، لتبرير دعوته، التعكز على واقع انهيار تجربة الدولة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وما عرف بالمنظومة الاشتراكية، والقول بأن (الاشتراكي) هي المناسبة والأفضل وما غير ذلك، وبدعوى مراعاة التغيرات الحاصلة في العالم وغير ذلك. وهذا الأمر صار يتكرر مع اقتراب كل مؤتمرات الحزب الشيوعي العراقي، لكنه لم يجد قبولا عند مندوبيه، فلم يمر في النقاشات، وخصوصا في مؤتمرات الحزب الأخيرة، التاسع والعاشر، التي كان لي شرف حضورها والمساهمة فيها. واعتمادا على مساهمة قدمتها شخصيا عشية انعقاد المؤتمر الوطني السادس للحزب، ونشرت في صحافة الحزب الشيوعي العراقي ايامها، أعود من جديد لأقدم افكارا حول هذا الأمر وأرجو أن تساهم في إغناء الحوار الفكري والرفاقي الذي لا يفسد للود قضية ولا “تشخصن” بأي شكل كان، ولهذا  لن أتبع هنا أسلوب لينين الحاد والساخر في ردوده مع خصومه الفكريين، وأحاول اختيار المفردات الهادئة، لأقول أني أرى في الدعوة لتغيير اسم الحزب، مهما كانت المبررات المقدمة، محاولة تراجع، بل وانكسارـ ربما يستخدم لينين في مثل هذه الحالة مفردة (تخاذل) ـ أمام هذا الخراب والتردي الاجتماعي والفكري الذي نعيشه في مجتمعنا العراقي ـ والمنطقة العربية عموما ـ وحملات العداء التي تشنها قوى رجعية ومعادية فكرية، لأجل ازالة وكسر كل ما له صبغة علمانية واشتراكية ويسارية ومن ذلك، راية وأسم الحزب الشيوعي، ودفعه للصفوف الخلفية، بل ووضعه على الرف كما يتخيلون ويحلمون.

وهكذا فان الاستجابة لهذه الآراء والدعوة لتغيير أسم الحزب الشيوعي، لا تعكس عندي، حكمة وشكيمة نضالية، بل هي تكاد تكون في المحصلة، مساهمة في هذا الفعل الساعي لتغييب الحزب الشيوعي، بشكل أو آخر.

وهذا يدعونا من جديد للتذكير بأن الحزب الشيوعي العراقي في وثائقه المقرة في المؤتمر العاشر 2016 يذكر كونه (يسترشد الحزب في كفاحه وفي مجمل سياسته وتنظيمه ونشاطه، بالفكر الماركسي وبدروس التجارب الاشتراكية والتراث الاشتراكي عامة، ويسعى إلى تجسيد ذلك في ظروف العراق الملموسة بإبداع، استناداً إلى دراسة عميقة لواقع مجتمعنا المعاصر وما يشهده من تطورات في الميادين كافة). والفكر الماركسي هنا هو غير الاشتراكي، لان الماركسية كنظرية هي خلاصة الفكر الاشتراكي بمدارسه المختلفة قبل ظهور ماركس، واذ صاغها ماركس وانجلس بنظرية متكاملة فانهما قدما منهجا جديدا علميا لحزب من طراز جديد هو: (الحزب الشيوعي). والحزب الشيوعي العراقي اذ يعلن هويته الفكرية كحزب ماركسي ويعلن الاشتراكية هدفا له فهو ينسجم بذلك مع اسباب وجوده كحزب شيوعي. أن الاشتراكية بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي كهدف ليست حلما طوباويا، انها مطلب جماهيري، وان فشل النموذج السوفياتي في بناء الاشتراكية، حتى بعد سبعين سنة من التطبيق، فهذا ليست نهاية التاريخ ولا نهاية العالم ولا نهاية حلم البشرية. 

تعيش البشرية الآن، مرحلة جديدة لا تتطلب الذعر من انهيار تجربة، رغم كل أهميتها، فقد كانت ومضة في عمر الانسانية، وتتطلب لا نزع الجلد أو جلد النفس والتنصل من الماضي، بل تتطلب العمل والعمل بشجاعة استنادا إلى وجهة نظر الحياة ـ الممارسة، على حد تعبير لينين. وفيما يتعلق بالحزب الشيوعي العراقي الذي لم يتسلم مقاليد الحكم مرة واحدة كي تضع دعواته لبناء الاشتراكية محل الاختبار الحقيقي فان الشيء الاكثر واقعية باعتقادي هو ليس مراجعة اسم الحزب الشيوعي وتغييره، فلو غير الحزب الشيوعي العراقي اسمه وظل محافظا على كل المفاهيم وتقاليد العمل التي تجاوزتها الحياة ولم يعش عملية تجديد حقيقية وعميقة فان هذا يذكرنا بالقول المنسوب إلى لينين (أن طلائك للدار لا يعني امتلاكك دارا جديدة).

يقول شكسبير في مسرحية روميو وجوليت (ان الشئ الذي نسميه “زهرة” يظل يفوح شذى حتى لو اسميناه بأي اسم آخر) هذه الحقيقة تقودنا إلى واقع أن احزابا شيوعية عريقة تعمل تحت اسماء مختلفة (التقدم والاشتراكية، الطليعة، ...) احزابا لا تنعت نفسها بكلمة (الحزب)، بل تطلق على نفسها تعبير مثل (جبهة) أو (حركة) أو (المنبر)، لكن في كل الاحوال عند الحديث او الكتابة عنها، فإنها عند الاصدقاء والخصوم: (الحزب الشيوعي). ان كل الاحزاب الشيوعية التي (صُدمت) عند انهيار النموذج السوفياتي للاشتراكية وغيرت من اسمائها، وحتى تلك التي لم تكتف بتغيير الاسم فقط وذهبت ابعد من ذلك لتكون أكثر (انفتاحا) وليبرالية فان وسائل الاعلام لا تستطيع عند الحديث عنها الفكاك من كلمة (الشيوعية) ومرادفاتها مصحوبة بكلمة (سابقا) التي صارت تعبيرا ثابتا لدى الكثيرين. ان الحزب الشيوعي العراقي لو غير اسمه وحمل اي اسم اخر، مثلا “الاشتراكي “ او “ الاشتراكي الديمقراطي “ فسينسحب عليه ذات الامر.

ان اسم الحزب الشيوعي العراقي الذي مد جذوره عميقا في تربة العراق وقلوب المخلصين من ابناء الشعب العراقي، الذين غذوه بخيرة ابنائهم، صار راية نضالية، ورمزا وطنيا رسخ في وجدان الشعب وهوساته وامثاله وحكاياته وفي قصائد الشعراء واغانيهم، هذا الاسم كان ولا يزال منارة للحركة التقدمية والديمقراطية ـ والشبابية ـ وصماما أساسيا للتحالفات الوطنية الجادة، والمطلوب ـ الآن ـ ليس إعادة النظر في اسم الحزب الشيوعي العراقي، بل المطلوب مواصلة المسيرة الجادة التي بدأها المؤتمر الوطني الخامس في إعادة النظر بالمفاهيم التي تجاوزتها الحياة وتعميق الممارسة الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية، وتدقيق سياسة التحالفات الوطنية، وايجاد خطاب سياسي يتلاءم والواقع الجديد الذي يعيشه شعبنا بعد زوال النظام الديكتاتوري وبعد كل المتغيرات والكوارث التي مر بها ويعيشها وطننا ويعاني منها ابناء شعبنا بسبب من حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية ، والفساد المستشري في الدولة والمجتمع.

عرض مقالات: