في قوّة التزاحم الشعري التجديدي نهاية الستينيات وطيلة العقد السبعيني من القرن الماضي، كان الشاعر الراحل " يعرب الزبيدي" يقف على مقربة من شعراء الخطوة الثانية في تجديد الشعر الشعبي العراقي.
كان منصتاً للتحولات والهزّات التي حصلت في نوع وشكل القصيدة الشعبية بهدوء وتمعّن عميقين، واستطاع ان يُكيّف شعريته بتدرج فني مع هذه التحولات، فأنتج قصائد تصطف مع مثيلاتها من شعر الآخرين: شصير آنه، سفر وسيوف، أحله دنية، إلي إو للناس والليل وغيرها. واستطاع أن يلفت إليه الانتباه، انتباه الذائقة والتلقي بعد أن نشر العديد من القصائد في الصحف، طريق الشعب، الراصد، المجتمع وغيرها.
ورغم قربه من شعراء الخطوة التجديدية الثانية وتماسّه معهم إلّا أنّه لم يقع تحت تأثير أيٍّ منهم اسلوبياً وبنائياً، بل اكتفى بنموذج التجديد على مستوى التحرر من الأشكال القديمة وموضوعاتها المتكررة، وبذلك حقق حضوره الشعري الخاص بتطوّر محسوس:
ياروحي،
ياروحي دظلي ادموع ،
ظلي ادموع ، صبيني اعله چف المالكَاني ادموع
طشّيني ابعتب وانباع خنصر وي وتر مكَطوع
دكَوني إعله ناي اخرس ..
سكت وآنه حچتني اضلوع
تنذرني حزن للماي وإليا (خُضر) روحي اشموع ..؟
وكان الشاعر يعرب الزبيدي، يولي اهتماماً واسعاً للإنصات الغنائي الريفي، ويحتفظ بتسجيلات صوتية كثيرة، ساعدتهُ في المران على التنوّع الإيقاعي، وبذلك استطاع أن يمنح قصيدته ثراءً غنائياً مدفوعاً ببعض عزلة حياتية خاصة تستجيب لمثل هذه الغنائية:
شصير آنه..
شصير آنه سفينة نوح
اَشيلن نوحك إونوحي .
إذن، كان الشاعر في محنة حياتية (نوحيّة) مزدوجة، يُعالجها بالتعجب والغنائية، ومثل هذه المحنة، تمكنت منه جسدياً بفعل الإجابات غير الممكنة، الإجابات الوجودية العصيّة على التحقق. لقد رحل الشاعر مبكراً، تاركاّ صراخه المُدوّي (شصير آنه).
رحل قبل أن تسعفه اللحظات بأن يصدر مجموعته الأُولى، إلّا أنَّ بعض أصدقائه وذويه تمكنوا من جمع قصائده واصدارها بمجموعة حملت عنواناً تقليديّاً (نبض الوجد) بطبعة محدودة، غير أن فضلهم يكمن في المبادرة والوفاء.
في شعرية الشاعر يعرب الزبيدي، تكون العناصر الفنية متراوحة بين الغنائية والإيحاء الرمزي (نوح، الخُضر)..
واللغة المدينية والتنوّع الإيقاعي وكذلك بعض التشكيلات الصوريّة، وكل هذا يحصل بفعل إدراك وملاحقة ما آلت اليه التحولات الفنية والجمالية في مشهد الشعر الشعبي العراقي فترة السبعينيات، هذه الفترة التي مازال شعراؤها يمثلون الارتكاز الحقيقي للشعرية الشعبية العراقية.
في استحضار واستذكار الشاعر يعرب الزبيدي، نكون قد منحنا القصيدة الشعبية الحديثة حضوراً إضافيّاً من خلاله وقبل أن يعلو رماد النسيان. إنّه شاعر في الذاكرة:
روحي
إويه العذاب اتطوف ..
لا جف ابضمير ابيض يكَف ويشوف..
فجري الياوكت مصلوب..؟
ياروحي السفرمفتاح
سرّج والعمر مشحوف .
لقد كان الرحيل هو السفر والمشحوف.