اخر الاخبار

تستعد العاصمة التركية أنقرة لاستقبال المشاركين في قمة الناتو يومي السابع والثامن من تموز الحالي، في المجمع الرئاسي، المركز السياسي لحزب العدالة والتنمية الاسلامي الحاكم. تفرض الحكومة عمليا حالة طوارئ غير معلنة، تتحول أنقرة بموجبها إلى منطقة أمنية تُحظر فيها الاحتجاجات، ويُعتقل اليساريون والمناهضون للحرب، وتُحجب وسائل التواصل الاجتماعي المشكوك بولائها. وتُنفق مليارات الدولارات على مسارات الوفود المشاركة، وممرات الطائرات، وواجهات المباني. وبالمقابل، يدفع السكان ثمن الحظر، والتفتيش، وإغلاق الطرق، وفقدان الأجور. وتعكس هذه الإجراءات ترابط السياسة الخارجية، والولاء للحلف، والقمع الداخلي، وتغيير الطابع السلمي للحواضر.

حظر التجمعات

لقد حظر محافظ أنقرة، في أيام 28 حزيران – 10 تموز جميع أشكال النشاط السياسي العام تقريبًا. ويشمل الحظر التظاهرات، والتجمعات، والمؤتمرات الصحفية، والإضرابات عن الطعام، والاعتصامات، والمسيرات، والطاولات الإعلامية وتعليق الملصقات واللافتات. كما يجب تعليق الامتحانات، والندوات، وحلقات النقاش، وحفلات التخرج، والمهرجانات، والحفلات الموسيقية، والفعاليات المماثلة. ويأتي هذا الإجراء لتهيئة المدينة، سياسيًا واجتماعيًا، لانعقاد القمة. ويُبرر ذلك بـ "أمن" القمة، و"النظام العام"، و"الأمن القومي"، وحماية الوفود الأجنبية.

وتزداد شدة الإجراءات الأمنية حول ما يسمى بـ "المناطقة "حساسة": مسارات سفر الوفود، وفنادقها، والمجمع الرئاسي، والمطارات، والطرق الرئيسية. وهذا يُغلق فعلياً المجال السياسي للعاصمة. ويُمنع ظهور أي محتج ضد الناتو. ووفقا لذلك تعد مناهضة الإمبريالية تهديداً لأمن تركيا القومي.

وحال إعلان الحظر، انطلقت، صباح يوم 23 حزيران، موجة قمع واسعة، وجرى تفتيش العديد من الشقق في أنقرة في وقت واحد. و"كجزء من إجراءات كشف أنشطة المنظمات الإرهابية على مستوى البلاد"، وصدرت أوامر اعتقال بحق 241 ناشطا، وأُلقي القبض على 225 منهم، ووُضع 178 منهم رهن الحبس الاحتياطي. وينتمي معظمهم إلى أحزاب يسارية وحركات اجتماعية.

لم تمنع هذه الإجراءات نشطاء السلام والمناهضون للإمبريالية من التظاهر يوم الأحد الفائت ضد الناتو في إسطنبول وأنقرة، وإزمير. ويوم الاثنين الفائت، اندلعت احتجاجات في إسطنبول ضد انعقاد قمة برلمانيي الناتو هناك: سار المتظاهرون في الشوارع وهم يهتفون بشعارات ويلقون خطابات تحريضية، وقاموا في بعض الأحيان بقطع حركة المرور، قبل أن توقفهم الشرطة. وتم اعتقال أحد عشر ناشطا.

لقد تم تخصيص قرابة 188 مليون يورو من الأموال العامة للتحضيرات والبنية التحتية والتدابير الأمنية الخاصة بالقمة. وقد تم تجهيز مطار إتيمسغوت العسكري، الذي لا يبعد سوى بضعة كيلومترات عن المجمع الرئاسي، لاستقبال رؤساء الدول والحكومات. وجرى تجديد أو توسيع الطرق المؤدية إلى المطار، والمجمع الرئاسي، والمقر العسكري الجديد، ومقر جهاز المخابرات، بالإضافة إلى الطرق الرئيسية المخصصة للوفود.

 

 الشعب يدفع فاتورة التبعية والقمع

تكشف المعطيات الطبيعة الطبقية لهذا للتخصيصات. لقد مُنحت عقود بقيمة قرابة 96 مليون يورو لتجديد المطار فقط. وتبلغ قيمة عقد توسيع الطرق المؤدية إلى المجمع الرئاسي قرابة 75 مليون يورو. إضافةً إلى ذلك، هناك خدمات تخطيط واستشارات، فضلاً عن عقود لتنفيذ عملية تشجير على طول طرق تنقل الوفود، والتي قد تصل إلى أكثر من 1.3 مليون يورو. لا يتم تجديد المدينة لمصلحة سكانها، بل يتم تجهيزها لاستيعاب كاميرات حلف الناتو وقوافله واحتياجاته الأمنية.

بالإضافة إلى ذلك تؤثر إجراءات المرور بشكل أساسي على السكان المحليين. تُفرض رقابة على الطرق وفنادق وأماكن مرور الوفود. وفي مناطق محددة، سيتم تقييد حركة المشاة والمركبات، وإغلاق الطرق الرئيسية مؤقتًا أو كليًا، ومنع الوصول إلى الشوارع والأحياء. وهذا التقييد يشمل كل من يعمل أو يتنقل أو يسكن بالقرب من هذه المناطق.

وكذلك تم بناء جدران مؤقته وحواجز لإخفاء العشوائيات، بالشكل الذي جرى في البصرة خلال مباريات كاس الخليج. ان المنطق السياسي واضح لا لبس فيه: لا يُراد القضاء على الفقر، بل إخفاؤه. بالنسبة لمن هم في السلطة، لا تكمن المشكلة في عدم المساواة الاجتماعية بحد ذاتها، بل في احتمال ظهورها على طول مسار قوافل الناتو.

بل إنّ "تجميل" المدينة يمتدّ ليشمل حيوانات الشوارع. ويُقال إنّ الشرطة قد أصدرت تعليماتٍ لإدارات الأحياء بجمع الكلاب الضالة على طول الطرق الرسمية، وبالقرب من الفنادق وأماكن الفعاليات، ونقلها إلى ملاجئ الحيوانات التي لطالما وُجّهت إليها انتقاداتٌ بسبب الاكتظاظ والإهمال وظروف المعيشة المزرية. وهناك احتمال، إغلاق متنزهات كبيرة مؤقتًا ليتمكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من إكمال جولته الصباحية. وكذلك الغاء المهرجانات والحفلات الموسيقية، تبدو فكرة تخصيص حديقة لرئيس دولة بمثابة تلخيص دقيق للنظام السائد: لا يُسمح للسكان بالاحتجاج، بينما يُسمح لمن هم في السلطة بالتنقل دون عائق.

ومن الجدير بالذكر ان هذه الإجراءات تشكل أيضا حلقة في القمع الواسع المستمر منذ أشهر ضد جميع المعارضين والمنافسين المحتملين بما في ذلك الحزب الجمهوري (الكماليون) استعدادا لتحجيم فرص فوز المعارضة في الانتخابات البرلمانية العامة المقبلة.