صدر عن كاتانيا، مركز جزيرة صقليا في الجنوب الإيطالي، مجموعة شعريةٍ جديدةٍ للشاعر الإيطالي بورغاريتا، المولود في إحدى أجمل مدنها الساحلية (آفولا)، المنفتحة على سواحل بلدان عديدة للبحر الأبيض المتوسط. المجموعة الجديدة كتبت باللهجة الصقلية المحلية وهي صعيةٌ على الفهم حتى بالنسبة لمواطني مناطق أخرى في وسط وشمال إيطاليا. والهام أنه وضع النصوص بالإيطالية الكلاسيكية أسفل كل صفحة من الكتاب.

ذكر الشاعر سيبيستيانو في رسالته لي، أن أصل الكلمة، يتأتى من استخدام كتاب “انجيل جوفانّي” وهي تعني “ verb- الفعل” وتذكر تاريخيا إلى عبارةٍ  تقول “الفعل الذي صار لحماً أو جسداً” وهي تعني استخدام الفعل المؤثر في السامع، والتي تتعامل مع من لا يستطيع الفهم أو الاستيعاب أو للاقتناع، وتقريبه من الواقع عن طريق التشبيه بضربة الموت المعبر عنها باللحم، والمقصود الجسد الميت.

ولهذا صلة بالمأساة التي حاصرت الشاعر الصقلي لزمنٍ من المعاناة والألم، وجديته في الصراخ وسط عالمٍ صامت أمام واحدةٍ من أبرز مآسي العالم، وهي الفواجع التي حصلت في البحر الأبيض المتوسط، بغرق وموت المئات من طالبي الحياة لجوءاً إلى سواحل اعتقدوا أنها ستكون منطلق حياةٍ جديدة واستقرارٍ آمنٍ، بعيداً عن العسف والحروب وعن الجوعِ والكوارث الطبيعية والانسانية. وشكلت قمة المأساة لدى الشاعر العثور على جثة الطفل الكوردي من سوريا (آلان)، ذي السنوات الثلاث من العمر، جثةً هامدةً على الساحل الإيطالي.

الشاعر بورغاريتّا اراد لكلماته المرصوصة بابيات شعرية، وبلهجته المحلية، مناجاة بني منطقته، والتعبير عن تأثرٍ عميقٍ لفعلٍ إنسانيّ راقٍ. أراد مخاطبة أعماق الإنسان ملتجئاً إلى الصراخ مثلما أراد من كتابه كما قال “صرخة لتعرية المواقف أمام التضحيات الكبيرة”. ولم يتبن أية معاني تتلبس الإيمان الديني أو المذهبي، وهو العلماني المؤمن بحرية الإنسان. وهنا ذكر في رسالته لي أن “التاريخ منح لأرض بلاده، صقليا، دوراً ومهمة خاصة لأن تكون عامل وحدة ومنطلق حوارٍ واتفاق، بين سواحل البحر الأبيض المتوسط”.

مجموعة “فيربوم كارو”، لبورغاريتّا، جاءت، بعد فترةٍ طويلةٍ من البحث والتقصي، أطلقتها حادثة وفاة الطفل الكوردي من سوريا، آلان، والتي تركت أثراً عميقاً في أعماق روحه، كما يفصح هو، كما أحدثت ضجة واسعةً في عموم إيطاليا والعالم. وحادثة غرق (آلان)، والعثور على جثته، على الساحل تلاطمها الأمواج، تلخص قصة الآلاف من الباحثين عن حياةٍ أجدى وأكثر انسانية، الحالمين بمستقبل استقرارٍ لهم ولعوائلهم. فلقد اضطرت عائلة (آلان) لخوض غمار البحر في مغامرةٍ محفوفة بالمخاطر، بعد أن رفضت كندا طلبهم الحماية الدولية وهم خارج بلادهم بسبب الحرب والارهاب وعسف السلطات. وشكلت الحادثة المأساوية إدانة واضحةً لسياسات أوروبا ومواقف بعض القوى المعادية للهجرة والمهاجرين في ايطاليا، وعدم وجود سياسات موحدة وانسانية لمواجهة هذه المأساة الانسانية.

لقد تكلم بورغاريتّا، بلسان الطفل الكوردي (آلان)، فجاءت صور شعره أصواتاً لجميع الأطفال، المعذبين المحرومين في العالم.

واخترت من الملحمة الطويلة ترجمة روحيتها وإيقاعاتها الإنسانية المنفتحة. وقبل ذلك أنقل ما ذكره الشاعر في ختام رسالته التي بعثها لي، وجاء فيها “ترنو أبيات شعري، لأن تشكل أغاني للحب، على شرف الذين ماتوا، وهم كثر، ضحايا بحار الهجرةِ والأحياء بيننا، وتوفير الفرصة لأن يعيشوا بسلامٍ معنا”:

كان يرنو ...،

أدعو ... أو كنت أرغب ان أدعو

تلك السفينة البعيدة،

لتأتي وتنقذنا ..

وسط البحر.

تنقذنا جميعاً،

وفي القارب كانت ترقد ...

ثلاث عشرة جثةً،

لموتى تتطلع عيونهم لميناء لامبيدوزا*.

ولن أذكر المفقودين منّا ...

وكنّا نحن سبعة ...

من حديثي الولادةِ.

أبحرنا ...

أو شرعنا في الإبحار ...

في عتمة الصومال

وكنّا نبحث في الخارج ...

 عن نقطة ضوء.

لم أك افهم شيئاً

ماذا كان يحصل

وأنا لم أبلغ بعد

سن العامين  في الحياة،

أجد نفسي محشوراً 

بين جثثٍ وأجسادِ أقاربي

مبحرين

نجولُ من بحرٍ لبحر.

والمصيرُ ... مصيرنا،

بأيادي المهربين

الغشاشين.

**

نعبرُ

ملعون زمنٍ العبور 

ونحن الصغار نتجه صوب الموتِ

واحداً تلو الآخر.

متباعدين ... قابعين

في قعر القارب،

وبكلّ تجردٍ من روح،

رموا أولى الجثثِ

لتوفير باحاتٍ ..

للباقين ..

أحياءً

**

وفي موضعٍ آخر من الملحمة الشعرية لكتاب بورغاريتّا جاء:

يومها ...،

بعد المأساة فهو عمدتنا المتنورِ

حِمل تلك اللحظات ...،

وكم كان ثقيلاً ...

ليتذكر من جديد، حينها:

أن روما مدينة مفتوحة.

وأن راية الصومال تنتصر،

وسقطت أشرعةً وجدران مرفوعة.

وبينهما، تمزق حجاب المعبدِ

تعرى ...

وصار كلّ شيء مرئياً

كلّ شيء صار مرئياً ... كنور. 

شرفٌ ضاع،

تنباً لهذا الحال 

إذ تعالجُ بالرحمة 

الشفقة.

غذوا السير أماماً ...

مع تلك الموسيقا الجنائزية.

وفّروا قناني العصير ...

**

ويواصل الشاعر حديثه بلسان الطفل (آلان) ليصف الحال بعد دفن الموتى:

انتهت منذ زمنٍ ...

 مرحلةُ الدموع،

مرحلةُ الشرف ...،

 المتألف مع الألم.

ولكني وأنا الصغير ...

لم أكن هناك

كنت قد نزلتُ من العربةِ،

بلا نعشٍ يدثرني،

بلا أرضٍ.

كان لي هناك فقط،

غطاء ولحاف،

غطت بقايا أجسادٍ

مضطربةٍ في القارب.

أنا بلا اسمٍ،

بلا إرثٍ ...،

والبحر أعطاني

قلبه والسلام. 

(......)

أنا الصغيرُ ..

من يعطيني صوتاً ..

صوتاً قوياً ...،

مقتدراً ...

أريد صوتاً للحديث 

أريد صوتاً للغناء

 بإيقاع الرثاء والشعرِ.

أريد صوتاً

يسرد التاريخ الصقلّي،

بدافعٍ مدمرٍ ولو لمرةٍ واحدة.

ولكن أحدهم هنا ... هناك،

يصرخُ غباءً ويقول لي:

تريد الغناء ...،

وأنت السوريّ الصغير آلان،

تريد الغناء بصوتٍ صقليّ ...؟

أليس الأفضل،

أن نستمع لحكواتيّ

يروي لنا قصة التاريخ ؟ 

ويختتم الشاعر الصقليَ ملحمته الطويلة بهذه الأبيات:

في غيابِ الكلام،

تتحدثَ الجثث.

وماء البحر حولناه دماء.

عليّ، إذن 

أن أتقبل

موت ابني

حين يصبح ماء البحر

دهناً ...

حينها لا يستطيع ...

أبني الشابُ فعل شيءٍ

فالدماء بقيت هنا،

ماءً للبحرِ.

في غياب الكلام، تتحدثُ الجثثُ،

في أفعالِ الغيابِ

تُنشأ الجسورُ 

وكما قيل :

تحول “الفعل لحماً (جثةً)”

وهكذا أبقى بورغاريتّا الفعل ... كلامه المصبوب في ابياته الملحمية فعلاً يدعو يحرض لعالمٍ أفضل، أجمل... ونحو آفاقٍ انسانية أرحب تتجاوز الحدود وتغور في الأعماق.

عرض مقالات: